رؤى

لماذا فقدنا دفء العلاقات الإنسانية.. وما المقابل؟

برغم أن معظمنا أسرى الحنين إلى الماضي؛ إلا أننا – في الحقيقة- قطعنا كل صلة لنا به؛ ربما دون أن ندري.. فعندما نسترجع مواقف من الماضي أو نتأمل في مشهد من عمل فني قديم- نشعر بغربة شديدة، عن هذا العالم الذي كنا نحياه قبل ثورة التكنولوجيا، وما يعرف بعصر الانفجار المعرفي.. ربما يكون مَرَد هذا الشعور إلى حالة الاستبدال التي تسارعت بقسوة منذ بداية القرن الحادي والعشرين، فلقد استبدلنا التعقيد بالبساطة، والعجلة بالتمهل، واللهاث خلف الماديات بالرضا وراحة البال، وبرودة الوحدة بدفء العلاقات الإنسانية.. فإذا سألت أحدهم عن مدى إحساسه بالسعادة مقارنة للأمس باليوم، فسيجيبك لا شك: أن الماضي كان أكثر سعادة.. لكنه سيستدرك أن الأمر لا يجب أن يُحكم عليه من زاوية واحدة، فالأبواب اليوم مفتوحة أمام الحلول الفردية، متى أُحْسِنَ استغلال الفرص، أما الماضي فيرتبط بمحدودية كل شيء، واقتصار تحقق الأحلام على فئات قليلة، لديها من نقاط التميز ما ليس لغيرها.. من أجل ذلك كان السواد الأعظم من الناس، يعتمدون الكفاح من أجل توفير سبل العيش الكريم، غامرين أنفسهم في بحر من القناعة والرضا بالمقسوم؛ يتكئون على (Concept) الحمد لله، كما قال الراحل يوسف داود على لسان شخصية عم هلال، في فيلم “عسل إسود”.

عملية الاستبدال التي أشرنا إليها، لا تقبل بفكرة المقارنة؛ لوجود ما يمكن تسميته بتحكم طبيعة العصر المتسارعة في كل شيء، لتصبح الأشياء التي يجري تشكّلها على مهل، أو تحتاج تفاصيلها إلى وقت.. من الأمور غير المحببة إلى النفس.. كل شيء الآن محكوم بالسرعة، اللقاءات.. الرسائل.. الردود.. المقاطع المسموعة أو المصورة… إلخ.

قرأت منذ قليل تعليقا لأحدهم على مقطع من مقاطع الريلز – طال لأكثر من دقيقتين- يقول: لا أحتمل مشاهدة مقطع تتجاوز مدته الدقيقة والنصف.. ربما كان محقا، فهو على أية حال لن يتذكره بعد مشاهدته بدقائق.. بعد أن تحولت ذاكرته إلى حائط أملس.

يذكرنا هذا بقول الشاعر العربي القديم الذي سمعناه مرارا من الأستاذ هيكل -رحمه الله-:

لعمرك ما ضاقت بلاد بأهلها*** ولكن أحلام الرجال تضيق

فلو أن هذه السرعة المفرطة، التي تكاد تقلب الأمور على عكس مبتغياتها، أضافت شيئا من الدقة أو الجودة أو سرعة الإنجاز أو المهارة- لكان الأمر محل قبول أو رفض؛ لكننا عندما نراجع واقعنا اليوم؛ سنجده في معظمه خُلْوًا من كل ما ذُكر -اللهم إلا أقل القليل هنا وهناك- فبأي قيمة ثمينة ضحينا؟ في مقابل هو في حقيقته جد هزيل؟!

لقد ظهرت الآثار المدمرة لهذه التكنولوجيا “المسمومة” على الأجيال الجديدة؛ على نحوٍ يدعو للفزع.. الغالبية العظمى من هذه الأجيال تدمن العزلة والاختلاء بالأجهزة، ولا تفضل المواجهة، ولا تعرف كيف تدير أمورها إذا ما فرضت عليها.. الانتماء القومي والوطني والديني لديهم، في أدنى معدلاته.. التمركز حول الذات ديدنهم، وكأنهم صناديق محكمة الغلق.. لا يستطيع الآباء والأمهات معرفة ما بداخلها.. حتى إذا توفرت الرغبة لدى بعضهم؛ للبوح عن مكنون نفسه؛ فإنه يقع بين شقي الرحى، وهما: عدم معرفته بدخيلة نفسه على نحوٍ واضح، وعجزه عن التعبير لعدم تمكنه من أدوات ذلك.. فليس إلا مزيدا من العزلة.. ومزيدا من الضياع.. ولا يستطيع الآباء والأمهات شيئا حيال ذلك.. فهم أيضا ضحايا هذا الواقع بشكل أو بآخر، مع معاناتهم مع الأعباء المادية المتزايدة، في ظل توحّش الغلاء، واعتماد الدولة على جيب المواطن “المطحون” في سد احتياجاتها المتزايدة -كان الله في العون- ليس في بلادنا العربية “السعيدة” وحدها.. لقد أصبح هذا الواقع التعيس حال معظم الناس حتى في الغرب.

لا بد إذن من مراجعة الموقف برمته، وحساب المكاسب والخسائر.. وما إذا كان علينا العمل بجدية على العودة إلى قواعدنا سالمين، أو الغرق حتى الآذان في وهم التكنولوجيا الذي لن ينجو منه أحد.

لا بد أيضا أن نستفيد من الجانب الإيجابي الذي أتاحته التكنولوجيا من تيسير المعرفة الجادة والمعمقة والتي كان من الصعب جدا امتلاكها لولا التقدم التكنولوجي.. لا بد من تحويل تلك المعرفة إلى وعي متقد، يغذي البصيرة حتى تكون نافذة بما يسمح لها بتحقق الوقائع واستخلاص الدروس والعبر.. ما يسمح لنا باستعادة أنفسنا بما لا يخاصم الواقع ولا يعادي الماضي مع قراءة صادقة لمعطيات الآن ومآلاته، استعدادا لما يحمله المستقبل لنا ولأبنائنا من متغيرات، يجب أن نكون أهلا للتعامل معها؛ وفق شروطنا التي نحافظ من خلالها على ذواتنا بمنأى عن هذا الإنهاك البائس.

 

 

 

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى