شهدت معدلات محو الأمية في العالم العربي تقدما ملحوظا خلال العقدين الأخيرين، إلا إن أزمة القراءة ما زالت قائمة بأبعادها المعرفية والثقافية؛ فوفقا لبيانات اليونسكو والبنك الدولي، تجاوزت نسبة القادرين على القراءة والكتابة في بعض البلدان العربية 70%، واقتربت في دول الخليج العربي من 95%، في حين لا تزال بلدان عربية تعاني من نسب أمية تقترب من ربع السكان البالغين.
هذا التفاوت يكشف عن أن القدرة على القراءة؛ لا تعني بالضرورة ترسيخ عادة القراءة أو تحولها إلى ممارسة يومية.
في مجتمعاتنا العربية يجاهر كثير من حملة المؤهلات الجامعية، بأن علاقتهم بالقراءة انبتت تماما بإتمامهم لدراستهم الجامعية، وأنهم لم يطالعوا كتبا غير دراسية إلا فيما ندر؛ بل إن الأمر يمتد إلى بعض حملة الماجستير والدكتوراه، ممن لا صلة لهم بالقراءة إلا في مجال دراستهم الضيق، وهي قراءة “أداء واجب” كما يقولون، ولا مردود لها يُعتد به.
ومع الانتشار الهائل للهواتف الذكية.. تراجعت معدلات الإقبال على القراءة على نحو ملحوظ.. وتُظهر المؤشرات الآنية أن القراءة باتت عُرضة لتحولات جوهرية في طبيعتها.
في مصر، بينت دراسات تعليمية أجراها باحثون خلال عامي 2023– 2024، أن مشاركة الطلبة في أنشطة القراءة المدرسية، ارتفعت بنحو 7%، وأن مستوى صعوبة الكتب المقروءة، اقترب من المعدلات العالمية، لكن هذه المؤشرات تبقى محصورة في الإطار المدرسي، ولا يُرجح صحتها كثير من العاملين بالحقل التعليمي.. الذين يؤكدون على تراجع معدلات القراءة تراجعا شديدا، مع تراجع الاهتمام بدراسة اللغة العربية خاصة في المدارس الخاصة والدولية.. وإن كان تزايد الاعتماد على الكتب الرقمية والمحتوى الإلكتروني لدى الأجيال الجديدة، أمر لا يمكن إنكاره؛ لكنه لا يعكس تحولا جوهريا.. فقد ظل الوقت المخصص للقراءة العميقة محدودا للغاية.. وفق دراسات مدققة أشارت إلى أن 90% من القراء تقريبا يعتمدون على مواقع ومنصات التواصل الاجتماعي لقراءة محتوى قصير وسريع.
ويشير معنيون إلى أن تراجع نسب الأمية في معظم الدول العربية لا يعني على الإطلاق خطوة جادة على طريق الازدهار الثقافي أو التحقق المعرفي؛ بل هو أقرب إلى الانتقال التدريجي من “مجتمع يواجه الأمية الأبجدية” إلى “مجتمع مهدد بالأمية الثقافية”.
لقد رسّخت النصوص المقتضبة والمحتوى الرقمي السريع للقطيعة مع الكتب، ما يؤكد أن الكتاب الورقي بوشك أن يكون في ذمة التاريخ.. أمام الكتاب الإلكتروني فإنه ينافح عن وجوده الحالي على نحو من المماطلة؛ لأنه مستبدل لا محالة بالملخصات والمستخلصات عن طريق الذكاء الاصطناعي الذي يكُرس لما يمكن تسميته بـ “النطاعة” المعرفية لدى قطاع كبير جدا من مستخدمي الإنترنت، كان من بينهم سابقا من يقرأون كتبا كاملة.
توشك طبيعة هذا العصر المتسارعة الوتيرة.. أن تدهس كل قيمة للمعرفة المعمقة والعلم الراسخ.. فغالبية الأجيال الجديدة لا تعتقد بضرورة المعرفة التي تكبدهم أي درجة من العناء.. إن الأصل في المعرفة لدى أكثرهم أن تكون متاحة، وأن تكون ميسورة وأن تكون مبسطة تبسيطا يصل إلى حد الإخلال؛ ولا يمكن أن يكون ذلك مدعاة للتوجس.. فتسارع وتيرة الحياة؛ تجعل من المعرفة عندهم أداة للاستخدام الوقتي، وربما لمرة واحدة.. امتحان، مقابلة عمل، مناسبة ما.. بعدها تصبح تلك المعرفة عبئا يجب التخلص منه.
من جانب آخر تشكل المعرفة المعمقة، حملا أخلاقيا وتلازما مبدئيا، من الممكن أن يراه البعض عائقا في حلبة التسابق المحموم في الصراع المادي الذي يفرض نفسه بقوة في ظل سيادة قيم الاستهلاك واقتصاد السوق.
إن الدلالة الأعمق فيما ذكرنا تشير إلى أزمة قائمة تقترب تداعياتها من حدود الكارثة، فليست الأزمة في تناقص الاهتمام بالمعرفة أو هجر الكتب، وازدراء القراءة والقراء، بوصفهم فئة تعيش علي أوهام الثقافة، والتعالي على الواقع المادي.. إن الأزمة في أقبح تجلياتها تتعلق باستبدال أنماط التلقي ومخاصمة المعنى.. لتتراجع عادة القراءة بوصفها فعلا معرفيا مُؤسِّسا لحساب الاستهلاك السطحي للمعلومة، ومعرفة “الومضة” التي سرعان ما تنطفئ مخلّفة قدر لا بأس به من سوء الفهم؛ ما ينعكس مباشرة على تكوين الوعي النقدي ومستقبل الثقافة العربية في مواجهة تحديات العصر الرقمي الذي ستدهمنا في القريب تطوراته المذهلة بما لا قِبل لنا به.








