رؤى

دوافع وتحديات.. إعادة تشكيل مفوضية الانتخابات الليبية

الاتفاق الأخير، في نهاية سبتمبر الماضي، بين مجلسي النواب والمجلس الأعلى للدولة في ليبيا، على إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات خلال عشرة أيام، يمثل انعطافا مُهِمًّا في المسار الانتقالي، خصوصا في ظل الانقسامات السياسية، التشريعية، والمؤسساتية التي عطّلت إجراء الانتخابات لسنوات مضت.

فما دوافع هذا القرار، وما الاحتمالات المستقبلية؛ وما السيناريوهات المتوقعة إذا ما أعيد التشكيل فعليا، مع التحديات التي قد تطرأ؟

دوافع متعددة

تتعدد الدوافع وراء إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات في ليبيا، ما بين الدوافع الداخلية والخارجية.. فضلا عن رؤية البعثة الأممية للدعم في ليبيا.

من بين هذه الدوافع، محاولة استعادة الثقة والمصداقية؛ إذ من أبرز المشاكل التي تعرقلت بسببها الانتخابات في ليبيا، هي تزايد الشكوك بشأن حيادية المفوضية، أو قدرتها على تجاوز تأثيرات الانقسام السياسي، والضغط من بعض الأطراف. ومن ثم، تعني إعادة التشكيل محاولة لإعادة بناء المفوضية في نظر الكثيرين كمؤسسة مستقلة وموثوقة، تُعنى بضمان نزاهة وشفافية العملية الانتخابية. أضف إلى ذلك، أن إعادة التشكيل تتضمن معالجة التشريعات الانتخابية المعيبة.

ففي أكثر من مرة أشارت المفوضية إلى “قصور التشريعات الانتخابية، فيما يتعلق بدور القضاء في الطعون والنزاعات الانتخابية”، بوصفه أحد الأسباب التي منعت إجراء الانتخابات في موعدها. كذلك، الخلاف بين المادتين التشريعية والقضائية في صلاحيات التأجيل، أو إعلان القوائم النهائية، هو مؤشر على الحاجة لوضع إطار قانوني أكثر وضوحا.

من بين الدوافع أيضا، محاولة التوافق مع مطلب خارطة الطريق الأممية؛ من حيث إن خارطة الطريق التي طرحتها البعثة الأممية للدعم في ليبيا (هانا تيتيه)، جعلت إعادة تشكيل المفوضية ضمن الخطوات الأساسية لتهيئة البيئة الانتخابية؛ بمعنى أن يكون التوافق السياسي والمؤسسي أمرا مسبقا لإنجاز الانتخابات. كما أن لجنة المناصب السيادية المشتركة، بين مجلسي النواب والدولة، صارت تشكل إطارا دستوريا وسياسيا يُلزَم به الطرفان للتنسيق في التعيينات ذات الطابع السيادي، ومن ضمنها المفوضية.

ثم، يأتي دور الضغوط الخارجية والدولية؛ إذ من الواضح أن ليبيا أمام مراقبة دولية وإقليمية كبيرة، ومعها تحذيرات من أن الأزمات إذا استمرت قد تؤثر على الاستقرار الأمني، تدفقات الهجرة، العلاقات الثنائية، وغيرها من الملفات ذات البعد الخارجي. خارطة الطريق الأممية، والضغوط على كل الأطراف للعمل على إنهاء المرحلة الانتقالية، تجعل من المفيد للأطراف أن تُظهر التزاما بحل قضايا المفوضية، التي تُعتبر من مطلَب “شرعية الحُكم والانتخابات”، وليس مجرد إجراء تنظيمي.

احتمالات مستقبلية

إعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية ليست نهاية المطاف، بل بداية لمرحلة تدخلات مكملة، تحمل معها عدة سيناريوهات محتملة، كل منها يعتمد على مزيج من الإرادة السياسية، التشريعات، الأوضاع الأمنية، وأداء المفوضية بعد التشكيل.

وبالتالي، فمن المرجح أن تشهد المرحلة المُقبلة أحد السيناريوهات التالية:

فهناك سيناريو “النجاح”، بمعنى تشكيل مفوضية قادرة وجدية.. هذا، في حال تشكيل مجلس إدارة جديد مستقل، يتكون من شخصيات تحظى بتوافق وطني، بمعايير واضحة للحياد والنزاهة؛ يستطيع إنجاز إصلاح تشريعي سريع لتوضيح سلطة المفوضية فيما يخص تأجيل الانتخابات، الطعون القضائية، القوائم الانتخابية، مواعيدها، وحدود صلاحياتها.

إذا تحقق هذا الشرط، فستكون ليبيا أمام فرصة حقيقية للخروج من مرحلة التجميد، واستعادة مسار دستوري ديمقراطي تقبله غالبية الأطراف، ما قد يفتح الباب أمام حكومة منتخبة ومسئولية تشريعية مُحدّدة.

إلا أن هناك أيضا، سيناريو التأجيل المزمن أو التجميد الجزئي.. إذ في حال فشل التشكيل في استقطاب الثقة المطلوبة، أو إذا بقيت التشريعات ناقصة أو متعارضة، هناك احتمال أن تُستخدم التشكيلة الجديدة بوصفها مكوّنا رمزيا فقط دون أثر عملي كبير، وأن تستمر التأجيلات للانتخابات بحجة “القوة القاهرة” أو “البيئة الأمنيّة / التشريعية غير المواتية”.

وهنا -في هذه الحال- قد تُؤجّل الانتخابات مرة، أو أكثر، حتى الاتفاق على قاعدة دستورية، أو تعديل القوانين الانتخابية، أو حتى استكمال إعداد مكاتب المفوضية اللوجستية. في هذا السيناريو، قد تتفاقم الإحباطات، والمخاطر المرتبطة بانخفاض شرعية المؤسسات، وربما عودة الاحتجاجات أو الضغط الشعبي أو تدخل أطراف خارجية.

وأخيرا، هناك سيناريو التحقق الجزئي، وهو الأقرب -في نظرنا- إلى التحقق.. فقد يعاد التشكيل، ويعمل على بعض التشريعات وتحسين الأداء، لكن لا تُجرى الانتخابات في الموعد المخطط له بسبب مشاكل لوجستية أو أمنية أو نزاعات قضائية. في هذا السيناريو، تُحقق المفوضية تقدّما يُحسب، لكن يُبقي الوضع السياسي هشًّا، والتحديات قائمة، وربما تستمر المفاوضات حول بعض القوانين المعلقة أو مسار الاستفتاء على الدستور إن كان ذلك مطروحا.

تحديات متوقعة

رغم ذلك، ورغم الاتفاق على إعادة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات، إلا أن التحديات التي قد تعيق السير نحو سيناريو النجاح، تظهر في الأفق.

فهناك الانقسام في السلطة التنفيذية والمناطقية؛ حيث وجود حكومتين، التنافس بين الأجسام السياسية، وعدم التوافق على من يدير السلطة التنفيذية الفعلية، كلها تُعرض العملية الانتخابية لمخاطر الفشل أو التأخير. هذا، بالإضافة إلى الفراغ الدستوري والتشريعي؛ إذ بدون إطار دستوري واضح، تظل الاختصاصات متداخلة (من يؤجل، من يعلن القوائم النهائية، دور القضاء الطعن). هذا الفراغ يُستخدم من قِبل الأطراف المتضرّرة لتأجيل التزاماتها.

أيضا، هناك البيئة الأمنية غير المستقرة؛ ففي كثير من مناطق ليبيا، الوضع الأمني هشّ، الميليشيات والمحافظات التي لا تخضع بالكامل للسيطرة المركزية أمرٌ واقع. ومن ثم، فإن تأمين مراكز الاقتراع، حماية المترددين، ضمان عدم التزوير في الداخل والخارج، كلها مسائل تحتاج جهدا كبيرا. كذلك، مسألة التمويل واللوجستيات؛ فالانتخابات تحتاج ميزانية كافية، كوادر، تجهيزات، إدارة التوزيع، مكاتب انتخابية، طباعة أوراق، الحوسبة إن استخدمت، التدريب، إلخ. أي ضعف في هذه الجوانب قد يؤخر الإجراءات أو يفتح مجالا للانتقادات والتشكيك.

ثم، هناك أخيرا ما يتعلق بالضغوط الدولية وواقع التأثير الخارجي؛ فالأطراف الخارجية التي لها مصالح في ليبيا قد تمارس ضغوطا من أجل توجيه العملية بشكل أو بآخر؛ وقد تؤثر الأزمات الدولية، المساعدات، أو المراقبة الدولية في تفاوت الأداء أو التأخير.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن الاتفاق بين مجلسي النواب والدولة لإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية العليا للانتخابات هو خطوة مهمة، ربما مفتاحا لعبور مرحلة الجمود الانتخابي الطويلة في ليبيا. لكن وزن هذه الخطوة لا يُقاس بحدّه الإداري وحده، إنما بما يصحبه من إصلاحات تشريعية، وضمانات أمنية، وبيئة سياسية متوافقة، وشفافية ومراقبة دولية ومحلية. إذا نجح الأمر، فليبيا قد ترى انتخابات تُعيد جزءا من الاستقرار والشرعية للمؤسسات، وربما تبني قاعدة لمرحلة أوسع من الإصلاح السياسي. أما إن فشل، فسيكون هذا التشكيل معرضا لأن يتحول إلى شعار يُستخدم سياسيا، دون أثر ملموس، وقد يعمّق الإحباط وعدم الثقة بين الليبيين والمكونات السياسية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى