مختارات

المملكة المتحدة ووزير داخلية مبارك اللواء حبيب العادلي.. تصادما بشأن المتطرفين الإسلاميين

وثائق رفعت عنها السرية تكشف:

بقلم: عامر سلطان

كشفت وثائق بريطانية عن وجود نقاشات مكثفة وذات مستوى عالٍ بين مسئولين أمنيين بريطانيين ومصريين، بمن فيهم اللواء حبيب العادلي، في منتصف التسعينيات، حول كيفية مكافحة المتشددين الإسلاميين المصريين في لندن. وتشير سجلات مكتب رئيس الوزراء البريطاني إلى أنه بينما انتقد المسئولون المصريون بريطانيا علنا لاستضافتها متشددين إسلاميين، فشل اللواء العادلي، رئيس جهاز أمن الدولة المصري (الذي أصبح لاحقا جهاز الأمن الوطني بعد ثورة 2011)، في تقديم أدلة أو معلومات استخباراتية ملموسة حول أنشطتهم الإرهابية المزعومة ضد مصر.

كما كشفت الوثائق، التي حصلت عليها شبكة “ميدل إيست مونيتور” من الأرشيف الوطني البريطاني، أن العادلي نفسه شارك سرا في برنامج تدريب لمكافحة الإرهاب في لندن.

وفي يونيو 1995، نجا الرئيس المصري آنذاك حسني مبارك، من محاولة اغتيال نفذها متشددون إسلاميون في أديس أبابا، إثيوبيا. ورغم أن الأجهزة الأمنية البريطانية ساعدت السلطات المصرية في تحديد مصدر الأسلحة المستخدمة في الهجوم، شن الإعلام المصري الحكومي حملة ضد بريطانيا بتهمة تقديم المأوى للمتشددين الإسلاميين المصريين.

وفقا للمستندات.. وفي تقرير حول العلاقات الثنائية، وصفت وزارة الخارجية وشئون الكومنولث البريطانية، وجود المتطرفين المصريين في المملكة المتحدة، وبعضهم طلب اللجوء السياسي، بأنه “مصدر توتر رئيسي” في العلاقات مع مصر.

وأشار التقرير إلى أن “الحساسيات المصرية” زادت بعد محاولة اغتيال مبارك. كما أفاد السفير البريطاني في القاهرة بزيادة مخاوف مصر من أنشطة المتطرفين المصريين في الخارج، بما في ذلك في المملكة المتحدة. ووضعت السلطات المصرية قائمة بالإسلاميين الذين تدعي أنهم نشطون في المملكة المتحدة ويشكلون تهديدا لأمن مصر.

تضمنت القائمة هاني السباعي وياسر السري، اللذين طالبت مصر المملكة المتحدة مرارا بتسليمهم. كان السباعي عضوا في جماعة الجهاد الإسلامي، بينما حكم على السري بالإعدام غيابيا لمحاولته اغتيال رئيس الوزراء المصري عام 1993.

قدّم السري طلب لجوء سياسي في المملكة المتحدة. ووفقا للمستندات، طلبت وزارة الداخلية البريطانية مزيدا من التفاصيل من مصر حول محاكمة السري، وأقرّت تقارير بريطانية عدة في يونيو/حزيران أن وجود المتطرفين الأجانب في المملكة المتحدة كان يسبب مشاكل مع دول مثل مصر. وأقرّت هذه التقارير بأن هؤلاء الأشخاص “استغلوا” التقاليد الليبرالية البريطانية. وبينما سعى المسئولون البريطانيون لتهدئة مخاوف نظرائهم المصريين بأن هؤلاء المعارضين غير مرحب بهم، أكدت التقارير أيضا أن الحكومة “مقيّدة بالقانون الدولي والقانون البريطاني”، لا سيما فيما يتعلق بمن طلبوا اللجوء.

أوصى تقرير أُعد قبل زيارة الدكتور أسامة الباز، مستشار الرئيس مبارك، بأن يكرر المسئولون البريطانيون طلبهم للتعاون المصري في “قضايا محددة، بما في ذلك قضية السري.

واقترح تقرير آخر أن يتحدى المسئولون البريطانيون نهج مصر تجاه التطرف بالتأكيد على أهمية الشمول السياسي. وحذر من أن استبعاد جماعات المعارضة الإسلامية المعتدلة، كان يدفع الأفراد إلى قنوات غير قانونية. وأوصى التقرير بأن تسمح مصر بـ”المزيد من المجال السياسي لأحزاب المعارضة القانونية” من أجل “سحب الدعم من الإسلاميين”.

وأكد تقرير ثالث أن السلطات البريطانية كانت “منفتحة قدر الإمكان مع المصريين” وتشجعهم على تقديم المعلومات التي طلبتها وزارة الداخلية، مع شرح القيود القانونية في المملكة المتحدة أيضا.

مع ذلك، أبدى اللواء العادلي لاحقا شكوكه في قدرة بريطانيا على مراقبة المتطرفين المصريين بشكل فعَّال. وفي لقاء متوتر مع ماكفرسون، المستشار للشئون الإقليمية في السفارة البريطانية، سأل العادلي عن إمكانية تسليم السري إلى مصر في حال رُفض طلب اللجوء.

امتنع ماكفرسون عن التكهن، مشيرا إلى أنه في غياب معاهدة استرداد رسمية بين بريطانيا ومصر، سيتخذ أي قرار على أساس كل حالة على حدة.

ووفقا لتقرير ماكفرسون، فقد حثّ العادلي على تقديم أي دليل ذي صلة، بما في ذلك أي دليل على أنشطة إرهابية في بريطانيا، لدعم إجراءات السلطات البريطانية. ومع توقع نظر قضية لجوء السري خلال الأشهر القليلة القادمة، أكد ماكفيرسون أن القرار البريطاني سيستند فقط إلى المعلومات المتاحة وقتها. وأضاف أن بريطانيا لا تملك أدلة قاطعة على أنشطة إرهابية لمصريين في أراضيها. ورغم شكوك العادلي في جدوى تبادل المعلومات مع البريطانيين، فقد أمر موظفيه بالتعاون. إلا أن المعلومات التي قدموها اقتصرت على أرقام هواتف بريطانية مرتبطة بالسباعي وشخص آخر هو شحاته، الذي سبق أن صنّفه الأمن المصري كمتطرف نشط في بريطانيا.

وناقش الاجتماع أيضا زيارة العادلي المرتقبة إلى لندن، حيث سيشارك في دورة تدريبية لمكافحة الإرهاب ويتلقى شرحا قانونيا حول قواعد اللجوء السياسي في بريطانيا.

استفسر العادلي عن جهود بريطانيا لمراقبة المعارضين المصريين، فأكد له ماكفيرسون أن أنشطة المتطرفين الإسلاميين في لندن موضع مراقبة دقيقة ضمن إطار القانون البريطاني.

وعند سؤاله عن محاكمة أعضاء جماعة الإخوان المسلمين عسكريا، قال العادلي إن الهدف هو تسريع الإجراءات، مؤكدا أن للمتهمين نفس الحقوق في المحاكم العسكرية كما في المحاكم المدنية. وأضاف أن التهم تشمل تنظيم إرسال مقاتلين إلى البوسنة لتلقي تدريب عسكري، بهدف العودة إلى مصر لتنفيذ عمليات إرهابية. وفي نوفمبر، تعرضت السفارة المصرية في إسلام آباد لهجوم انتحاري بسيارة مفخخة. وأعلن تنظيم الجهاد الإسلامي المصري مسئوليته عن العملية. وبعد أيام، انتقد مبارك علنا كلا من بريطانيا وألمانيا، قائلا -في مقابلة مع صحيفة لوموند الفرنسية- إنه لا يفهم كيف تسمح الدولتان للإرهابيين باللجوء إلى أراضيهما. أدى ذلك إلى حملة إعلامية جديدة في مصر ضد بريطانيا.

وردت المملكة المتحدة بشكل خاص، فقد أعرب رئيس الوزراء جون ميجور عن رغبته في تعاون وثيق وفهم متبادل. وكتب إلى مبارك: “آمل أن يحافظ شعبكم على أقرب اتصال ممكن بشعبنا”، طالبا من مصر أن تقدم أكبر قدر ممكن من المعلومات عن “النشاط المتطرف غير المقبول” في لندن. وأكد أن المسئولين البريطانيين “سيعملون بأقصى قدر من القرب مع نظرائهم المصريين كما يستطيعون”.

ركزت المناقشات الداخلية في رئاسة الوزراء ووزارة الخارجية ووزارة الداخلية البريطانية على كيفية طمأنة مبارك بأن بريطانيا تبذل قصارى جهدها.

وقد اتفق على المبادئ التالية:

تبذل بريطانيا جهودا كبيرة لمساعدة مصر في مراقبة المعارضين المصريين في لندن.

يجب أن تلتزم جميع الإجراءات بالتشريعات البريطانية والدولية. يجب على مصر تقديم أدلة على انتهاكات القانون البريطاني لاتخاذ أي إجراء.

إن انتقادات الإعلام المصري لبريطانيا غير مجدية. فالانتقاد العلني يعيق جهود المراقبة وقد يعزز طلبات اللجوء.

يجب عدم إعطاء المتطرفين فرصة “الترويج الإعلامي”.

نُصح المسئولون البريطانيون، بمن فيهم رئيس الوزراء، بالاستشهاد بقضية الدكتور محمد المسعري -وهو معارض سعودي رفع دعوى قضائية ضد بريطانيا- كنموذج لكيفية فشل جهود الترحيل وتقديم “فرصة إعلامية” للمعارضين.

في أواخر عام 1996، أُبلغ ميجور بتحسن التعاون بين أجهزة المخابرات البريطانية والمصرية، وأن برنامج تدريب كوادر وزارة الداخلية المصرية في مكافحة الإرهاب “يسير بشكل جيد”.

وأشار تقرير لاحق إلى أن البرنامج كلف بريطانيا حوالي 250 ألف جنيه إسترليني.

في يناير 1997، أخبر ميجور مبارك بأن زيارة العادلي إلى لندن كانت مفيدة. وفي رسالة وجهها السير جون كولز، وكيل وزارة الخارجية آنذاك، أكد ميجور أن بريطانيا ستعمل “بشكل وثيق مع السلطات الأمنية المصرية وتبادل المعلومات”. لكنه شدد على أن الإجراءات القانونية تتطلب أدلة قوية: “الادعاءات في الصحف لن تقنع محاكمنا”، وأضاف أن الانتقادات الإعلامية غير البناءة “لن تجدي نفعا”.

 

زر الذهاب إلى الأعلى