يمثل توقيع “اتفاقية الدفاع المشترك” بين المملكة العربية السعودية وباكستان نقطة تحول استراتيجية في العلاقات بين البلدين، وتُثير تساؤلات حول دوافعها وتداعياتها المستقبلية. ورغم أن كلا البلدين يمتلكان قوات مسلحة “قوية”، إلا أن هذه الاتفاقية تُعزّز من قدراتهما الدفاعية بشكل متبادل، وتُقدم إطارا للتعاون الأمني في منطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا.
بل إن الاتفاقية -في حد ذاتها- تُمثل حدثا استراتيجيا لافتا في البيئة الإقليمية والدولية الراهنة، حيث يندمج البعد العسكري مع المصالح الاقتصادية والجيوسياسية والأمنية، في إطار رؤية واسعة تسعى الدولتان من خلالها إلى تعزيز مكانتهما في النظام العالمي المتحوّل.
دوافع الاتفاقية
إذا كانت السعودية تحتل المرتبة “الرابعة والعشرين” عالميا من حيث قوة جيشها، فيما يحتل الجيش الباكستاني المرتبة “الثانية عشرة” وفق تصنيف “Global Firepower“، فإن الجمع بين القدرتين العسكرية والسياسية، للبلدين، يفتح الباب أمام تحالف نوعي قادر على التأثير في توازنات معقدة تمتد من الخليج العربي حتى جنوب آسيا.
من هنا، تتبدى أهم دوافع الاتفاقية.. كما يلي:
– الدوافع الأمنية والعسكرية.. إذ تأتي الاتفاقية في سياق بيئة أمنية مضطربة، حيث تتصاعد التهديدات الإقليمية والدولية. فالسعودية، رغم تقدمها العسكري والتكنولوجي واعتمادها على منظومات غربية متطورة، تدرك حاجتها إلى شراكات تعزز من عمقها الدفاعي، بسبب عدم وجود “خبرة قتالية” يمكن الاستناد إليها. أما باكستان، ذات التجربة العسكرية الواسعة، والتي تمتلك قوة بشرية كبيرة وخبرة قتالية طويلة في مواجهة التحديات الحدودية والإرهاب، فإنها ترى في التعاون مع الرياض وسيلة لتعزيز حضورها الإقليمي، واستثمار مكانتها بوصفها قوة نووية غير عربية ولكن إسلامية.
هذا يعني أن السعودية، رغم أنها تمتلك جيشا منظما ومدعوما بقدرات مالية وتقنية، لكنها تفتقر إلى الثقل البشري الهائل والتجارب الميدانية التي يتمتع بها الجيش الباكستاني. بالمقابل.. فإن باكستان رغم امتلاكها قوة عسكرية كبيرة، تحتل المرتبة 12 عالميا، تواجه تحديات اقتصادية تحد من قدرتها على تمويل تحديث شامل لقواتها. لذا يشكل التعاون الدفاعي فرصة لتكامل القدرات: السعودية توفر الموارد المالية والتكنولوجية والدعم السياسي، بينما تقدم باكستان القوة البشرية والخبرة العملياتية.
– الدوافع الجيوسياسية والاقتصادية: لا يمكن فهم الاتفاقية بمعزل عن السياق الجيوسياسي الأوسع. فالسعودية تسعى إلى تعزيز استقلاليتها الاستراتيجية، في ظل تحولات العلاقة مع الولايات المتحدة، التي لم تعد الضامن الأمني المطلق، كما كان الحال سابقا. لذلك فإن بناء شبكة تحالفات دفاعية مع قوى إسلامية وآسيوية كبرى، يمثل خيارا عمليا لمواجهة التهديدات المحتملة، سواء من إيران أو من قوى أخرى. أما باكستان، فهي تنظر إلى السعودية باعتبارها حليفا استراتيجيا مُهمّا، ليس فقط بحكم الروابط الدينية والثقافية؛ بل أيضا بسبب الدعم الاقتصادي والاستثماري السعودي المتواصل. ومن خلال الاتفاقية، تضمن إسلام أباد تعزيز مكانتها الدولية، وربط قوتها العسكرية بعمق عربي وإسلامي مؤثر.
أضف إلى ذلك، أن التحالف الدفاعي لا ينفصل عن المصالح الاقتصادية. فالسعودية، ضمن رؤيتها 2030، تسعى لتنويع شراكاتها الدولية وتطوير صناعاتها الدفاعية محليا، ما يجعل التعاون مع باكستان، التي تمتلك قاعدة صناعية عسكرية متنامية، فرصة للتبادل ونقل الخبرات. من جانب آخر، تحتاج باكستان إلى الاستثمارات السعودية لمواجهة أزماتها الاقتصادية وتطوير بنيتها التحتية، وهو ما يجعل الاتفاقية أداة لتعزيز الثقة السياسية وجذب المزيد من الدعم المالي.
– الروابط الدينية والاستراتيجية.. يشكل البعد الإسلامي المشترك رابطا قويا بين البلدين؛ فالسعودية بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، وباكستان بصفتها “أكبر دولة إسلامية نووية”، تمثلان معا ركيزة رمزية ومادية لتحالف، يمكن أن يُنظر إليه باعتباره نواة لإعادة صياغة “أمن إسلامي جماعي”. هذا فضلا عن أهمية تعزيز الاتفاقية في تعزيز وضع البلدين كقوى إقليمية. فباكستان تُعتبر بوابة على المحيط الهندي، في حين تقع السعودية في قلب العالم الإسلامي ومنطقة الشرق الأوسط. هذا الموقع الاستراتيجي يُعطي البلدين القدرة على التأثير في الأحداث الإقليمية، ويُشكل جبهة قوية لمواجهة أي تهديدات محتملة.
تداعيات الاتفاقية
تتنوع التداعيات المتوقعة عن الاتفاقية، سواء على المستوى الإقليمي، أو المستوى الدولي.. كما يلي:
أولا: على المستوى الإقليمي
– منطقة الخليج العربية.. في البيئة الخليجية، يحمل التعاون الدفاعي “السعودي – الباكستاني” رسائل مزدوجة. فمن جهة، يعزز الاتفاقية من موقف السعودية في مواجهة إيران، خصوصا في ظل استمرار حالة الشكوك بين البلدين رغم التقارب الدبلوماسي الأخير. ومن جهة أخرى، تعطي الاتفاقية دول مجلس التعاون إشارة إلى أن الرياض بصدد بناء شبكة ردع عابرة للمنطقة، بما يمكن – نقول: يمكن – أن يخفف من الاعتماد على الولايات المتحدة، ويفتح المجال أمام مقاربة أمنية أكثر استقلالا.
– شبه القارة الهندية.. الهند، المنافس التقليدي لباكستان، ستقرأ الاتفاقية باعتبارها تحالفا يوسع من خيارات إسلام أباد الاستراتيجية. ومع أن السعودية تسعى -في الوقت نفسه- إلى توطيد علاقاتها مع نيودلهي اقتصاديا، ضمن استثمارات الطاقة والتكنولوجيا، فإن التقارب الدفاعي مع باكستان قد يثير حساسية في التوازنات الآسيوية. لذلك، سيتعين على الرياض الموازنة بين شراكاتها المتعددة، حتى لا تظهر وكأنها تصطف في صراع “هندي – باكستاني” قديم.
– دائرة العالم الإسلامي.. تعزز الاتفاقية من فكرة “التضامن الدفاعي الإسلامي”، وهو ما قد يُلهم دولا أخرى في منظمة التعاون الإسلامي للانخراط في صيغ مماثلة من التعاون. إلا أن نجاح التجربة (خاصة بعد تملص دول الخليج من فكرة “قوة عربية مشتركة”، التي طرحتها مصر في مؤتمر الدوحة الأخير)، يعتمد على تحويل الاتفاقية من مجرد إعلان سياسي إلى برامج عملية، تشمل التدريب، التصنيع، والتخطيط العسكري المشترك.
ثانيا: على المستوى الدولي
– العلاقات السعودية الأمريكية.. التحالف الدفاعي مع باكستان قد يُفسَّر في واشنطن بوصفه جزءا من استراتيجية السعودية لتنويع تحالفاتها الأمنية، وتقليل الاعتماد الأحادي على المظلة الأمريكية. ومع ذلك، فإنه لا يمثل قطيعة بقدر ما يشير إلى إعادة توازن. فمن منظور سعودي، الولايات المتحدة تبقى شريكا رئيسا، لكن لا بد من خلق خيارات بديلة في عالم يتجه نحو التعددية القطبية.
– علاقات باكستان مع روسيا والصين.. تتمتع إسلام أباد بعلاقات وثيقة مع الصين، التي تمثل شريكها الاقتصادي الأكبر، وتبني معها الممر الاقتصادي “الصيني – الباكستاني”. كما أن التعاون العسكري بينهما في تصاعد مستمر. غير أن الشراكة مع السعودية تمنح باكستان بُعدا إضافيا، إذ تربطها بالعمق العربي والإسلامي، وتتيح لها التوازن بين ارتباطها بالصين واحتياجاتها من الدعم الخليجي. أما روسيا، التي تسعى لاختراق الخليج وآسيا، فقد ترى في الاتفاقية منافسا محتملا لدورها، لكنها تدرك أن طبيعة التحالف “السعودي – الباكستاني” تبقى دفاعية أكثر منها هجومية.
تحديات محتملة
رغم الزخم السياسي والإعلامي، تواجه الاتفاقية عدة تحديات:
من بين هذه التحديات، يأتي التباين في الأولويات؛ فبينما يتركز اهتمام السعودية على أمن الخليج وإيران واليمن، تركز باكستان على التهديد الهندي والحدود الشرقية. هذا التباين قد يحد من فاعلية التنسيق، إلا إذا أوجدت أرضية مشتركة.
أيضا هناك تحدي الحساسيات الإقليمية؛ إذ –كما أشرنا- قد تثير الاتفاقية قلق الهند، أو حتى بعض القوى الإسلامية التي تخشى أن تُوظَّف التحالفات العسكرية في صراعات إقليمي.
أضف إلى ذلك التحديات الاقتصادية؛ حيث إن استمرار الأزمة الاقتصادية في باكستان، قد يؤثر على قدرتها على الالتزام طويل الأمد بالبرامج الدفاعية المشتركة. وبالتالي، يأتي أخيرا اختبار المصداقية؛ من منظور أن نجاح الاتفاقية يتوقف على ترجمتها إلى تدريبات مشتركة، صفقات تسليح، أو تعاون استخباراتي، وإلا ستظل في إطار الخطاب الرمزي.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن “اتفاقية الدفاع المشترك” بين السعودية وباكستان، وبالرغم من التحديات المرتبطة بتباين الأولويات والحساسيات الإقليمية، إلا أن الاتفاقية تفتح الباب أمام نموذج جديد للتعاون العسكري، يقوم على تكامل القدرات لا على تنافسها. وإذا ما نجحت في أن تتحول من وثيقة سياسية إلى واقع عملي، فإنها ستشكل رافعة استراتيجية قادرة على إعادة صياغة توازنات القوة في الخليج وجنوب آسيا والعالم الإسلامي الأوسع.








