رؤى

السلطة والخطاب.. رسالة الإعلام ووسائل السيطرة

يرى ميشيل فوكو أن “كل خطابٍ هو شكل من أشكال السلطة” فالخطاب أداة هيمنة، كما أن السلطة تعني “امتلاك القدرة” أو “توفُّر الامكانية ” لفعل شيء أو لإدراك شيء، وهي في جوهرها مفهوم علائقي؛ فإذا عددنا السلطة جوهرا أو ظاهرة منبعثة من كيان ما، فإن القوة تختلف عنها في كونها تربط بين أطراف متعددة.

ويمكننا تتبع مسيرة السلطة في محاولاتها للضبط، من النبذ والإقصاء والقهر والإرغام، إلى الخداع والإقناع عن طريق الخطاب الذي يفكك المقولات المناوئة، ويشرعن للسلطة ممارساتها وضرورة بقائها.. في حالة من الإغناء عن العنف باتخاذ البديل الفعّال من الكلمة والصورة والفكرة والإرباك والقدرة على إنتاج البلبلة من خلال التدفق اليومي للأخبار، والتفسير المغاير للأحداث، وطالما نجحت السلطة في خلق تلك الحالة الموازية للواقع -وفق رؤيتها- فقد ضمنت إخماد الرغبة لدى الجموع في الحراك ومن ثم التغيير.

تأتي قوة السلطة من وجودها خارج الإطار الرسمي لها.. من قدرتها على التأثير في كل شيء في المجتمع.. دون الظهور الخشن في حياة الناس.. إن تلك القوة تفرض على الجماهير ما يُستحب التفكير فيه، وما لا يجوز التطرق إليه من خلال شبكة من الخطابات تعتمد على التطويع التدريجي؛ ارتضاء بالمصدر الواحد للمعلومة الذي يؤمِّن للفرد مكانه داخل منظومة تُنتج “الطاعة الطوعية”.

هكذا يُعاد تشكيل الإنسان من خلال الإعلام الموجّه الذي تديره دوائر السلطة بصورة تنطوي على كثير من إخفاء الحقائق أو استبدال خطاب “مُرشّد” بها فيما يُعرف بالرواية الرسمية.

لا يمتلك ذلك الخطاب قدرة كبيرة على الإقناع؛ وذلك لكونه يناوئ الوقائع المرئية التي يواجهها المواطنون بصورة مستمرة؛ فيلجأ إلى وسائل أخرى يُكرّس لها بالاعتياد.. حتى يُستبدل ذلك الخطاب بالواقع.. فيتغلب منطق القوة، ويصبح التشكيك أداة هامة في صياغة السردية الرسمية، التي غالبا ما تفتقر إلى التماسك؛ فتستعيض عن ذلك بإثارة الجدل حول الرؤى الأخرى ومصداقيتها، واستهداف أنصارها بالتشهير والقتل المعنوي.

تصنع السلطة من خلال خطابها واقعا جديدا، يصنِّف أفراد المجتمع للتعامل معهم حسب مدى قبولهم له، وبين الرفض التام والخضوع المطلق.. تقف فئات المُراوحين الذي لم يستطيعوا حسم مواقفهم؛ لكنهم فقدوا القدرة على الفعل على نحو ما.. تلك الفئات هي التي يسعى الخطاب إلى توسيعها بوصفها الأغلبية الصامتة التي لا تعادي شبكة الخطابات الرسمية، ولا تقبلها بالكلية لكنها تقف منها في حالة من الشك غير المُرجح للإقدام.

لكن هذا الخطاب يفعل فعله في تلك الأغلبية من ناحية أخرى؛ فعن طريق وسائل عدة تُعاد صياغة رغبات الناس، اختياراتهم، وحتى لغتهم؛ فيصبحون جزءا من الصورة المطلوبة.. وفي عصر الإنترنت استعانت السلطة بمواقع التواصل الاجتماعي في سبيل تسييد خطابها، ولعبت الخوارزميات دورها في إعادة تشكيل الرأي العام، وتغذية الانقسام المجتمعي بصور متعددة.. فيما يُعرف بالاستبداد الشبكي.. سلطة بلا وجه، تحكم من وراء حجاب.

حيال تلك الحالة من الهيمنة يصبح الوعي فعل مقاومة، والحفاظ عليه في حالة من اليقظة والانتباه الكامل، دربا من النضال بوصفه -أي الوعي- خط الدفاع الأخير للإنسان في مواجهة تلك الحالة من الاختطاف الذهني.

وعندما يتمترس العقل خلف قناعاته يبدأ في تفكيك الخطاب وتبيان الحقائق ورصد التناقضات- سعيا إلى تكوين رؤية مناهضة، تبلور الأفكار وتنتقي الأساليب وتوجد مساحات للجدل الحر.. وردا لذلك الطغيان الإعلامي المُغرق في زيفه وأضاليله.

ويرى آلفين توفلر في كتابه “تحوُّل السلطة” أننا “بمجرد أن نفهم لعبة الهياكل والقوى التي تشكِّل السلطة في عالمنا المعاصر- يصبح من الممكن أن نتبنى في مواجهتها استراتيجية شاملة؛ بدلا من ردود الفعل العشوائية والفردية التي لا رابط بينها”.

ولكن ذلك -بالطبع- يحتاج إلى جهد فكري مؤسس يكشف عن الكثير من التفاصيل المبهمة في بنية السلطة ومفهوم خطابها؛ فليس أسوا من مجابهة مجهول لا تحد ألاعيبه حدود.. وهو سمت السلطة الراسخ الذي لا يتبدل أبدا.

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى