في مشهدٍ مُحزن في فيلم “القلب الشجاع” يقف ويليام والاس وسط أنقاض قريته المدمرة، محاطا بجثث أحبائه الذين قتلهم جنود إنجلترا بمنتهى الوحشية.. يعلن ويليام الثورة على هذا الاحتلال البغيض الذي نهب أراضي اسكتلندا وسلب الشعب حريته وأذاقه صنوف الإذلال والعذاب.
يقود والاس شعبه لانتصار مؤزر على إنجلترا في معركة ستيرلنغ 1297م؛ لكن الإنجليز يصلون إلى رقبة ويليام بالخيانة، ويعدموه عام 1305م.
يواصل روبرت بروس، النضال ضد الاحتلال، ويحقق النصر لإسكتلندا في معركة بانوكبيرن 1314م، ما مهّد الطريق لاستقلال اسكتلندا بمعاهدة إدنبرة- نورثهامبتون 1328م.
الأربعاء الماضي.. واعتراضا على الدعم المستمر وغير المحدود الذي تقدمه بريطانيا لدولة الاحتلال الصهيوني- صوّت أعضاء البرلمان الاسكتلندي لصالح قرار يستهدف “إسرائيل” والشركات المتواطئة في الإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، وذلك عقب نقاش مطوّل في البرلمان، وبعد قرار الوزير الأول جون سويني، وقف تمويل شركات تُسلّح إسرائيل.
مقترح التصويت تقدّم به حزب الخُضْر، وتضمن مطالبة الحكومتين “الاسكتلندية والبريطانية” بفرض حزمة فورية من إجراءات المقاطعة، وسحب الاستثمارات، والعقوبات، تستهدف دولة “إسرائيل” والشركات المتواطئة في عملياتها العسكرية، واحتلالها لفلسطين.
صوَّت 62 عضوا لصالح القرار، و31 عضوا ضده، وامتنع 21 عضوا عن التصويت.. وفق ما نشرته صحيفة The National scot
كان وزير الخارجية أنجوس روبرتسون، قد قدّم اقتراحا قبل التصويت يطالب بالموافقة على الاعتراف بدولة فلسطين، وضرورة سعي الجميع لتحقيق السلام في المنطقة.
الذي صوتوا ضد القرار هم نواب حزب المحافظين وحزب الليبراليين الديمقراطيين، والنائبان المستقلان جون ماسون وجيريمي بلفور، أما الممتنعون فينتمون جميعا إلى حزب العمال.
قبل التصويت، أعلن الوزير الأول جون سويني أن إسكتلندا ستتوقف عن تقديم الأموال العامة للشركات التي تُسلّح دولة الاحتلال، بعد تأكيده وجود “أدلة قوية على ارتكاب “إسرائيل” إبادة جماعية في غزة”. وأضاف أن تعليق منح الأموال العامة الجديدة، سيشمل الحكومة الاسكتلندية، والبنك الوطني الاسكتلندي للاستثمار، وهيئات الأعمال الوطنية.
وشدد سويني على أنّ أي شركة دفاعية تطلب دعما من الحكومة الاسكتلندية سيكون عليها الآن “إثبات أن منتجاتها لا تُستخدم عسكريا في إسرائيل”.
ودعا الوزير الأول إلى الاعتراف بدولة فلسطين، وهي خطوة أعلنت الحكومة البريطانية أنها ستتخذها هذا الشهر، إذا لم تستوفِ “إسرائيل” شروطا معينة، من بينها وقف إطلاق النار.
إلى جانب ذلك، أعلن سويني حزمة من الخطوات الإنسانية، شملت تخصيص 400 ألف جنيه إسترليني لجمعية “غرفة عمليات الأطفال” الخيرية لإنشاء “مركز استعداد ميداني لأطفال غزة” في إسكتلندا، والمساعدة في بناء مستشفى ميداني سريع الانتشار داخل القطاع. كما تعهّد باستقبال 20 طفلا مصابا من غزة، لتلقي العلاج في إسكتلندا مع عائلاتهم، بدءا من الشهر الحالي.
وكذلك التبرع بـ 600 ألف جنيه إسترليني لصندوق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية (أوتشا) لفلسطين، بهدف تقديم “خدمات صحية منقذة للحياة، ومساعدات غذائية، ومأوى طارئ، ومياه وصرف صحي، ودعم تعليمي ومساعدات نقدية للأسر”.
وأثناء إلقاء سويني لكلمته؛ رُفع العلم الفلسطيني فوق مقر الحكومة في دار سانت أندرو.
وأضاف الوزير الأول “إننا نشهد كارثة إنسانية، ذات أبعاد تاريخية في غزة، ولا يمكن للعالم انتظار حكم نهائي من المحكمة، قبل التحرك. المؤشرات واضحة. لقد دُقّ ناقوس الخطر… إن الاعتراف بأننا نشهد مؤشرات إبادة جماعية يحمل معه مسئولية التحرك. شعب إسكتلندا لا يتوقع منا أقل من ذلك… يتعرض الفلسطينيون للتجويع والمجازر يوميا في إطار حملة عقاب جماعي وتطهير عرقي، ومن واجبنا جميعا اتخاذ إجراءات لإنهاء هذه الحملة، إذا كانت شركة ما، تستفيد من نظام الفصل العنصري والإبادة الجماعية ضد الفلسطينيين، فلا ينبغي السماح لها بالربح هنا في إسكتلندا”.
وفي نهاية كلمته دعا سويني حكومة المملكة المتحدة إلى الانسحاب من اتفاقية التجارة الحرة مع دولة الاحتلال، أسوة بخطوة إيرلندا في حظر البضائع المصنّعة في المستوطنات الإسرائيلية بالضفة الغربية المحتلة.
وفي كلمته أمام البرلمان، قال وزير الخارجية أنجوس روبرتسون: “إن الحكومة الاسكتلندية لا تستطيع انتظار المحاكم الدولية لإصدار حكمها قبل اتخاذ أي إجراء… علّمنا التاريخ هذا الدرس القاسي، فقد وقعت إبادة جماعية في سريبرينيتسا عام 1995، ولم يُعترف بها إلا عام 2007. سيحكم التاريخ على صانعي القرار بناءً على ما فعلناه اليوم”.
ورحّب باتريك هارفي، عضو البرلمان الاسكتلندي عن حزب الخضر، بالقرار، قائلا: “آمل أن يكون تصويت اليوم بداية إجماع جديد في برلماننا، على اتخاذ إجراءات حقيقية وفعالة ضد الإبادة الجماعية التي تمارسها دولة الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني”.
وأضاف هارفي: “يتعرض الفلسطينيون للتجويع والمجازر يوميا في إطار حملة عقاب جماعي وتطهير عرقي. ومن واجبنا جميعا اتخاذ إجراءات لإنهاء هذه الحملة”.
كما لفت إلى أن “حملات المقاطعة لعبت دورا تاريخيا في مواجهة نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا”. وطالب بضرورة استمرار الضغط الشعبي والبرلماني لاتخاذ “أقصى ما يمكن من إجراءات في إسكتلندا”.
ورغم أن السياسة الخارجية تُعد مسألة محفوظة لبرلمان المملكة المتحدة في وستمنستر، فإن قرار البرلمان الاسكتلندي يُعتبر رسالة سياسية ضاغطة على حكومة كير ستارمر، خصوصا في ما يتعلق بموقفها من حرب غزة. أما قرار الوزير الأول بوقف التمويل عن الشركات الاسكتلندية المتواطئة مع الاحتلال الصهيوني، فيُعتبر قرارا داخليا نافذا.
أثار القرار ردود فعل واسعة في إسكتلندا، إذ أعلن المجلس اليهودي في إسكتلندا، أن مثل هذه الإجراءات الرمزية قد تزيد من حدة التوتر على الجاليات اليهودية، كما وصف المجلس القرار بالخطوة “المقسِّمة”.
جمعية المساجد الاسكتلندية، رحبت بقرار سويني، وقف التمويل العام لشركات الأسلحة التي تورّد لجيش الاحتلال، حيث قال المتحدث باسمها عمر أفضال، إن القرار “خطوة ضرورية ومبدئية تُظهر قيادة أخلاقية تجاه الحرب على غزة والأزمة الإنسانية المستمرة”. وأضاف: “لقد أرست إسكتلندا سابقةً مهمةً؛ إذ يجب على الحكومات أن تتحرّك عند وجود أدلة دامغة على وقوع إبادة جماعية وانتهاكات للقانون الدولي”.
الإعلام الغربي المؤيد للكيان الغاصب، هاجم القرار الاسكتلندي بشدة، واعتبره “غير مسئول” و”قد يُعرِّض الجاليات اليهودية للخطر”.
ووصفت المنظمات الحقوقية الدولية، وحركات ((BDS التصويت لصالح القرار، بأنه “اختراق استراتيجي”، لأنه أول برلمان في أوروبا يتبنى بشكل صريح موقف العقوبات ضد إسرائيل.
إن الجريمة البشعة التي يرتكبها جيش الاحتلال في القطاع منذ 700 يوم، أيقظت شعوب العالم من وهم الأكذوبة الصهيونية، وأعادت الأمور إلى نصابها الصحيح، وإن كان الثمن الذي دفعه الشعب الفلسطيني فادحا جدا؛ فإن ثمن هذه الجريمة النكراء الذي سيدفعه العدو، سيكون أفدح بكثير؛ فلن تستطيع الحكومات الأوروبية الاستمرار في دعمه، مع تصاعد الغضب الشعبي.. وغدا ستحذو برلمانات غربية أخرى، حذو البرلمان الاسكتلندي.. كما يقولون في المثل العربي “أول الغيث قطرة”.








