في اجتماعها مساء أمس الخميس، قررت لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري خفض أسعار الفائدة للمرة الرابعة منذ بداية 2025، بواقع 100 نقطة أساس، لتصل إلى 21% للإيداع و22% للإقراض.
قرار أمس جاء بعد سلسلة تخفيضات سابقة، بلغ مجموعها 525 نقطة أساس خلال هذا العام؛ استنادا إلى مؤشرات رسمية عن تراجع معدل التضخم السنوي في المدن إلى 12%، وهو أدنى مستوى منذ أكثر من ثلاث سنوات.
كان الجنيه المصري قد وصل إلى أدنى سعر له أمام الدولار الأمريكي في أبريل الماضي (51 جنيها مقابل الدولار الواحد) بعد إقدام الحكومة على تحرير سعر الصرف (تعويم كامل) في 6 مارس 2024؛ بناء على طلب صندوق النقد؛ ليرتفع الدولار حينها من حوالي 30.9 جنيه إلى نحو 50 جنيها في السوق الرسمية خلال ساعات قليلة.
كان من الطبيعي أن يتراجع سعر صرف الدولار بعد هذه القفزة الكبيرة،؛ ليصل أمس إلى 47.8 جنيه للدولار.. ما اعتبرته الحكومة تعافيا للعملة المحلية؛ يستوجب الدفع نحو التيسير النقدي لتعزيز النمو الاقتصادي!
كما واصل الدين الخارجي ارتفاعه ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية الربع الثاني من 2025، بزيادة بلغت 6 مليار دولار عن يناير الماضي.. ما يؤشر إلى استمرار الحكومة في نهج الاقتراض لتغطية الفجوة التمويلية، وهو ما يفرض أعباء إضافية على الموازنة العامة وخدمة الدين.
وقد أظهرت بيانات البنك المركزي تراجع فائض صافي الأصول الأجنبية في البنوك المصرية بنسبة 3.2% خلال أغسطس الماضي إلى 17.88 مليار دولار، مقابل 18.48 مليار دولار في يوليو.
وقد أعزى البعض هذا الانخفاض إلى تناقص الفائض لدى البنوك التجارية بنحو 9.2%، فيما حقق البنك المركزي زيادة طفيفة في صافي أصوله. ويعكس هذا التباين اعتماد البنوك على موارد قصيرة الأجل، مثل استثمارات المحافظ الأجنبية والسياحة، مقابل التزامات دولارية متزايدة لتمويل الواردات.
في محاولة منها لتنويع أدوات التمويل؛ عبر ما يُسمّى بالصكوك الإسلامية؛ عادت الحكومة المصرية مجددا إلى الأسواق الدولية العامة التي غادرتها قبل نحو عامين، بإصدار صكوك سيادية بقيمة 1.5 مليار دولار موزعة على شريحتين (3.5 سنوات و7 سنوات)، وسط طلبات اكتتاب تجاوزت 9 مليارات دولار. وخفضت الحكومة علاوة الإصدار بما بين 50 و55 نقطة أساس، وهو ما عدّه البعض مؤشرا على تحسن ثقة المستثمرين بالائتمان المصري!
من جانبها أبدت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، تفهمها لاحتمال ترحيل برنامج طروحات الشركات الحكومية إلى 2026، مؤكدة أن الصندوق يركّز على “اتجاه الإصلاح” أكثر من الجداول الزمنية!
وفي المقابل، شدّد رئيس الوزراء مصطفى مدبولي على أن برنامج الطروحات “قرار وطني”، وأن التأجيل يأتي عندما تكون الظروف غير مواتية!
من الضروري أن نضع تصريحي غورغييفا ومدبولي، إلى جوار تصريح أليكس سيجورا-أوبيرجو ممثل الصندوق في مصر “لا نقدم توصيات بزيادة أسعار الوقود في مصر؛ لكن الحكومة أقرت بضرورة رفع الأسعار تدريجيا؛ بسبب التكلفة التي يتحملها الاقتصاد” لتتضح الصورة أكثر!
وكان رئيس الحكومة قد صرّح قبل نحو شهرين أن “مصر تجاوزت الأزمة الاقتصادية وعلى الأسعار أن تنخفض” فهل من الممكن أن يؤخذ هذا التصريح مأخذ الجد، عند قراءة المؤشرات السابق ذكرها؟!
الواضح أن الاقتصاد المصري مازال يواجه تحديات بنيوية، مع استمرار صعود الدين الخارجي وتراجع الفوائض الدولارية لدى البنوك، مع الاعتماد المفرط على “الأموال الساخنة” قصيرة الأجل، ما يكشف عن هشاشة مصادر التمويل التي تعتمد عليها الحكومة.
ويبدو أن البون ما زال شاسعا بين الوضع القائم والتعافي الحقيقي المستدام، ما دامت معدلات الإنتاج المحلي على هذا النحو، دون زيادة مقبولة في الصادرات، وتحميل المواطن وحده تبعات برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي سينتهي في نوفمبر 2026.








