وأنا أتجوَّل بين أكشاك الكتب المقابلة لعربات الفواكه والخضروات، قُرب باب دكاك المحاذي لسور المدينة القديمة في مراكش.. تذكرت صديقي الأديب المبدع الذي التقيته بعد أن اشتهر وترجمت أعماله لعدة لغات، حين بادرني بحماسه المعهود، قائلا: قد تضحك لو قلت لك، إنني انبهرت بنضجي ونفاذ بصيرتي وعمق أفكاري؛ وأنا أقرأ مقابلتي قبل بضع سنوات بمجلة قديمة.
واستطرد قائلا بنفس الحماس: وعجبت من نفسي وكيف كنت أتسكع بمقبرة الشيخ فتحي أدخن المزبن* وألتحف الفقر وأتدثر بالنجوم، وأحلم بالحوريات.. بتلك السن المبكرة حتى كدت لا أصدق أن تلك كلماتي، رغم أنها لازالت موثقة على تلك الأوراق الصفراء.
نظرت اليه بإمعان وقلت له ساخرا: أتعلم أن من ينظر إلى نتاجاته السابقة بعين الإعجاب، فإنه قد بدأ بالتدهور وكما قيل بالأدب الثوري: “إن الثوريين الذين يقفون في منتصف الطريق، وينظرون إلى الوراء؛ فإنما يحفرون قبورهم بأيديهم”.
نظر إلي بإمعان وبدأ يتقهقر إلى الوراء ويقهقه قهقهته المميزة، وكشف عن أسنانه المدنسة بالتبغ، وهو يسأل: وهل عندك شك في هذا؟
فبدأت أقهقه معه وأنا اقول: أدركت إني لست وحدي من يهوى قراءة المجلات والجرائد القديمة، فقال لي وهو يكمل قهقهاته: اطمئن فتلك هواية يشاركك إياها الكثير.
في تلك الأكشاك افترشت أمهات الكتب الأرض، حيث رأيت النظرات والعبرات للمنفلوطي، وقنديل أم هاشم ليحيى حقي، الذي وصفه النقَّاد بأنه القنديل الذي أضاء الدرب لكل الروائيين العرب، والمصابيح الزرق لحنا مينا التي تعتبر إحدى أروع الروايات العربية المعاصرة وعندما سألني عبدالهادي، (مالك أحد هذه الأكشاك) عن بغيتي، وعرف إنني عراقي، ذكر لي بإعجاب، الرصافي والسياب والجواهري.. واستخرج مجلة آفاق عربية، وغلافها المميز بالأرابسك، فتذكرت شفيق الكمالي -رحمه الله- ولفت انتباهي مجلة دراسات عربية، التي كنا ننتظر وصولها إلى مكتبات الموصل، أول كل شهر لنقرأ مقالاتها الرصينة، فبدأت أتصفحها، وسررت برؤيتي إعلانا على غلافها الخلفي، عن إصدارات جديدة، كانت كتاب أصول الطب النفساني لأستاذي المرحوم الدكتور فخري الدباغ، وتجاذبت أطراف الحديث مع عبدالهادي، فهو يمارس هوياته بالقراءة والكتابة في هذا الكشك، وهو قد جال في أنحاء المغرب شمالا وجنوبا وشرقا وغربا.. ولازال ينتظر فرصته للإبحار إلى أوروبا؛ كي يكتب رواية كالحي اللاتيني أو عصفور من الشرق، ودعته داعيا الله أن يحقق أمنياته بعد أن اشتريت مجلة دراسات عربية، وأدركت أني وصديقي الأديب، لسنا منفردين بهوايتنا قراءة المجلات والجرائد القديمة، وعجبت كيف تدفن الدرر بوطننا العربي، ودعوت الله أن يبارك ويزيد من هذه الهواية، فربما تنتفض العنقاء يوما ليس من رمادها، ولكن من تلك الدرر التي ندفنها كل يوم مع جميع مواهبنا.
*المزبن: زبانة ورقية كانت تستعمل للسجائر الورقية.







