رؤى

بعد نحو عامين.. ماذا يعني صمود المقاومة الفلسطينية؟

مع تجاوز عدد أيام معركة “طوفان الاقصى” المستمرة منذ السابع من أكتوبر2023، الـ 700 يوم- لا زال نفرٌ غيرُ قليلٍ من الكتَّاب “العرب” -إن صح حقا وصفهم بهذا الوصف- يسخر من فكرة اعتبار صمود المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة بوجه العدوان الصهيوني- إنجازا في حد ذاته.

ينسى هؤلاء أو يتناسون – كعادتهم- ما أسماه وزير الخارجية الأمريكي الأشهر هنري كيسنجر، درس حرب الولايات المتحدة في فيتنام، وهو أنَّ “حرب العصابات تفوز إذا لم تخسر، والجيش التقليدي يخسر إذا لم ينتصر”.

بعد 23 شهرا من بداية معركة “طوفان الأقصى” يبدو أن الجانب الصهيوني أيضا قد وعى درس فيتنام الذي لم يَعِه بعض العرب.

ففي جريدة يديعوت أحرونوت (3 سبتمبر 2025) كتب بوعاز هعتسني، وهو مستوطن من مستوطنة “كريات أربع” المقامة على أراض فلسطينية مصادرة، في منطقة تلال الخليل بالضفة الغربية- مقالا دعا فيه إلى ما أسماه ضرورة القضاء على المقاومة الفلسطينية.

إلا أن هذا الكاتب الصهيوني لم يحدد -تماما كحكومته- ما مفهوم القضاء على المقاومة؟ ولا كيف يتم؟ وبطبيعة الحال.. يقطر المقال حقدا وعنصرية وتحريضا على الاستمرار في حرب الإبادة، حيث يبدو الكاتب وكأنه يتباهى بما اعتبره “إنجازات” لجيش الاحتلال في غزة، من قبيل أن “غزة تقلصت بعد أن قضمها الجيش الإسرائيلي. فبيت حانون وبيت لاهيا في شمال القطاع، لم يعد لهما وجود، وفي الجنوب، يختفي مخيم اللاجئين في جباليا، ومدينة جباليا تتلاشى مع اقتراب قواتنا من الأحياء الشمالية للقطاع نفسه، من حي الشيخ رضوان والأحياء الشرقية، ولم يعد حي الشجاعية موجودا، بينما دُمّر حي الزيتون وحي التفاح جزئيا”.

غزة

لكن في الوقت ذاته، يحمل المقال اعترافا صريحا، بأن مجرد بقاء المقاومة صامدة في غزة، يعني إخفاق كافة الاجراءات المشار إليها أعلاه.

حيث أن استمرار سيطرة المقاومة أو العدو كما يسميه الكاتب في مقاله هو “سيناريو كارثي” بالنسبة له بغض النظر عن “عدد القتلى من الفلسطينيين في القطاع وحجم الدمار” لأن صمود المقاتل الفلسطيني “يعني له النصر”.

ويضيف الكاتب أن استمرار وجود وسيطرة المقاومة في القطاع- سيؤدي إلى تساؤلات عديدة، بشأن مستقبل وجود دولة الاحتلال لأسباب مختلفة.

ومن بين هذه الأسباب: احتفاظ المقاومة وإعادة بنائها لبنيتها التحتية: التي تشمل: أنفاقا، وصواريخ، وصناعة عسكرية، وجيشا من عشرات الآلاف من المقاتلين وتدفقا لا ينتهي من السلاح من الخارج، واستخلاص الدروس بواسطة آلاف الطائرات المسيّرة والحوامات.

وثانيا ستعتبر المقاومة أنها نجحت وأن هجوم السابع من أكتوبر كان مجديا، وأن المعتقلين الفلسطينيين أُفرج عنهم، وأن المقاومة ارتكبت ما يسميه الكاتب “مجزرة” وقتلت نحو 2000 إسرائيلي، ولم تُهزم.

ثالثا: أن المقاومة في هذه الحالة ستشكل نموذجا يحتذى، حيث أن بقية حركات المقاومة في أماكن أخرى في العالم، ستراقب كيف ستنتهي الحرب؟ وبقاء المقاومة الفلسطينية في القطاع، سيرسم الطريق لما سيحدث لاحقا.

ولكل هذه الأسباب، يعتبر الكاتب أن صمود المقاومة “قد يُعد فشلا تاريخيا للصيغة الصهيونية القديمة التي تربط بين الاستيطان والأمن”.

غزة

حيث ان استمرار وجود مقاومة فلسطينية مسلحة بالقرب من الحدود، بعد إعادة إعمار غزة سيضرّ بسكان المستوطنات الحدودية، والحدود ستصبح مهجورة، وسيتوجه الخط الأول من المستوطنات نحو الداخل (الأراضي المحتلة عام 1948)، بينما سيبدأ العد التنازلي لهجوم فلسطيني مماثل على قوات الجيش والمستوطنين.

ورغم أن الكاتب يُمَنِّي ذاته وجمهوره الذي يمثله من المستوطنين -لا سيما في الضفة الغربية المحتلة- بسيناريو مماثل لإخراج قوات منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت عام 1982، فإنه يتجاهل عدة أمور أولها: أن خروج تلك القوات فتح الباب على مصراعيه لظهور مقاومة أخرى هي المقاومة اللبنانية التي لا زالت بعد اكثر من أربعين عاما تشكل تهديدا للاحتلال ولمستوطنيه، لا سيما في مستوطنات الشمال القريبة من جنوب لبنان.

وثانيها: أن المقاومة في قطاع غزة – تماما كشعبها- تتشبث بالأرض وتأبى أن تغادرها.

وهو ما أكده تقرير لصحيفة هآرتس، أوضح أن هيئة الأركان في جيش الاحتلال قلقة من بطء وتيرة نزوح السكان من غزة، حتى الآن، غادر -على ما يبدو- أقل من 10% من نحو مليون شخص يتواجدون في غزة ومحيطها، وفقا للتقديرات الأولية.

وهو ما يؤكد حقيقة يغفل عنها كثيرون: إن مجرد بقاء الفلسطيني على أرضه ورفضه مغادرتها؛ يحبط مخططات حكومة صهيونية لا تخفي رغبتها في تكرار سيناريو عام 1948، أي تهجير الفلسطينيين من أراضيهم.

فإذا ما أضفت إلى هذا الصبر الأسطوري وجود مقاومة مسلحة لازلت قادرة بعد كل هذه المدة على إيلام العدو وإيقاع خسائر في صفوفه- أدركت حينها قيمة الصمود الفلسطيني.

زر الذهاب إلى الأعلى