رؤى

مصطلح “المدينة”.. ومفهوم الاجتماع الإنساني

“المدينة” في القرءان الكريم لا تُفهم فقط بوصفها مكانا جغرافيا، بل وحدة “اجتماعية – سياسية” تتجلى فيها طبيعة العمران البشري. فهي تختلف عن “القرية”، التي ترد عادة في سياق الابتلاءات الكبرى (كما في قصص الأنبياء) إذ تحمل القرية معنى البساطة أو العيش الجماعي المحدود.. أما المدينة فتُوحي بالتحضر، بتعقد العلاقات، وبوجود سلطة مركزية ونظام اجتماعي متمايز.

بعبارة أخرى، تُعدّ المدينة في التنزيل الحكيم أكثر من مجرد حيّز جغرافي مأهول بالسكان؛ فهي فضاء اجتماعي معقّد يتجلى فيه الاجتماع البشري بأبعاده الاقتصادية والسياسية والثقافية. فالمدينة، بخلاف القرية أو البادية، ترمز إلى مرحلة متقدمة من العمران، حيث تتكثف العلاقات وتتشابك المصالح وتظهر أنماط مميزة من السلطة والتنظيم. ومن هنا، فإن حضورها في القرءان يعكس إدراكا عميقا لطبيعة الاجتماع الإنساني، وما ينشأ عنه من صراعات وتناقضات.

المدينة بوصفها فضاءً للتنوع والتناقض: من أبرز سمات الاجتماع البشري في المدن التنوع؛ إذ تضم المدينة أطيافا مختلفة من الناس يجمعهم مكان واحد، لكنهم يختلفون في العقيدة والمصالح والمواقف. وهذا التنوع كثيرا ما يقود إلى تناقضات داخلية، كما في قوله سبحانه عن المدينة المنورة: ﴿وَمِمَّنۡ حَوۡلَكُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ مُنَٰفِقُونَۖ وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيۡنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَىٰ عَذَابٍ عَظِيمٖ﴾ [التوبة: 101]. فالمدينة، هنا، تتجلى بوصفها فضاءً يحمل في داخله المؤمنين والمنافقين في آن، وهو ما يعكس طبيعة الاجتماع البشري، حين يبلغ درجة من التعقيد تسمح بازدواجية الخطاب والسلوك.

المدينة بوصفها مجالا للتدافع الاجتماعي: يكشف القرءان أن الاجتماع البشري في المدن يقوم على التدافع بين الفئات، كما في قوله تعالى عن موسى عليه السلام: ﴿وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ…﴾ [القصص: 15]. هنا تظهر المدينة مكانا تتقاطع فيه المصالح، وتتفجر فيه التوترات الاجتماعية بين المستضعفين والمستكبرين. هذا الصراع يعكس “قانون التدافع” الذي يُشكّل جوهر الاجتماع البشري في المدن، حيث لا يقتصر الأمر على مجرد التعايش، بل يتجاوزه إلى تنازع القوى والهيمنة. ولعل ما يدل على أن “التدافع” هو قانون إلهي، قوله عزَّ وجل: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾ [البقرة: 251].

وفي قوله سبحانه: ﴿وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ﴾ [يوسف: 30]؛ يبدو يوضوح أن المدينة تُمثل مكانا اجتماعيا معقدا، ومليئا بالتفاعلات الإنسانية والآراء المختلفة أحيانا، والمتناقضة في أحايين أخرى؛ بما يعني أن المدينة، من المنظور القرءاني، مكان مركزي تتعدد فيه المعاملات الاجتماعية. وفي قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعۡنَآ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ لَيُخۡرِجَنَّ ٱلۡأَعَزُّ مِنۡهَا ٱلۡأَذَلَّۚ وَلِلَّهِ ٱلۡعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِۦ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَٰكِنَّ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ لَا يَعۡلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8]؛ وهنا نلاحظ أن المدينة يبرز فيها التنافس، بل التصارع على السلطة والمكانة، ما يُظهر تعقيدات الحياة الاجتماعية في المدينة وصراع القوى فيها.

المدينة بوصفها مركزا للسلطة والتنظيم: بخلاف القرية التي تمثل نمطا بسيطا من الاجتماع، تُوحي المدينة بوجود سلطة مركزية ونظام اجتماعي أكثر تعقيدا. فوجود “أقصى المدينة” في سورة يس يدل على امتداد مكاني واسع، يتيح تمايز المركز عن الأطراف؛ كما في قوله عزَّ من قائل: ﴿وَجَآءَ مِنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ رَجُلٞ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱتَّبِعُواْ ٱلۡمُرۡسَلِينَ﴾ [يس: 20]. هذا الامتداد يشير إلى أن المدينة ليست تجمعا عشوائيا، بل بنية “اجتماعية – عمرانية” تتسم بالطبقات والفوارق بين المركز والهامش. وهنا، يتجلى الاجتماع البشري في بُعده السياسي، حيث يبرز دور الفرد المؤمن الذي يتحدى سلطة الأغلبية الكافرة.

المدينة وجدلية القيم والعمران: من منظور قرءاني، لا ينفصل العمران المادي للمدينة عن القيم التي تسودها. فالمدينة قد تكون عامرة بالمباني والنظام لكنها خاوية من القيم، كما يظهر في وصفها بالغفلة أو اقترانها بالنفاق. الغفلة، كما في قوله تعالى: ﴿عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا﴾ [القصص: 15].. والنفاق، كما في قوله سبحانه: ﴿وَمِنۡ أَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى ٱلنِّفَاقِ لَا تَعۡلَمُهُمۡۖ نَحۡنُ نَعۡلَمُهُمۡۚ…﴾ [التوبة: 101]. وعلى العكس، قد تتحول المدينة إلى مركز إشعاع روحي إذا تأسست على الإيمان، كما حدث مع المدينة المنورة التي غدت رمزا للحضارة الإسلامية. وهكذا فإن الاجتماع البشري في المدينة محكوم بجدلية العمران والقيم؛ فالعمران بلا قيم يتحول إلى عبء، بينما العمران المؤسس على الإيمان يُنتج نهضة حقيقية.

المدينة بوصفها نموذجا للاجتماع العالمي: يُفهم من السياق القرءاني أن المدينة تجسّد صورة مصغّرة للاجتماع البشري العالمي. ففيها يظهر التدافع، والتنوع، والسلطة، والنفاق، والإيمان؛ وكأن المدينة مرآة تُكثّف صورة الإنسانية كلها. ولذلك ارتبطت التجربة النبوية بالمدينة المنورة التي أصبحت نموذجا لعالمية الرسالة. فالمدينة (المنورة)، لم تعد مكانا محليا فحسب، بل صارت مركزا حضاريا يوجّه الإنسانية نحو قيم العدل والرحمة.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن المدينة في القرءان الكريم غالبا ما ترد مقرونة بصفات أو ظروف زمنية، تكشف عن جوهرها؛ فهي في سورة القصص مدينة “غافلة”، إذ دخلها موسى على حين غفلة، بما يوحي بضعف اليقظة الاجتماعية وانتشار الفوضى الأخلاقية والسياسية.. وهي في سورة يس مدينة يخرج منها رجل “يسعى” بما يعكس أن النهوض بالإصلاح لا يأتي عادة من المركز السلطوي بل من الهامش، أي من أقصى المدينة.. أما في سورة التوبة، فإن صفة “النفاق” مرتبطة بأهل المدينة، ما يكشف أن التحضر لا يمنع من وجود تناقضات داخلية تعصف بالبنية الاجتماعية.

ومن هذا المنظور، فإن المدينة ليست كيانا محايدا، بل فضاء محكوم بالقيم السائدة فيه؛ فإذا سادت فيه الغفلة، كان مسرحا للاضطراب والصراع؛ وإذا ساد فيه الإيمان، تحوّل إلى مركز إشعاع وهداية.

وبجملة، فإن المدينة تمثل في القرءان الكريم حلقة محورية في شبكة المفاهيم المكانية؛ إذ، تجمع بين الملمح الجغرافي والبعد “الاجتماعي – الرمزي”.. فهي ليست “البيت” الذي يعكس خصوصية الفرد والأسرة، ولا “الأرض” التي تمثل الامتداد الكوني، ولا “القرية” التي تُجسد وحدة بسيطة للابتلاء؛ بل، هي فضاء مركزي يتفاعل فيه الإنسان مع النظام السياسي والاجتماعي، فيُنتج واقعا يحمل الخير والشر معا.

وهو ما يؤكد على البعد الفلسفي للمدينة في التنزيل الحكيم.. كيف؟

للحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى