رؤى

كيف تُفكِّك إسرائيلُ حلمَ قيام دولةٍ فلسطينية

ميهول سريفاستافا – جنين
فايننشال تايمز

المرة الأخيرة التي سيطر فيها الجيش الإسرائيلي على مخيّم جنين للاجئين، في عام 2002، خاض قتالا.. شارعا بشارع ضدّ مسلّحين فلسطينيين لمدة عشرة أيام، وخسر 23 جنديا، قبل أن يتمكن من إخماد المخيّم المضطرب في قلب الانتفاضة الثانية، كما تُعرف تلك الانتفاضة.

لكن في وقتٍ سابق من هذا العام، عندما أرسل دباباتٍ إلى المخيّم الصغير في شمال الضفة الغربية، لم يواجه تقريبا أي مقاومة إطلاقا.

لقد بلغ الضعف بمقاتلي ما يُسمّى “كتيبة جنين” -سيئي التجهيز- حدًّا جعلهم “يهربون”، كما يقول رياض حسن، وهو ضابط شرطة فلسطيني أُصيب عام 2002، ونُزِح عام 2025، وذلك بسبب الغارات الإسرائيلية المتقطّعة – وأيضا بسبب مواجهةٍ استمرت أسابيع مع قوات أمن حكومتهم نفسها.

ويضيف: “الآن لا توجد مقاومة، لا مقاتلين، لا شيء”. المقاتلون اختفوا. وكذلك قرابة 25 ألفا من سكّان المخيّم الفلسطينيين، الذين أُجبروا على الخروج بفعل الإسرائيليين وتفرّقوا في أنحاء الضفة الغربية المحتلّة، يعيشون في خيام ومدارس وعمارات نصف مكتملة.

بعد تسعة أشهر من دخول الجنود الإسرائيليين المخيّم، صاروا مسيطرين تماما على منطقةٍ كانت تُعَدّ يومًا “مصنع” العمل المسلّح الفلسطيني إلى درجة أنه في إحدى العشايا الأخيرة، شوهدوا يجوبون المكان بسياراتٍ رباعية مكشوفة، يضحكون ويمزحون فيما كانت جرافاتهم تلتهم أنقاض المخيّم.

اسألْ الجيش الإسرائيلي لماذا لا يزال الجنود في جنين، فيُحيلك إلى “تكتيكاتٍ أمنية”. لكن اسألْ أحد أرفع السياسيين اليمينيين المتطرّفين في إسرائيل – وهو شخص منخرط بعمق في سياساتها بالضفة الغربية؛ لكنه حذرٌ من وسائل الإعلام الغربية- فسيوحي لك باستراتيجيةٍ أكبر قيد التنفيذ.

يقول هذا السياسي، مشترطا عدم الكشف عن هويته: “لا تظلّوا تسألوا عن مستقبل جنين. اسألوا: ما مستقبل أوسلو؟”.

 

في السياسة الإسرائيلية، “أوسلو” هو اسمٌ جامعٌ لسلسلة اتفاقيات، منها اتفاقا أوسلو (1) و(2)، التي وُقّعت في منتصف التسعينيات بين آخر حكومات اليسار ذات الثقل في إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

هذه الاتفاقيات -التي سُمّيت نسبةً إلى محادثاتٍ سرية عُقدت في النرويج- أنشأت “السلطة الفلسطينية”، وهي هيئةٌ مؤقتة تولّت حُكما ذاتيا محدودا في أجزاء من الأراضي المحتلة. وكانت الآمال معقودةً على أن تتوسّع المؤسسات التي أُنشئت بموجب أوسلو بالتوازي مع انسحاباتٍ إسرائيلية من الأراضي الفلسطينية، بما يوفّر انتقالا سلسا من الاحتلال الإسرائيلي إلى الدولة الفلسطينية.

بالنسبة للإسرائيليين اليمينيين، كانت أوسلو “خيانةً” لادعاءاتهم الصهيونية والدينية على ما يسمّونه هم والكتاب المقدس “يهودا والسامرة”. وقد اغتال يهوديٌّ متطرّف رئيسَ الوزراء يتسحاق رابين عام 1995، بسبب توقيعه الاتفاقات، وغدا لفظ “أوسلو” صيحة تعبئة لدى اليمين الإسرائيلي ضدّ ما يعتبره خطأً تاريخيًا – أولى الهمسات عن “فلسطين مستقلة”.

ومع أن أوسلو في حالة انهيار منذ سنوات، فإن حامل لواء نهايتها هو وزير المالية الإسرائيلي اليميني المتطرّف بتسلئيل سموتريتش، الذي يقود حزب “الصهيونية الدينية”، وهو حزبٌ يشكّل ركيزةً في ائتلاف رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو – ويعود بجذوره إلى رفض مسار أوسلو نفسه.

يقول دينيس روس، المبعوث الأمريكي السابق إلى الشرق الأوسط والمفاوض في سنوات أوسلو: “ما تمثّله أوسلو بالنسبة لسموتريتش هو تهديدُ نشوءِ دولةٍ فلسطينيةٍ في مهدها”. والآن بعدما بات في السلطة، “يريد إزالة حتى الأثر، الاحتمالَ لتلك الإمكانية”.

سيتّضح مصير الضفة الغربية الأسبوع المقبل في الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث تنوي المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وأستراليا  -وجميعها حلفاء لإسرائيل- الاعترافَ بدولةٍ فلسطينية، وكذلك يفعل كثيرون غيرهم.

وقد هدّد سموتريتش بالرد عبر ضمّ مساحة تعادل 82 % من الضفة الغربية، وهي مساحةٌ تشمل -إذا ما أُدرجت القدس الشرقية- سكانَ المستوطنات الإسرائيلية البالغ عددهم 750 ألفا.

لكن حتى قبل هذا التهديد، استغلّ سموتريتش ظلال الحرب المدمّرة في غزة لتفكيك ما تبقّى من “أوسلو” في الضفة الغربية المحتلة تفكيكا جراحيا، خانقا ما فشلت مليارات الدولارات من المساعدات الغربية وثلاثة عقود من الدبلوماسية في إنشائه: دولةً فلسطينيةً وليدة.

وهي -بمقاييس معيّنة- استراتيجية “أنجح بكثير” (وإن كانت مختلفة جذريا) مقارنةً بما انتهجته إسرائيل في غزة، حيث ما تزال بعيدةً عن “النصر الكامل” وقريبةً من عزلةٍ دولية، تواجه اتهاماتٍ بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب.

في الضفة الغربية، استولت إسرائيل على مساحاتٍ واسعة من الأرض، ونصبت مئات الحواجز الجديدة ودمّرت مخيّمات اللاجئين. وتمادى مستوطنون متطرّفون، وقد ازدادت جرأتهم، في الاعتداء على قرًى نائية. وقُتل المئات من الفلسطينيين. أما الباقون فقد شهدوا كيف جرى تقويض ما تبقّى من هامش الحكم الذاتي الذي بنوه تحت مظلّة أوسلو، تمهيدا للهدف النهائي لليمين: ضمّ «يهودا والسامرة» إلى إسرائيل نفسها.

قال نتنياهو الأسبوع الماضي في معاليه أدوميم، وهي مستوطنة تتوسع بسرعة خارج القدس: “لن تكون هناك دولةٌ فلسطينية. هذا المكان لنا”

ظلت إسرائيل تُضعف البنية الدقيقة لحُكمٍ واحتلالٍ أوجدتهما أوسلو في الضفة الغربية، تقريبا منذ توقيع الاتفاقات، وذلك عبر توسيع المستوطنات -غير القانونية بموجب القانون الدولي- وبناء الجدران وتعميق وجودها العسكري هناك.

لكن تحت تأثير سموتريتش – وهو يشغل أيضا رتبةً رفيعة في وزارة الدفاع التي تُدير الاحتلال رسميًا- أحرزت إسرائيل في الأشهر الثلاثة والعشرين الماضية من الصراع مكاسب أكثر مما حققته في عقودٍ سابقة.

في مخيّم جنين للاجئين – وفي مخيّمين آخرين قريبين- عنى ذلك أطولَ وجودٍ إسرائيلي في مدينةٍ فلسطينية منذ أواخر التسعينيات، بما أبطل صلاحية السلطة الفلسطينية هناك. يقول مسئولٌ بلدي لم يذكر اسمه خشية الانتقام: “بات عليّ أن أطلب من الإسرائيليين كلَّ شيء الآن، حتى الإذنَ بتركيب أنبوب ماء”.

وفي رام الله، العاصمة الإدارية، عنى ذلك -بحسب مسؤولين فلسطينيين- جهدا منظّما لإسقاط النظام المصرفي الفلسطيني. يقول يحيى شنّار، محافظ “سلطة النقد الفلسطينية” -وهي نفسها من مُخرجات عملية أوسلو-: “هذه حربٌ أرخص بكثير من تلك الدائرة في غزة – بقتل نظامنا المالي سيخنقون اقتصادنا، ثم يُسقطون حكومتنا”.

وفي قرى فلسطينية بعيدة وفي وسط رام الله على حدٍّ سواء، عنى ذلك الظهور المفاجئ لدورياتٍ إسرائيلية ليلية بعد عقودٍ من تصنيف هذه المناطق بموجب أوسلو جزءا من “المنطقة أ” في الضفة الغربية، المحظورة على المدنيين الإسرائيليين والمُدارة ذاتيا من الناحية التقنية. يقول إبراهيم أبو الرب، رئيس بلدية جلبون: “دخل ضابطٌ إسرائيلي إلى مكتبي وقال: لا منطقة أ، ولا منطقة ب، ولا منطقة ج”. وكانت رسالة الضابط واضحة، يضيف: “انسوا أوسلو -إسرائيل تتحكّم بكل شيء”.

يقول حسام زملط، سفير السلطة الفلسطينية لدى المملكة المتحدة، إن المؤسسات الفلسطينية أُضعفت مجتمعةً إلى حدّ الانهيار. “نحن في لحظةٍ وجودية للغاية”، يقول. “إسرائيل تدمر الجهازَ بكامله: جهازَ الحكومة والسلطة الفلسطينية”.

وهذه خطوةٌ ضرورية لطموحات سموتريتش، حتى وإن كانت السلطة الفلسطينية غير شعبيةٍ بعمق بين الفلسطينيين لعدم فعاليتها وفسادها، كما يقول آرون ديفيد ميلر، وهو مفاوض أمريكي مخضرم آخر.

يقول ميلر: “السلطة الفلسطينية مُصطنَعة، هدفٌ سهل، لكنها تُشكّل تهديدًا بسبب مكانتها الدولية، لأن الأمم المتحدة والمملكة المتحدة وغيرهما يتشبّثون بها على أملٍ بائس بأنها ستُصلح نفسها”. وإذا تمكن الغرب من إقناع إسرائيل بالانسحاب من غزة، “فستكون السلطة الفلسطينية الخطّاف الذي سيعلّقون عليه قُبّعاتهم”.

أمضى سموتريتش سنواتٍ على هامش السياسة الإسرائيلية — وقد اعتُقل يومًا للاشتباه بتورّطه في مخططٍ لاستخدام الحرق لإبطاء انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005. وتشير استطلاعاتٌ راهنة إلى أنه لن يُعاد انتخابه، ما يمنحه هو وحزب «الصهيونية الدينية» نافذةً صغيرة لتحقيق أهدافهم.

يقول أوهاد طال، الذراع اليمنى لسموتريتش في الكنيست والوسيط الرئيسي للحزب مع البيت الأبيض: «الهدف الأول، قبل كل شيء، هو تفكيك السلطة الفلسطينية». “والثاني، هو تطبيق السيادة الإسرائيلية على يهودا والسامرة”.

رفضَ سموتريتش التعليق.

 

كانت تلك الأهداف شعارات يمينية أكثر منها أهدافا سياسية قابلة للتحقق، إلى أن حلّ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، حين أشعلت حماس حربا مع إسرائيل في غزة عبر غارة عابرة للحدود قتلت 1200 شخص. منذ ذلك الحين، دأب كلٌّ من سموتريتش ونتنياهو على الخلط بين حماس ومنافستها الأكثر علمانية “فتح” التي تهيمن على السلطة الفلسطينية، ووصْفِ كلتيهما بـ”الإرهابية”.

درس سموتريتش دقائقَ تفاصيل “اتفاقات أوسلو”، بحسب مساعديه، ما أتاح له التعجيل بانهيار السلطة الفلسطينية عبر استغلال قراراتٍ اتُّخذت في زمنٍ كان أكثر تفاؤلا في مسار الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني.

في مثالٍ على ذلك، كان مُهندسو الاتفاقات يعتزمون تشابك اقتصاديَّيْ الجانبين، كما يقول غسّان الخطيب، الذي فاوض باسم منظمة التحرير الفلسطينية في أوائل التسعينيات. صار الشيكل الإسرائيلي العملةَ بحكم الأمر الواقع في الأراضي الفلسطينية. ووافق الإسرائيليون على جباية الرسوم الجمركية على السلع الداخلة إلى الأراضي، ثم تحويل الإيرادات إلى السلطة الفلسطينية لدفع الرواتب. وفي عام 1994، أُنشئت “سلطة النقد الفلسطينية.”

وقد خلّفت هذه الترتيبات لسموتريتش، بصفته وزيرَ مالية إسرائيل منذ 2022، سيطرةً هائلة على الاقتصاد الفلسطيني.

يقول الخطيب: “كانت تلك شروطًا إسرائيلية – وبذلك الوقت بدت منطقية، لأننا كنا نتحدث عن فترةٍ انتقالية”. “في نظر صانعي القرار آنذاك، لم تكن هناك خيارات أخرى، وكان الناس متفائلين بأن قادةً إسرائيليين مثل رابين وشمعون بيريز كانوا جادّين بشأن تسويةٍ تاريخية”.

أما المحافظ الحالي لسلطة النقد، يحيى شنّار، فكان في العشرينيات من عمره خلال سنوات أوسلو، موظفا صغيرا في فرق تفاوض “كانت مفعمة بالأمل”. ويتذكّر أنه كان يُقلّ إلى واشنطن مطبوعاتِ الاتفاقات وملاحقَها بعد شهورٍ من مفاوضاتٍ محمومة في مصر وإيطاليا وإسرائيل. يقول: “كانت أوقاتًا طيبة، مفعمة بالتفاؤل، والجميع في معنوياتٍ مرتفعة، وكنا نرى “الهدف الطموح” حرفيا”.

 

“الآن، تقدَّمْ سريعًا إلى عام 2025، وأنا في منصب محافظ واحدةٍ من المؤسسات التي كانت نتيجة تلك الأيام الجميلة – إنه لأمرٌ ساخر، ومُحبِط في الوقت نفسه”، يضيف.

حجَب سموتريتش -غالبًا لأشهرٍ في كل مرة- إيرادات الضرائب التي تجبيها إسرائيل نيابةً عن السلطة الفلسطينية، ولم يُفرج إلا عن مبالغ جزئية، إمّا لسداد ديون السلطة لـ”شركة الكهرباء الإسرائيلية”، أو تحت ضغطٍ شديدٍ من المجتمع الدولي.

ومع الوقت، تراكمت المتأخرات إلى نحو 10 مليارات شيكل، أي 3 مليارات دولار، بحسب مسئولين فلسطينيين، ما ترك السلطة عاجزةً عن دفع الرواتب كاملةً لموظفي الخدمة المدنية ورجال الشرطة والعاملين في القطاع الصحي الذين يشكّلون عماد حكومتها المحدودة. وفي الأول من سبتمبر/أيلول، لم تفتح المدارس الفلسطينية أبوابها- إذ لم تُدفع رواتب المعلّمين.

يقول الخطيب: “إن خطته فعالة للغاية – كل ما يحتاجه سموتريتش هو الوقت”. “إذا لم يتدخل أحد، فلن تعود السلطة قادرةً على دفع الرواتب – سيكون ذلك بداية الانهيار، وسيحقق هدفه بتفكيك السلطة الفلسطينية”.

كما يملك مكتب سموتريتش سلطةَ حجب “التعويض” الذي يقدّمه للبنوك الإسرائيلية لقاء تعاملات زبائنها مع الأعمال الفلسطينية. ومن دون ذلك التعويض، سيرتدّ الاقتصاد الفلسطيني – الذي يُعدّ إسرائيل شريكَه التجاري الرئيسي- إلى أيام ما قبل أوسلو، مع سوقٍ رمادية ضخمة من التعاملات النقدية غير المنظّمة، كما يقول شنّار. وكثيرٌ من الفلسطينيين يُجرون الآن معاملاتٍ أكبر، مثل شراء العقارات، بالدينار الأردني أو الدولار الأمريكي.

البنوك الفلسطينية مُتخَمة بالنقد  -فمن مخلّفات أوسلو أن المصرف المركزي الإسرائيلي لا يقبل اليوم إلا 18 مليار شيكل سنويا لتحويلها إلى ودائع إلكترونية. أما النقد الفائض المتراكم – والذي يبلغ الآن نحو 13 مليار شيكل-  فيقبع خاملا في خزائن المصارف الفلسطينية.

يقول شنّار إن مناشداته لنظيره في بنك إسرائيل لم تُجدِ. وقد فكّر في بيع الفائض من الشيكلات إلى بنوك أمريكية أو إلى الإمارات مقابل عملاتٍ أجنبية. لكن صلاحياته  -كمصرفيٍّ مركزي بلا عملةٍ خاصة- محدودة.

 

يقول رجا الخالدي، مدير “معهد أبحاث السياسات الاقتصادية الفلسطينية”: “باعتبارهم مخطّطين استعماريين للاحتلال، فإن أشخاصا مثل سموتريتش يعرفون بالتأكيد كيف يستخدمون ما تبقّى من أوسلو لمصلحتهم”. “وهو حريصٌ على تدميرها بفعالية، ويفعل ذلك جيدا، على نحوٍ متدرّج وتفكيكي”.

وبمنع العمال الفلسطينيين من دخول إسرائيل، وخنق تحويلات إيرادات الضرائب، وإضعاف النظام المصرفي، يُقدّر الخالدي أن إسرائيل قلَّصت الاقتصادَ الفلسطيني بمقدار الثلث منذ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023.

سُئل سموتريتش قبل أسبوعين ما أهدافه للضفة الغربية، فأجاب: “أقصى قدرٍ من الأرض مع أدنى قدرٍ من العرب”. وفي قرية سنجل، على مسافة قصيرة بالسيارة من رام الله، يقول سكّانٌ فلسطينيون إن تلك السياسة تُطبَّق أمام أعينهم.

على مدى قرابة ثلاثين عاما منذ أوسلو، خسرت القرية مئات الدونمات من أراضيها لصالح أربع مستوطناتٍ قريبة، بحسب رئيس البلدية معاذ طوافشة.

لكن الأمر لم يستغرق سوى بضعة أشهرٍ بعد 7 أكتوبر/تشرين الأول لفقدان ما تبقّى تقريبًا. أولًا، كما يقول، نصبت القوات الإسرائيلية بوابةً للأراضي المحيطة بالمستوطنات. ثم جاءت مواجهاتٌ مع مستوطنين متطرّفين أقاموا بؤرةً صغيرة على تلةٍ بجوار القرية. وردّ الجيش الإسرائيلي على تلك المواجهات — التي شملت رشق الحجارة – بتحذير الأهالي من الاقتراب من البؤرة.

وفي يونيو/حزيران بدأ الجيش الإسرائيلي ببناء سياجٍ شائك حول سنجل، زاعما في رسالةٍ وجّهها إلى طوافشة أن الهدف هو منع رمي الحجارة على طريقٍ سريعٍ قريب.

وبحلول أوائل أغسطس/آب، باتت القرية بأكملها فعليًا مُغلَقة، لا منفذ لها سوى مخرجٍ واحد تحرسه قواتٌ إسرائيلية. يقول طوافشة: “حوّلوا سنجل إلى سجن”. فالطلبة لا يستطيعون بلوغ جامعاتهم، والمرضى لا يصلون إلى المستشفى، وقد تُركت عشرات المنازل مهجورةً من أصحابها، خاصةً بعد مقتل فتى في الرابعة عشرة وهو واقف بالقرب من السياج. “بدأ الناس بالمغادرة – ما لا يقل عن مئة شخصٍ هاجروا”، يضيف.. وفي الشهر الماضي، حذّرت السلطات الإسرائيلية قريةً مجاورة، تُرمُسعيا، من أنها قد تبني سياجا مماثلا هناك، وفق مسئولي القرية. يقول طوافشة: “عمّا قريب ستكون فلسطين كلُّها محشورةً داخل سياج، وكلُّ ما هو خارجه سيكون لإسرائيل”.

ويخيّم الشعور نفسه بعدم اليقين في جنين، حيث كان “سيتي سنتر مول” مكتظًا في إحدى العشايا الأخيرة. فقد صدرت نتائج الثانوية العامة للتوّ، والأسر التي قيّدتها عمليات الإغلاق وحظر التجوّل المتقطّعة منذ أشهر، خرجت تحاول تناول غداءٍ طبيعي.

المركز التجاري -الذي لا يتجاوز عمره ست سنوات- يقع على بُعد مئات الأمتار من مخيّم المدينة، لكنه يبدو عالما منفصلا: سلالم متحرّكة لامعة، محلاتٌ فاخرة، وأشجارٌ مُشذَّبة بعناية. يقفز قاعد السعدي، وهو شاب فلسطيني في السابعة والعشرين من عمره ومن عائلةٍ قدّرت استثماراتها لبناء المول بنحو 100 مليون شيكل، إلى كرسي في مطعمٍ مزدحم.

في يناير/كانون الثاني، ومع دخول الدبابات إلى المخيم المجاور، تلقّت عائلته اتصالًا، كما يقول. كان لا بدّ من إخلاء المول، وإلا واجه الهدم. امتثلوا. وسرعان ما توقّفت المدينة نفسها مع تفكيك الجيش للمخيّم.

الآن، ومع هدوءٍ نسبي، أُعيد فتح المول. لكن ليلًا، كثيرا ما يقتحمه الجنود الإسرائيليون، يقول السعدي وهو يعرض لصحيفة «فايننشال تايمز» تسجيلاتٍ من كاميرات المراقبة. في الفيديو، يكسر الجنود الأقفال ويدخلون، كما لو أنهم يستكشفون المكان، ثم يغادرون دون أن يجدوا شيئًا.

يتكئ السعدي إلى الخلف ويُخرج فيديو آخر على هاتفه. فبعد 7 أكتوبر/تشرين الأول بقليل، أخرج الجيش الإسرائيلي عائلته من منزلهم العائلي – قصرٍ فخم على قمة تلة يُشرف على جنين بأسرها. لمدة شهر، استخدموه كمحكمةٍ عسكرية. وعندما غادروه، تُظهر اللقطات نجومَ داود مخدوشةً على سيارات العائلة الفارهة.

تقرأ إحدى الخدوش: “فَك فلسطين”. وتقرأ أخرى: “أمة إسرائيل حية”.

يقول السعدي: “كانوا يريدون فقط أن يُظهروا للجميع أنهم قادرون على الوصول إلى أيّ مكان، وفي أيّ وقت”.

زر الذهاب إلى الأعلى