من بين المصطلحات الدالة على المكان، التي وردت في النص القرءاني، يأتي مصطلح “المدينة؛، وهو لفظ ذو حمولة دلالية مميزة، تارة يُحيل إلى معانٍ مادية محددة، وأخرى يتجاوزها ليُلامس البُعد الاجتماعي والرمزي. فالمدينة ليست مجرد تجمع سكاني؛ بل هي فضاء “اجتماعي – ثقافي” يرتبط بالسلطة والأنظمة والقيم السائدة؛ ولهذا فإن ورودها في التنزيل الحكيم لا ينفصل عن طبيعة الفعل البشري فيها، سواء في سياق الكفر والمعصية، أو في سياق الإيمان والإصلاح.
ولعلنا لا نُغالي إذا قلنا إن المدينة تمثل -في القرءان الكريم- حلقة محورية في شبكة المفاهيم المكانية؛ إذ تجمع بين الملمح الجغرافي والبعد “الاجتماعي – الرمزي” فهي ليست “البيت” الذي يعكس خصوصية الفرد والأسرة، ولا “الأرض” التي تمثل الامتداد الكوني، ولا “القرية” التي تُجسد وحدة بسيطة للابتلاء؛ بل هي فضاء مركزي يتفاعل فيه الإنسان مع النظام السياسي والاجتماعي، فيُنتج واقعا يحمل الخير والشر معا.
إن ورود مصطلح “المدينة” في القرءان مقرونا بالغفلة، أو بالنفاق، أو بالصراع، أو بالشهادة الإيمانية، يُؤكد أن المدينة هي ميدان الامتحان الحقيقي للإنسان، حيث يلتقي التحضر بالعقيدة، والعمران بالقيم، والسلطة بالمجتمع. ومن هنا فإن دراسة “المدينة” قرءانيا تُتيح لنا فهمًا أعمق للعلاقة بين المكان والزمان والإنسان في الرؤية القرءانية للوجود والكون.
دلالات المدينة
حين نتأمل مواضع ورود لفظ “المدينة” في القرءان الكريم، ندرك أنها ليست محصورة في معنى واحد، بل تتعدد دلالاتها بين المكانية البسيطة والاجتماعية المركبة والرمزية الفلسفية. فقد ورد اللفظ في مواضع متفرقة، وكل موضع يُبرز جانبا من طبيعة الاجتماع البشري في الفضاء الحضري، على النحو الآتي:
– المدينة بوصفها مسرحا اجتماعيا للصراع:
في قصة موسى عليه السلام مع بني إسرائيل، يقول سبحانه وتعالى: ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِ…﴾ [القصص: 15]. هنا يظهر أن المدينة فضاء مكتظ بالصراع الاجتماعي، حيث يقف رجل من بني إسرائيل “مِن شِيعَتِهِ”، مقابل رجل آخر “مِن عَدُوِّهِ”. دخول موسى، في هذا السياق، يكشف عن الطبيعة السياسية للمدينة، بوصفها موضعا للتوترات بين الفئات المختلفة؛ فالمدينة ليست فضاءً ساكنا، بل حلبة للاحتكاك والتدافع، وهذا ما يجعلها إطارا لميلاد أفعال كبرى تُغيّر مسار التاريخ.
– المدينة بوصفها موضعا للشهادة الإيمانية:
في سورة يس، نجد المشهد المؤثر للرجل المؤمن الذي خرج من أقصى المدينة لينصر المرسلين؛ وذلك في قوله سبحانه: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [يس: 20]. هذا السياق، يكشف أن المدينة، على الرغم من مقاومتها للرسل ورفضها لدعوتهم، لم تخلُ من قلوب مؤمنة. وهنا تتخذ المدينة بُعدا رمزيا مُهمًا: فهي تُجسد صورة الجماعة التي يهيمن عليها العناد والكفر، لكنها تحتوي في طياتها دائما بذور الإصلاح ممثلة في الأفراد الصادقين. ومن ثم تصبح المدينة فضاءً مزدوجا بين الرفض الجماعي والاستجابة الفردية.
– المدينة بوصفها موضعا للغفلة والانفلات:
ارتبطت المدينة في بعض المواضع بحالة من الغفلة الاجتماعية، كما في وصف دخول موسى لها، في قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا﴾ [القصص: 15]. والغفلة، هنا، ليست مجرد غياب اليقظة الحسية؛ بل هي غياب عن إدراك الحق والعدل.
ومثل ما يُقدم التنزيل الحكيم المدينة -أحيانا- صورةً للإصلاح والخير – فإنه في أحيان أخرى- يقدمها رمزا للفساد والظلم. ففي قصة قوم نبي الله لوط عليه السلام، كان جزاء “أَهۡل ٱلۡمَدِينَةِ” أن جعل الله تعالى “عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا”؛ وهي دلالة على الانقلاب والخراب بسبب فساد أهلها. يقول عزَّ وجل: ﴿وَجَآءَ أَهۡلُ ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡتَبۡشِرُونَ ٭ قَالَ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ ضَيۡفِي فَلَا تَفۡضَحُونِ ٭ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ ٭ قَالُوٓاْ أَوَ لَمۡ نَنۡهَكَ عَنِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٭ قَالَ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِيٓ إِن كُنتُمۡ فَٰعِلِينَ ٭ لَعَمۡرُكَ إِنَّهُمۡ لَفِي سَكۡرَتِهِمۡ يَعۡمَهُونَ ٭ فَأَخَذَتۡهُمُ ٱلصَّيۡحَةُ مُشۡرِقِينَ ٭ فَجَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهِمۡ حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٍ ٭ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحِجر: 67-75].
– المدينة في سياق الدعوة النبوية:
لعل من أعظم دلالات المدينة في القرءان ارتباطها بالتجربة التاريخية للنبي محمد عليه الصلاة والسلام؛ إذ أصبحت “المدينة المنورة” مركزا حضاريا للدعوة الإسلامية. رغم ذلك، فإن من أبرز أبعاد الاستخدام القرءاني للمدينة، أنها ارتبطت بـ”ظاهرة النفاق” في تجربة المدينة المنورة؛ حيث يقول عزَّ من قائل: ﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ﴾ [التوبة: 101]. و”مرد: تدرب وأتقن”، بما يعني أن “مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ” من يُجيد النفاق إجادة تامة.
هنا، يُصور القرءان المدينة بوصفها فضاءً معقدا تتعايش فيه مختلف التيارات: المؤمنون الصادقون، المنافقون الماكرون، واليهود الذين حاولوا اختراق الصف الإسلامي. إن ارتباط النفاق بالمدينة يكشف عن أن التحضر والعمران يُفرزان تناقضات داخلية، أعمق من تلك التي قد توجد في القرى البسيطة أو البوادي، لأن التعقيد الاجتماعي يُتيح مساحات أوسع للتمويه والتلون.
ويُقدم القرءان الكريم نموذجا فريدا في سورة الأحزاب، حيث تُسمى المدينة باسم “المدينة” تعريفا لها، وذلك في قوله سبحانه: ﴿لَّئِن لَّمۡ يَنتَهِ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ وَٱلۡمُرۡجِفُونَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ لَنُغۡرِيَنَّكَ بِهِمۡ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَآ إِلَّا قَلِيلٗا﴾ [الأحزاب: 60]. هذا الاستخدام المميز يُعطي المدينة مكانة خاصة، فهي ليست مجرد مدينة عادية؛ بل هي “مدينة الرسول”، ومقر الدولة الإسلامية الأولى، ما يُضفي عليها بُعدا دينيا وتاريخيا فريدا.
وإن كان مصطلح “المدينة” -في هذه الحالة- كان قد جاء في سياق الحديث عن النفاق، إلا أن خلفيته هي أن المدينة كانت محور التجربة الرسالية الكبرى، ومنها انطلقت حركة الإسلام إلى العالم.
وهكذا.. فإن الاستخدام القرءاني يجعل من المدينة “مركزا كونيا” للجدل بين الإيمان والنفاق، بين الوحي والتحديات.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن القرءان الكريم يُبرز مفهوم “المدينة” بوصفها أكثر من مجرد مكان جغرافي، فهي فضاء “اجتماعي – رمزي” يُجسد جدلية الاجتماع البشري؛ ففيها يظهر التناقض بين الإيمان والنفاق، وبين الغفلة واليقظة، وبين الحق والباطل. ومن خلال ذلك يتضح أن المدينة جزء من منظومة مكانية متكاملة في التنزيل الحكيم، حيث يُعاد بناء العلاقة بين الإنسان والمكان على أساس من القيم الإيمانية. وهو ما يطرح التساؤل حول: المدينة ومفهوم الاجتماع البشري؟
وللحديث بقية.








