بقلم: حسين عبد الغني، إعلامي وصحفي مصري
نقلًا عن موقع عروبة 22

تتنازع الأمة العربية في هذه اللحظة ثلاثة مصائر مترابطة ببعضها، لكن تتباين فرص حدوثها. الأوّل هو استسلام المقاومة الفلسطينية لإسرائيل، والمصير الثاني هو وقوع التهجير القسري للفلسطينيين في غزّة باقتحام الحدود المصرية، والثالث هو اندلاع حرب بين مصر وإسرائيل!.
المصير الأول، الذي يتوقع استسلام المقاومة في غزّة وإلقاء سلاحها والتخلّي عن خيار المقاومة والخروج التامّ من المشهد في المستقبل الفلسطيني حتّى كطرف سياسي، هو مصير غير مرجّح واحتمالات حدوثه تكاد تكون صفرًا.
إيديولوجيًّا، المقاومة معلّقة بين إصبعيْن هما النصر أو الشهادة، لكن هذا ليس السبب الوحيد، فحركة “حماس” حافظت على قدرٍ من الاستقلالية عن الجميع حتى عن أقرب حلفائها مثل قطر وتركيا وإيران. الوضع الميداني أيضًا يدعم قدرة “حماس” على رفض الاستسلام، فهي وإن كانت قد فقدت الكثير من مقاتليها إلّا أنّها أعادت بناء قوتها البشرية عبر التجنيد الواسع. وقالت مصادر لكاتب هذه السطور إنّ “حماس” ما زال لها مقاتلون يتراوح عددهم ما بين 20 و22 ألف مقاتل.
حتى احتلال مدينة غزّة يمثل فرصةً أكبر للمقاومة لممارسة حرب العصابات الحضرية التي عادةً ما يخسرها أي جيش نظامي. الخسائر الفادحة في جنود الاحتلال التي حقّقها انتقال المقاومة لحرب المجموعات الصغيرة التي تعرف أحياءها وتقرّر عمليات التفخيخ والكمائن والاشتباك المباشر بشكلٍ محلّي، من دون الرجوع إلى المركز، هي أيضًا عامل سيدعم اتجاه “حماس” لرفض الاستسلام. الأهم من ذلك هو أنّ ما يُعرض على “حماس” في الحالتَيْن هو الموت، ولكن الاستسلام يُساوي الموت بالعار، بينما الحرب حتى آخر رجل تساوي الموت بشرف.
المصير الثاني، هو تهجير أكبر عدد ممكن من سكان غزّة إلى مصر عبر احتلال المدينة ورفع وتيرة القتل والتدمير. هذا المصير هو الهدف الرئيسي لإسرائيل وبات كذلك لواشنطن، بعد خطة ترامب لتفريغ غزّة وبناء “ريفييرا” عقارية على طريقة دبي.
الخذلان العربي – الدولي في حرب الإبادة لنحو عامَيْن، سمح للاحتلال بجعل شمال القطاع وأجزاء أخرى مكانًا غير صالحٍ للحياة، وهي الحالة التي لا يجد فيها جزء من السكان خيارًا أمامه سوى الفرار. هذا المصير في أي تقدير موقف هو خيار وارد باحتمالات واقعية كبيرة، بخاصة بعد عملية احتلال مدينة غزّة، لكن ما يجعل مصير التهجير لو حدث محصورًا في جزء من السكان هو صمود فلسطينيي غزّة وتشبّثهم بأرضهم وكلفة التهجير ومعاناة النزوح ماليًا وبشريًا من مكان لآخر ذهابًا وعودةً شمالًا وجنوبًا في عامَي الحرب.
المصير الثالث، هو احتمال انتهاء حالة السلام بين مصر وإسرائيل وتوافر بيئة لقيام حرب بينهما لأول مرّة منذ حرب 1973 إذا نفّذت إسرائيل مخطّطها للتطهير العرقي بإكراه الغزّاويين على التهجير القسري إلى سيناء المصرية. هذا الخيار يبدو محدود الاحتمال جدًا وتوجد مؤشرات إلى أنّ مصر تفضّل تفاديه ما وسعها الأمر، وقد تلجأ للتعايش مع بدائل أخرى بدأ البعض ومنهم فلسطينيون قريبون من رام الله، في طرحها تتضمّن قبولًا جزئيًا بتهجير فلسطينيين.
البعض يتحدّث عمّا يسمّيه سيناريو الاستيعاب الانتقالي، أي الاستيعاب المشروط بحصول مصر على ضمانات بعودة هؤلاء إلى القطاع بعد انتهاء الحرب. والبعض الآخر يتحدّث عن سيناريو الاستيعاب الطبّي، ومعناه أنّ هناك عشرات الآلاف من الجرحى أو المرضى يحتاجون بشدّة إلى العلاج فتقوم مصر في هذا السيناريو بالسماح لهم بالقدوم من القطاع إلى مصر ومعهم مرافق أو اثنين من عائلتهم، على أن يعود الجميع عندما تستقرّ أحوال القطاع.
وستعمل واشنطن على منع مواجهة مصرية – إسرائيلية تهدم كل ما بنته الولايات المتحدة من هيمنة على العالم العربي. فخروج مصر من الصراع كان وما زال حجر أساس النظام الأميركي للإقليم، وهو سينهار وينقلب لوضع جيوسياسي نقيض ومعادٍ تمامًا لمصالحها، إذا عادت مصر وإسرائيل إلى الحرب مرة أخرى. فالبلَدان يخشيان الحرب؛ إسرائيل لأنّ فتح جبهة كبيرة مع الجبهة المصرية، وجيشها مُستنزف في غزّة وجهده موزّع بين مواجهات في لبنان وسوريا واليمن وحتّى إيران، ليس الخيار الأمثل.







