فن

“ضي” فيلم استثنائي أضعفه السيناريو!

شاهدت الفيلم ضمن فعاليات الدورة الأولى لمهرجان بورسعيد السينمائي الدولي، ذهبت للقاعة وكلي حماس لمشاهدة هذه التجربة الفريدة، أولا لثقتي في اختيارات وموهبة المخرج المتميز كريم الشناوي، السبب الثاني كم الإشادات التي قرأتها وسمعتها من أصدقاء كثر حول الفيلم ومستواه الفني المتميز، لكن بعد مشاهدة العمل انخفض الحماس إلى أدنى درجاته، وأعتقد أن الإشادات التي صاحبت الفيلم سببها الأول هو تدني مستوى الأفلام المصرية في السنوات الأخيرة، وأصبحت بين متواضع وسيئ، بالإضافة إلى السطحية والمباشرة وتكرار الموضوعات المستهلكه، جعل البعض يفرح بعمل مختلف به شيء من الفن والصنعة، وسببها الثاني صداقة ومحبة صُناع العمل، جعل البعض يُبالغ في مدح الفيلم متجاهلين ضعف السيناريو.

نعود للفيلم، تدور الأحداث حول ضي، صبي نوبي يعاني من مرض المهق أو الالبينو أو كما نطلق عليه عدو الشمس، وبالطبع يعاني من تنمر ورفض المحيطين به؛ خاصةً زملاءه بالمدرسة ما جعل الأم ترفض خروجه من البيت خوفا عليه، وأصبح حبيس جدران المنزل، بسبب شيء ليس له ذنب فيه، أخته تغار منه بسبب حب الأم الزائد له، الكل رفضه ونبذه ماعدا الأم ومدرسته صابرين، التي تتعاطف معه ومع حالته كما تؤمن بصوته وتشجعه على الغناء، بل تدربه حتى يتقدم لبرنامج ذا فويس الشهير، ترفض الأم وتصر على حبسه في المنزل وعدم ذهابه للمدرسة، وتطرد المدرسة عندما أتت كي تقنعها، ومع حزن ضي رضخت الأم لطلبه وتقرر السفر إلى القاهرة، للتقديم في البرنامج هي والابنة التي كانت تريد البقاء في المنزل لحضور زواج صديقة لها، ما يزيد غضبها وغيرتها من ضي.

تبدأ الرحلة فجرا بسيارة صابرين المدرِّسة، ومعها ضي وأمه وأخته، ومع بداية الطريق يخرج عليهم لصوص يسرقون السيارة والفلوس والذهب وكل ما معهم، يقفون في وسط الطريق لا يعرفون إلى اين يذهبون وكيف؟ يستنجدون بسيارة بها عمال تراحيل يركبون فيها لأول الطريق الرئيسي، حاولوا التوسل لسائق ميكروباص ليركبوا معه حتى يعودوا لقريتهم وبعدها يعطوه الأجرة لكنه رفض، تتذكر الأخت أن معها خلخال فضة يمكن بيعه وبثمنه يعودون للبيت، تذهب وتبيع الخلخال وأثناء شرائها لتذاكر القطار إلى اسوان تقرر شراء تذاكر القاهرة، لكن الفلوس أقل تقرر شراء تذاكر لأمها واخيها والمدرسة وأن تبقى هي في الطريق، يعرف ضي بما حدث يقرر الفقز من القطار ليلحق بأخته، ويتحرك القطار بالأم والمدرسة، ويبقى ضي وأخته في محطة قطار الأقصر دون مال أو أكل، مرة أخرى محاولة الاستنجاد بالناس ليساعدوهما في شراء تذاكر القطار، لكن لم يحدث.. يتعاطف معه رجل مطافي يقف أمام المحطة يقرر توصيلهم بالسيارة لأول محطة قطار ويلحقان بالأم وبالفعل يستطيع ذلك!

تحدث مشاجرة بين الأم والمدرِّسة وكمسري القطار، ويخرج الجميع من القطار وفي المحطة يسمعون صوت ضي، ويتجمعون من جديد، تتذكر الأم أن هناك تاجر جشع تعرفه خرج فجرا من أسوان بمركبته في طريقه إلى القاهرة، وبحسبه بسيطة يكون الآن فريب منهم، يقف الجميع على الشاطئ، وبالفعل يأتي في الميعاد الذي حددته الأم! يركبون معه بعد رفضٍ منه وإصرار من الأم ويصلون أخيرا إلى القاهرة، بلا مال أو أكل أو تليفون، تذهب صابرين ومعها الأخت إلى حبيبها ليساعدهم، ويتركون ضي وأمه في الشارع، تأتي الشمس على وجه ضي، ما يسبب له غيبوبة وإرهاق خاصةً وأنه مر يوم كامل بلا ماء او أكل، ينقل المارة الصبي إلى المستشفى، وهناك يلتقي بالفنان محمد منير صدفة! يتحدث معه ويطلب منه المساعدة ويغنيان معا، يصوّره ممرضات المستشفى، وينتشر الفيديو على السوشيال ميديا، يركب الجميع مع حبيب صابرين ويذهبون لمدينة الانتاج الإعلامي، لكن ميعاد البرنامج انتهى، يحاولون دخول المدينة لكن الأمن يمنعهم، بالصدفة أيضا تمر المذيعة لميس الحديدي، وترى الطفل وتتعرف عليه من الفيديو المتشر وتستضيفه في برنامجها على الهواء، ويغني ويسمع الجميع صوته ويحقق ما يريد.

رغم تميز الصورة وكل عناصرها “تكوين كادر، إضاءة، ألوان” ومعها الديكور والموسيقى التصويرية والتمثيل الجيد والمتميز من “بدر محمد، إسلام مبارك، أسيل عمران، حنين سعيد”  إلا أن كل هذا لم يستطع إخفاء الضعف في السيناريو، بداية اختار المؤلف حالة مرضية نادرة لم تتطرق لها السينما من قبل، وجعلها هي بطل العمل وهو أمر جيد يُحسب له، إلا أنه تخلّى عنها بعد الثلث الأول من الفيلم، وتطرق لرحلة الأبطال من أسوان إلى القاهرة، وما بها من صعوبات قد تحدث لأي منا، وغير متربطه بأزمة البطل ومرضه، هناك نوع من القصص عن أدب الرحلات أو الرحلة التي يخوضها البطل من مكان لآخر، وخلال الرحلة يواجه صعوبات وأزمات تغيّر منه كثيرا، مثل فيلم “هنا القاهرة” أو “ثلاثة ع الطريق” وهذا النوع من الأدب أو الدراما، مختلف تماما عن موضوع الفيلم، أو ما بدأ به المؤلف، ثم تركه وتخلى عنه سريعا.

تناسى المؤلف مرض البطل وأزمته، وجعل كل أزمته الجديدة، صعوبات الرحلة. هي البطل الأساسي وكان من الممكن أن يجمع الاثنين معا، أن تكون المواقف والصعاب مرتبطة بمرضه وأزمته كما فعلها على استحياء عندما واجه اللصوص، أو في الشارع قبل دخول المستشفى.

اعتمد المؤلف على الصدفة بوصفها محركا للأحداث في معظم احداث الفيلم، كما في رجل المطافي الذي يعيش أزمة مشابهه تجعله يتعاطف مع البطل أو الأم التي عرفت وقت وصول المركب وذهبت للمكان لتجده وتركب معه! أو وجود محمد منير في نفس المستشفى، وقت وجود ضي، أو مرور لميس الحديدي من بواية المدينة بالصدفة، وقت وجود ضي، الصدفة عندما تتكرر في العمل الفني بوصفها محركا للأحداث.. هذا يعني ضعف وخلل في السيناريو وعجز المؤلف عن إيجاد حلول منطقية ودرامية، بعيدا عن الصدف غير المنطقية، وهي الحل الأسهل والأضعف دائما.

ظهر في الفيلم أكثر من ضيف شرف، محمد ممدوح، صبري فواز، أحمد حلمي، محمد شاهين، محمد منير، لميس الحديدي، أمينة خليل.. بالطبع كل هذا العدد يشكل دعم تجاري للعمل، شرط أن يوظّف بشكل جيد ليضيف هؤلاء للعمل، وهو ما لم يحدث في الفيلم، جاءت أغلب المشاركات باهتة يمكن الإستغناء عنها بممثل قدير من أبطال المشهد الواحد، والذين أصبحوا بلا عمل بعد أن انتشرت ظاهرة ضيف الشرف النجم، ربما كان الأميز بينهم هو أحمد حلمي ومحمد ممدوح، وكانت مشاركة منير هامة؛ لولا الصدفة الملفقة التي أضعفتها، لكن يظل ظهور منير هو الأميز والأهم في العمل.. وفي حياتنا بشكل عام.

ورغم الضعف الشديد للسيناريو، لكن يبقى فيلم “ضي” عمل استثنائي وتجربة فنية مختلفة ومتميزة أفسدها المؤلف، فيلم خارج الصندوق وخارج موضوعات موسم العيد والصيف المستهلكة التافهة.

زر الذهاب إلى الأعلى