“ياللي الشَقا من 6000 حَبّنا
اللي بيزرع ويصنع خير بيعرف ربّنا
واللي يِعدل في نصيب اليتيمة يعرف ربنا
واللي ينوّر طريق المدينة يعرف ربنا
واللي يضرب في قلوب الأعادي يعرف ربنا”
كتب رائد شعر العامية المصرية الراحل فؤاد حدّاد هذه الأبيات، ضمن ديوانه الأشهر “المسحراتي” والذي قدّم أشعاره في برنامج إذاعي مع رفيق دربه الفنان الراحل سيد مكاوي.
أتوقف كثيرا عند الأبيات السابقة وأتأملها، كلما مرت بي صدفة أو أعدت قراءتها في مناسبة ما؛ لأنها من وجهة نظري تمثل خير إجمال لجوهر العقيدة، منذ أن صاغ أمير الشعراء أحمد شوقي بيته الشهير في قصيدته “ولد الهدى”:
“الدين يسر والخلافة بيعة والأمرُ شورى والحقوقُ قضاءُ”.
في الأبيات المشار إليها، يبدو الشاعر فواد حدُاد، وكأنه يسبق عصره ويرفض بشكل قاطع حصر فكرة “التدين” في بُعد واحد، كما دأب على ذلك -منذ منتصف السبعينات تقريبا- تيار فكري اعتبر أن من يلتزم بزي بعينه أو مظهر معين، هم فقط دون غيرهم من يستحقون لقب “متدينون”.
أما حدّاد.. فيرى في أبياته التي صاغها ببراعة، أن هناك أكثر من شكل وصورة للتدين والتقرب إلى الخالق، فالعمل في حد ذاته شكل من أشكال العبادة، وخاصةً إن كان نافعا للخلق، كمن يزرع لهم زادهم الذي يقتاتون منه، أو يصنع لهم احتياجاتهم الأساسية.
وغني عن الذكر أن حدّاد، كتب قصيدته هذه، في توقيت كانت مصر تخوض واحدة من أهم معارك تاريخها الحديث، وهي الفترة المعروفة باسم مرحلة “حرب الاستنزاف” والتي شكّل العمال خلالها ظهيرا مدنيا -إذا صح التعبير- للجيش المقاتل على الجبهة من خلال حرصهم على مواصلة الإنتاج رغم العدوان.
ويربط الشاعر حدّاد هذا الشكل من التدين بشكل آخر هو “القسط” كما أسماه الخطاب القرآني، وهو العدل في الأنصبة المادية كما في “نصيب اليتيمة” فمن يقيم العدل وينصب ميزانه في الارض؛ إنما يطبق قانونا سماويا بامتياز.
ومن يشعل شعلة يستضيء بها الناس، هو أيضا يسلك طريقه إلى الخالق، وقد لا تكون الشعلة نارا بالمعنى الحرفي؛ بل قد تكون فكرة أو كلمة مكتوبة تقود الخلق إلى الحق، وتفتح لهم أبواب المعرفة، خاصةً حين يواجهون عدوا حريصا كل الحرص، على أن يتخبطوا في ظلمات الجهل.
ويخلُص حدّاد إلى ذاك الذي “يضرب في قلوب الأعادي” باعتباره شكلا من أشكال التقرب إلى الخالق، وأغلب ظني أن العمر لو كان قد امتد بالشاعر الراحل، الذي فارق هذا العالم في عام ١٩٨٥، لرأى رجال المقاومة في أرض فلسطين المحتلة، وهم يجسدون بشكل يكاد يكون حرفيا هذا البيت.
وإن كان لكاتب هذه السطور أن يستوحي أبيات الشاعر الراحل، لقلت إن معركة “طوفان الأقصى” التي تكاد تتم عامها الثاني، قد أضافت إلى ما كتبه فواد حداد في مطلع السبعينات.
فمن ينصر أهل غزة ولو بكلمة يكتبها “يعرف ربنا” ومن يخرج إلى الشوارع والساحات ليتظاهر تضامنا معهم ومع قضيتهم “يعرف ربنا”.
ومن أخذ على عاتقه أن يخوض غمار البحر ضمن أسطول، سمي بأسطول الصمود – وللاسم دلالته- في رحلة حافلة بالمخاطر؛ ليحمل للمحاصرين في قطاع غزة الصامد بعضا من الزاد والدواء الذي يحتاجون إليه “يعرف ربنا” أيضا.
ومن يؤيد المقاومة الفلسطينية، ويؤكد على شرعيتها ضد احتلال غاصب جاثم على أرض الزيتون منذ نحوٍ من ثمانين سنة “يعرف ربنا”.
باختصار.. فإن كلَّ من يتخذ قرارا واعيا بالدفاع عن قيم العدل والحرية والعدالة في هذا العالم، وهذا الزمان تحديدا أيًا كان انتماؤه أو وطنه أو هويته، وعلى عكس ما يتصور – ويصور أيضا- التيار المشار إليه سابقا يعرف ربنا تمام المعرفة.








