رؤى

قطاع غزة.. وإعادة تعريف السُنَّة

في الرابع من سبتمبر الجاري.. أحيا الملايين حول العالم ذكرى مولد النبي الكريم، وكما في كل عام، عادت الخلافات المعتادة بين تيارات الأمَّة المختلفة، حول الاحتفال بهذه المناسبة من عدمه، ومدى شرعية الاحتفال… إلخ.

بعيدا عن كل هذه الخلافات العقيمة، كان أهل قطاع غزة المحاصر والصامد في آن، يحيون مولد النبي محمد صلوات ربي وسلامه عليه، في خيام نزوحهم وعلى إيقاع القصف ووسط أزيز طائرات العدو، التي تحوم فوقهم؛ ولكنهم لا يبدون مبالين بكل ما سبق، فينشدون لنبيهم الحبيب صغارا وكبارا والبسمة تعلو وجوههم رغم كل ما يعانونه.

ليس ثمة ذرة من مبالغة، في القول أن أهل قطاع غزة، هم خير من يحيي ذكرى مولد النبي، وهم عندي يحيون أيضا سنته، ذلك المفهوم الذي تعرَّض للتشويه على مدار سنوات عدة من قبل أطراف عدة: من خارج الأمَّة ومن داخلها على حد سواء.

يحيون سنته في التمسك بالحق، وإن كذَّبه حتى أقرب المقربين إليه؛ فيتشبثون بأرضهم رغم كافة محاولات عدوهم اقتلاعهم منها كما تشبث (سلام الله عليه) برسالته وهو يتعرض للتكذيب في مكة.

يحيون سنته في رفض الخضوع للظلم، وإن استخدم الترهيب تارة والترغيب تارة، تماما كما رفض المختار كافة الإغراءات الدنيوية؛ للتخلي عن رسالته قائلا: “يا عماه، ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك، على أن تشعلوا لي منها شعلةً”(1)، يقصد بالشعلة الشمس.

يحيون سنته في الإيمان العميق بنصر الله القادم، لا ريب في ذلك وإن حاول المرجفون، من أبناء أمتهم ومن العدو، أن يقنعوهم بعدم جدوى صمودهم ومقاومتهم.

ولكنهم يرفضون الإنصات لهؤلاء المرجفين، تماما كما رفض ابن عبد الله (صلى الله عليه وسلم) أن ينصت للمنافقين الذين شككوا فيه وفي وعده بالنصر الإلهي، وهو محاصر في خندقه والأحزاب تحيط به إحاطة السوار بالمعصم، ولم ينقطع عن الدعاء لربه قائلا: “اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم”(2) حتى استجاب الخالق لدعائه.

يحيون سنته في احتساب كل ما ألم بهم على مدار ما يقرب من عامين كاملين من العدو والـ”قريب” معا في سبيل الله تعالى، كما اعتبر المصطفى كل ما تعرّض له من أذى على يد أهل الطائف- أمرا هينا طالما أن من أرسله إلى العالمين غير ساخط عليه.

أو كما دعا ربه يومئذ “إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن يحل علي غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك”(3).

يحيون سنته في إعادة الاعتبار لمصطلح “الجهاد” ذاك المصطلح الذي استخدم أسوأ استخدام ممكن منذ ثمانينات القرن العشرين، وسخَّره أعداء الأمَّة لصالحهم في أكثر من موضع: من أفغانستان إلى سوريا.

فأعاده أبناء غزة في معركتهم الممتدة منذ 700 يوم إلى ينابيعه الأصيلة الصافية، مصطلحا يعني الدفاع عن الذات والعرض والأهل والوطن، ضد عدوان غشوم ظالم، أو كما ورد في سورة الحج “أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ”(4).

يحيون سنته في استمرارهم في جهاد العدو ومقاومته مهما لقوا من خذلان، ليكونوا بحق كما وصفهم النبي الكريم في حديثه: “لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، حتى تقوم الساعة”(5).

أقول: إن الباحث عن سنة النبي الكريم في ذكرى مولده، لن يجدها عند وعاظ الطاعة ولن يجدها عند من يطلبون السلطة باسمها، ولن يجدها عند من يفرقون الأمَّة أحزابا ومذاهب، وإنما سيجدها عند من يطبقونها بأفعالهم ويجسدونها بصمودهم ويحيونها بمقاومتهم.

—————–

(1) رواه أبو يعلى والطبراني والحاكم والبيهقي.

(2) رواه البخاري ومسلم في صحيحهما.

(3) مسند الإمام أحمد وصحيح ابن حبان والمستدرك للحاكم.

(4) (الحج – 39).

(5) رواه الترمذي.

زر الذهاب إلى الأعلى