رؤى

تمظهرات القهر الاجتماعي في الحياة اليومية للإنسان العربي المعاصر(3-3)

(تأملات سوسيولوجية – نقدية)

– ”القهر الاجتماعي هو الوجه غير المرئي للسلطة؛ يتسلّل إلى الوعي ويعيد تشكيله دون قسر مباشر“.

– ”في المجتمعات القهرية، يُختزل الإنسان في موقعه الطبقي، لا في إمكاناته“.

– ”يُعاد إنتاج القهر كلما غاب الوعي النقدي وحل محله الامتثال الثقافي الجمعي“. (الكاتب)

رابعا- نحو تفكيك منظومات القهر الاجتماعي، وبناء أفق تحرري عربي: يُظهر تحليل القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة، أنه ليس ظاهرة عرضية أو سلوكا فرديا منحرفا، بل منظومة بنيوية مركبة تتداخل فيها عوامل السلطة، والطبقة، والثقافة، والنوع الاجتماعي، وتتمأسس داخل مؤسسات الدولة والمجتمع على حد سواء. وقد بيّن الفحص النظري أن هذا القهر لا يُمارَس فقط من خلال العنف المباشر أو القوانين القمعية؛ بل يتجلَّى كذلك في أشكال رمزية ناعمة، تنتج الطاعة وتُقنن الإقصاء باسم النظام، أو القيم، أو التقاليد، أو الدين.

غير أن هذا الوضع -على تعقيده- ليس قدرا تاريخيا مغلقا، بل يمكن تجاوزه من خلال تفكيك الأنساق التي تُعيد إنتاج القهر، وإعادة بناء الوعي الجمعي، وفق أسس نقدية وتحررية. فالمسار الأول للخروج من هذا المأزق يبدأ من إعادة الاعتبار للفعل الاجتماعي الواعي، أي تمكين الأفراد من امتلاك أدوات الفهم النقدي للواقع، وتحريرهم من “التطبيع” مع أوضاعهم القهرية؛ باعتبارها أوضاع قدرية. وهذا لا يتحقق إلا بإصلاح بنية التعليم، وفتح المجال العام، وتعزيز حرية التعبير والمشاركة السياسية الحقيقية.

أما المسار الثاني، فيتعلق بتفكيك البنى الثقافية والرمزية التي تشرعن التفاوت والتمييز، كأن تعاد مساءلة الخطابات الدينية والتعليمية والإعلامية، التي تكرّس صور الخضوع، والتبعية، واللامساواة. وهذا يتطلب توسيع نطاق النقد الثقافي، وتشجيع إنتاج بدائل معرفية تعيد تعريف مفاهيم السلطة، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية.

وفيما يتعلق بالمسار الثالث، هو إعادة بناء الدولة العربية بوصفها إطارا للعدالة لا أداة للهيمنة، وذلك عبر إصلاح السياسات الاقتصادية والاجتماعية، والانتقال من الدولة الريعية إلى الدولة التشاركية، وإرساء أنظمة قانونية تضمن الحريات، وتكافؤ الفرص، والاعتراف بالتعدد والاختلاف.

في الختام نؤمن بأن الخروج من مأزق القهر الاجتماعي في العالم العربي يستوجب مشروعا تحويليا طويل النفس، يبدأ من الوعي وينتهي بالفعل، ويجمع بين مقاومة البنى البنيوية الظالمة، وتشييد أنساق بديلة قوامها الحرية، والكرامة، والمساواة. فالمعركة ضد القهر -في جوهرها- ليست فقط مع أنظمة الحكم، بل مع البُنى التي تطوّق العقل والضمير واللغة، وتجعل القهر يبدو قدرا لا يُفكر في تغييره.

خامسا- مقترحات ورؤى سوسيولوجية لتفكيك القهر الاجتماعي في المجتمعات العربية المعاصرة: تنحصر فيما يلي:

1- تحليل أنماط العنف الرمزي في المؤسسات التعليمية العربية من خلال دراسات ميدانية تركز على كيفية إعادة إنتاج القهر الطبقي والجندري من خلال المناهج، واللغة التربوية، وأنظمة التصنيف داخل المدارس والجامعات.

2- ضرورة تجديد الخطاب الديني بوصفه أداة للتحرير من خلال تحليل الخطابات الدينية في فضاءات مختلفة (المنابر، الإعلام، التعليم)، للكشف عن دورها في دعم الوعي النقدي والتحرر.

3- توضيح آثار السياسات النيو ليبرالية، في إنتاج الفقر في المدن العربية، من خلال دراسة سوسيولوجية، تبين كيف أدت سياسات الخصخصة وتراجع دور الدولة، إلى تعزيز أنماط الحرمان الطبقي والإقصاء الاجتماعي.

4- الكشف عن مكانة المرأة العربية بين القهر الرمزي والتهميش السياسي، من خلال تحقيق نظري وميداني في الآليات غير المباشرة، التي تقصي النساء من المجال العام، رغم التحولات القانونية الشكلية.

5- تحليل سوسيولوجي للحراك الشبابي في مواجهة القهر الاجتماعي، من خلال رصد كيف تنشأ حركات احتجاجية أو ثقافية مضادة في أوساط الشباب، كاستجابات بديلة للهامشية والقهر الرمزي والسياسي.

سادسا- التوصيات: بناءً على ما سبق نوصي بما يلي:

أ- إصلاح مناهج التعليم على أسس نقدية، من خلال إدماج مفاهيم العدالة الاجتماعية، والتفكير النقدي، والاعتراف بالآخر في المناهج التربوية، بهدف زعزعة البُنى التي تُكرّس التراتبية الاجتماعية.

ب- دعم الفضاءات العامة الحرة والمستقلة، من خلال تعزيز وجود مؤسسات فكرية وإعلامية وثقافية مستقلة، تتيح تبادلا حرا للأفكار، وتُسهم في بناء وعي جمعي مقاوم للقهر.

ج- مراجعة القوانين التمييزية ضد النساء والأقليات، من خلال إلغاء أو تعديل القوانين التي تُكرِّس التمييز الجندري أو الطائفي أو الطبقي، وتبنِّي منظومة قانونية تضمن المواطنة المتساوية.

د- تبني مفهوم العدالة الانتقالية في المجتمعات الخارجة من القمع والاستبداد، من خلال استلهام نماذج العدالة الانتقالية، كما في بعض بلدان (أمريكا اللاتينية، جنوب إفريقيا) لتفكيك إرث القهر ومعالجة آثاره عبر الاعتراف والمساءلة والمصالحة.

ه- بناء اقتصاد تشاركي (تفاعلي) قائم على العدالة الاجتماعية، للخروج من النموذج الريعي أو النيو ليبرالي، باتجاه نموذج اقتصادي يعيد توزيع الثروة، ويوسع قاعدة الحماية الاجتماعية، ويعزز التمكين الاقتصادي للفئات المهمشة.

وفي النهاية لا تمثل هذه التوصيات حلولا سحرية آنية؛ بل تشكل مسارات تراكمية لبناء مجتمع عربي أكثر عدالة وحرية. إنها تستلزم تضافر جهود الجامعات، والمراكز البحثية، وصناع القرار، والمجتمع المدني، لإعادة إنتاج المجال العام على أسس مقاومة للقهر، لا خاضعة له.

– المراجع المعتمدة:

– بيير بورديو: الرمز والسلطة، ترجمة: عبد السلام بنعبد العالي، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط3، 2007.

– بيير بورديو: اللغة والسلطة الرمزية، ترجمة وتعليق: علاء عبد الرزاق، تموز للطباعة والنشر والتوزيع، دمشق، ط1، 2022.

– حسام الدين فياض: الإنسانية والمجتمع (ملامح الإنسانية في المجتمع المعاصر)، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري، الكتاب: السابع، دار الأكاديمية الحديثة، أنقرة، ط1، 2025.

– حسام الدين فياض: نظرية العنف الرمزي عند بيير بورديو (دور القوى الناعمة في إعادة تشكيل معالم المجتمع)، من كتاب مقالات نقدية في علم الاجتماع المعاصر – النقد أعلى درجات المعرفة، المقال الثاني، سلسلة نحو علم اجتماع تنويري الكتاب (3)، دار الأكاديمية الحديثة، أنقرة، ط1، 2022.

– حسام الدين فياض: نظرية العنف المجتمعي – العنف الرمزي أنموذجاً (دراسة سوسيولوجية- تحليلية)، مجلة ريحان للنشر العلمي، سوريا، العدد: 23، 28-05-2022، ص(196-235).

– حسام الدين فياض: دور الانثروبولوجيا في تحليل الظواهر الاجتماعية المعاصرة: قراءة نقدية في تحولات البنية والسلوك والثقافة، نحو علم اجتماع تنويري للدراسات والأبحاث الإنسانية والسوسيولوجية، مقال إلكتروني، المجلد: 03، العدد: 029، ماردين، 15 يونيو – حزيران 2025.

– حسام الدين فياض: ما هي الليبرالية؟، موقع الحوار المتمدن، العدد: 8027، تاريخ 03/07/2024. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=834771

– حسام الدين فياض: القهر الاجتماعي عند حسن حنفي؛ قراءة في الوضع الراهن للواقع العربي المعاصر، موقع الحوار المتمدن، العدد: 7786، تاريخ 05/11/2023. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=810323

– حسام الدين فياض: الإذلال الاجتماعي: الوجه الآخر لنزع الصفة الإنسانية، العدد: 8185، تاريخ 08/12/2024. https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=850617

– حنّة أرندت: في العنف، ترجمة: إبراهيم العريس، دار الساقي، القاهرة، ط2، 2015.

– رشاد موسى: سيكولوجية القهر الأسري، عالم الكتب، القاهرة، ط1، 2008.

– شحاتة صيام: القهر والحيلة – أنماط المقاومة السلبية في الحياة اليومية، جامعة القاهرة، القاهرة، ط1، ب.ت.

– صاحب الربيعي: سلطة الاستبداد والمجتمع المقهور، صفحات للدراسات والنشر، دمشق، ط1، 2007.

– ماجد موريس إبراهيم: سيكولوجيا القهر والإبداع، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1999.

– محمد عاطف غيث: دراسات في تاريخ التفكير واتجاهات النظرية في علم الاجتماع، دار النهضة العربية، بيروت، ط1، 1975.

– مصطفى حجازي: الإنسان المهدور (دراسة تحليلية نفسية اجتماعية)، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، ط1، 2005.

– مصطفى حجازي: التخلف الاجتماعي – مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء وبيروت، ط9، 2005.

– موقع الباحثون السوريون: هل المجتمع هو المسؤول عن اضطهادنا!؛ القهر الاجتماعي، تاريخ الدخول إلى الموقع 03/06/2024. https://www.syr-res.com/article/23429.html

– ميشيل فوكو: المراقبة والمعاقبة (ولادة السجن)، ترجمة: علي مقلد، مراجعة وتقديم: مطاع صفدي، مركز الانماء القومي، بيروت، ط1، 1990.

– Asef Bayat: Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East, Stanford, Stanford University Press, 2013.

– Iris Marion Young: Justice and the Politics of Difference, Princeton: Princeton University Press, 1990.

– Paul Ricoeur: The Course of Recognition, Translated by: David Pellauer, Cambridge, MA: Harvard University Press, 2004.

 

حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة قسم علم الاجتماع - كلية الآداب في جامعة ماردين - حلب سابقاً.
زر الذهاب إلى الأعلى