رؤى

“رؤية الشهداء”.. تلاحق دولة الاحتلال!

مشهد مهيب شهده أحد موانئ إسبانيا: إذ احتشد العشرات على جانبي الطريق المؤدي الى المرفأ، وافسحوا مجالا لمتضامنين من كافة أنحاء العالم؛ ليتوجهوا إلى مراكب صغيرة، من المقرر أن تبحر إلى قطاع غزة المحاصر، في محاولة لكسر الحصار عنه، في إطار مبادرة تسمى “أسطول الصمود”.

تجول كاميرا أحد المارة، بين صفوف النشطاء المتوجهين إلى المراكب، وهو يسأل كلا منهم: من أين أنت؟ فيأتيه الجواب مدهشا، إذ يتنوع المتضامنون ما بين أوروبيين وأمريكيين جنوبيين، وشاب من الولايات المتحدة وسيدات من نيوزيلندا وأستراليا، وما يجمعهم هو رغبتهم العميقة في الوصول إلى غزة وتخفيف المعاناة، ولو بقدر بسيط عن أهلها الذين تستهدفهم آلة الموت الصهيونية منذ نحو عامين.

لا يثير هذا المشهد قلق الصهاينة، لكونه علامة على تضامن متزايد مع القضية الفلسطينية، ومؤشرا على عزلة صهيونية متفاقمة فحسب؛ وإنما لكونه -على حد تعبير أكثر من كاتب وسياسي وعسكري صهيوني- تجسيدا لرؤية قادة وشهداء المقاومة الفلسطينية، ممن أطلقوا عملية “طوفان الاقصى” في السابع من أكتوبر 2023.

وفي مقدمة هؤلاء العسكريين الصهاينة، رئيس قسم العمليات السابق في جيش الاحتلال “يسرائيل زئيف” الذي قال في تصريحات أدلى بها للقناة 12 العبرية أن “نبوءة السنوار تتحقق، حرب “إسرائيل” المبررة تتحول إلى غير شرعية، وصورة “إسرائيل” في الرأي العام العالمي في انهيار، دعم الدول الصديقة يتقلص، وها هو ينجح (السنوار) في الصعود إلى منصة الأمم المتحدة هذا الشهر لإعلان العالم عن إقامة دولة فلسطينية (في اشارة إلى تصويت الجمعية العمومية للأمم المتحدة في سبتمبر الجاري على الاعتراف بدولة فلسطينية)، السنوار -من عمق قبره- يقف أمام نصر كبير على “إسرائيل”.

لم يكن زيف، أول من اعتبر أن رؤية الشهيد القائد أبو إبراهيم السنوار، تتحقق الآن على أرض الواقع، حتى بعد نحو عام كامل من استشهاد القائد المذكور، في اشتباك مع قوات الاحتلال في غزة في أكتوبر من عام 2024.

حيث سبقه في شهر أغسطس الماضي العقيد في قوات الاحتياط في جيش الاحتلال حيزي نحميا، في تصريحات للقناة N12 العبرية حيث أكد أن القائد الشهيد السنوار، حدد في أعقاب هجوم السابع من أكتوبر2023، ثلاثة أهداف رئيسة للتفاوض مع الاحتلال: الأول، هو الاستمرار في السيطرة على قطاع غزة وإطالة أمد القتال؛ الثاني: الإفراج عن الأسرى من سجون الاحتلال؛ الثالث: تمزيق المجتمع الإسرائيلي من الداخل.

وفي الشهر ذاته، أثار الإعلام العبري ضجة واسعة عقب تقرير بثته القناة 12 في التلفزة الصهيونية عن كتاب بعنوان “كيف نهزم إسرائيل” يباع حاليا في المكتبات في روسيا وبيلاروسيا، ويُنسب تأليفه إلى يحيى السنوار، مُدبّر عملية 7 أكتوبر.

وفي الشرح التوضيحي للكتاب في المكتبات الإلكترونية، يُشار إلى السنوار بـ”تشي جيفارا الفلسطيني”.

كما جاء فيه: “السنوار أحد الجنرالات العرب العظماء من الجيل الجديد. هو من بدأ عملية طوفان الأقصى، وقاد عملية الدفاع عن غزة في عامي 2023 و2024”.

والحق، أن تحقق رؤية الشهداء كأبي إبراهيم السنوار، وأبي خالد الضيف، وغيرهم من قادة المعركة لا تقتصر على “عولمة القضية الفلسطينية” فحسب -إذا صح التعبير- وتحولها إلى قضية أممية، وإنما تمتد إلى نواحٍ أخرى داخل كيان العدو.

وفي مقدمتها: استنزاف قدرات جيش الاحتلال في حرب عصابات طويلة، حيث أقر جيش الاحتلال عبر إذاعته صبيحة الثالث من سبتمبر 2025، أنه بعد نحو عامين من الحرب في غزة، هناك “استنزاف هائل” في القوى البشرية والمعدات.

وأضافت إذاعة الجيش أن جيش الاحتلال سيدخل عملية “عربات جدعونB” في قطاع غزة بجاهزية تبلغ نحو 60 : 70% فقط من الجرافات الثقيلة المخصصة للمهام الهندسية، حيث تضررت أعداد كبيرة من الجرافات الثقيلة بصواريخ مضادة للدروع وعبوات ناسفة، وخرجت من الخدمة بشكل كامل.

وفي إشارة إلى فعالية حملة مقاطعة الكيان، أوضحت الإذاعة أن الحظر الألماني المفروض على الدولة العبرية يخلق فجوات في قطع الغيار للدبابات، كما أنه بسبب الحظر الأمريكي في فترة إدارة بايدن، تأخّر وصول جرافات إضافية، وحتى الجرافات التي وصلت مؤخرا -بعد تولي إدارة ترامب- لن تكون جاهزة للعملية، بسبب الحاجة إلى تدريعها، وهو ما سيستغرق عدة أشهر.

وهو ما دفع الجنرال السابق في جيش الاحتلال إسحق بريك، للقول عبر صحيفة معاريف: “نتائج إعادة احتلال غزة ستكون كارثية، وخطة احتلال غزة بعيدة المنال وستؤدي لفوضى عارمة”.

وأضاف أن وضع القوات البرية يفسر عدم قدرتها -حتى الآن- على تحقيق أي انجاز ضد المقاومة الفلسطينية في غزة، حيث أن “عدم وجود قوات إضافية، قلل القدرة على البقاء في المناطق التي احتلها الجيش”.

خاصة وأن الجيش “لم ينشئ قوات محترفة للتعامل مع مئات الكيلومترات من الأنفاق في غزة” والتي لازالت المقاومة تستخدمها بفعالية ضد قوات الاحتلال.

وعلى صفحات جريدة يديعوت أحرونوت، سخر المحلل السياسي آفي يسخاروف، من العملية العسكرية المرتقبة في قطاع غزة قاىلا: “المقولة الشهيرة المنسوبة إلى أينشتاين، تقول إن الجنون أو الحماقة تعني القيام بالفعل نفسه مرارا وتكرارا وتوقع نتيجة مختلفة”.

وأضاف أن المقاومة في غزة “لن تستسلم، والأسرى لن يُفرج عنهم؛ بل على العكس هناك احتمال غير قليل أن يتعرضوا للضرر، والانتقادات الدولية ضد إسرائيل التي بلغت أصلا مستويات غير مسبوقة، ستسجل أرقاما قياسية إضافية”.

وفي الوقت ذاته، تتعالى الأصوات المحذرة داخل كيان العدو من الآثار المترتبة على اصرار الحكومة الحالية على المضي قُدما في عملياتها العسكرية في غزة.

حيث حذَّر زعيم حزب إسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان بقوله: “نحن في انهيار سياسي، ولم نكن منبوذين إلى هذا الحد” وانتقد رئيس الحكومة الحالية بشكل لا يخلو من السخرية، موكدا أنه “سيكون مؤسس الدولة الفلسطينية” في إشارة إلى تزايد عدد الدول المؤيدة للاعتراف بهذه الدولة، بسبب سياسات الحكومة الصهيونية، مؤكدا أن “حكومة السابع من أكتوبر تقودنا إلى وضع نكاد نكون فيه على بُعد خطوة واحدة من اعتراف أوروبي كامل بالدولة الفلسطينية”.

وجه آخر من أوجه تحقق رؤية الشهداء، هو تزايد الانقسام داخل المجتمع الصهيوني ما بين مؤيد لاستمرار المعركة وراغب في وقفها، وهو انقسام تغلغل إلى داخل الجيش أيضا، حيث أكد موقع والا العبري، أن هناك انقساما في صفوف كبار الضباط بشأن مواصلة القتال في قطاع غزة.

ومن اللافت حقا، أنه في وقت يعترف فيه الصهاينة بأن أهداف الشهداء تتحقق على أرض الواقع بعد رحيلهم، لازال بعض جهابذة العرب يصر على أن يصف المقاومة بالتهور وقادتها بالمقامرة والسابع من أكتوبر بالمغامرة!

زر الذهاب إلى الأعلى