دون النظر إلى الضغوط الاقتصادية الهائلة التي تعاني منها الغالبية العظمى من الشعب المصري، رفعت الحكومة المصرية أمس الخميس، أسعار الوقود بنسبة 13%، وهي ثاني زيادة خلال العام الحالي، مع وعد بعدم رفع أسعار الوقود لعام قادم على الأقل، حسب بيان صادر عن وزارة البترول والثروة المعدنية.
شملت الزيادة جميع أنواع البنزين والسولار، وبلغت قيمتها جنيهين للتر.. وحسب الأسعار الجديدة، سيصعد سعر بنزين 95 من 19 جنيها للتر إلى 21 جنيها، وبنزين 92 من 17.25 إلى 19.25 جنيه للتر، وبنزين 80 من 15.75 إلى 17.75 جنيه للتر، كما ارتفع سعر السولار من 15.5 إلى 17.5 جنيه للتر. أما غاز السيارات فارتفع سعره إلى 10 جنيهات من 7 جنيهات للمتر المكعب.
المبررات التي ساقتها الحكومة لرفع أسعار الوقود رغم تراجع أسعار النفط عالميا، وكذلك انخفاض سعر صرف الدولار أمام الجنيه المصري لأدنى حد، منذ تعويم مارس 2024، والاستقرار الإقليمي النسبي بعد توقف الحرب في قطاع غزّة، وإعلان صندوق النقد أنه لم يشترط على مصر، رفع أسعار الوقود- جاءت غير مقنعة حيث ذكرت أن هناك فجوة بين تكلفة الإنتاج والسعر المحلي، وأن الزيادة جاءت ضمانا لاستمرار توافر المنتجات البترولية في السوق، ولعدم تجميل الدولة أعباء إضافية – تفضّل الحكومة دائما تحميل تلك الأعباء للمواطنين- كما أن الزيادة تأتي ضمن الالتزام بخطة الإصلاح الاقتصادي، وشروط التعاون مع صندوق النقد الدولي، رغم التصريح الشهير أواخر الشهر الماضي للسيد أليكس سيجورا-أوبيرجو ممثل مقيم أول لصندوق النقد الدولي، في مصر الذي قال فيه: “لا نقدم توصيات بزيادة أسعار الوقود في مصر؛ لكن الحكومة أقرَّت بضرورة رفع الأسعار تدريجيا بسبب التكلفة التي يتحملها الاقتصاد”.
أوضحت الحكومة أيضا أن الزيادة سيكون من شأنها تشغيل معامل التكرير بكامل طاقتها، وتوفير ما مقداره 28 مليار جنيه لميزانية الدولة خلال العام المالي 2025-2026.
ستسهم هذه الزيادة -لاشك- في ارتفاع معدلات التضخم في المدن المصرية مجددا، وقد ذكرت تقارير رسمية أنه شهد تباطؤا خلال الأشهر الأربعة السابقة.
يُذكر أن متوسط الإنفاق السنوي على المواصلات ارتفع لأكثر من ثلاثة أمثال خلال الأعوام السبعة الماضية؛ ليصل إلى 24.6 ألف جنيه في 2024، بعد أن كان 8800 جنيه في 2019، وهو ما يعني مزيدا من الإرهاق لميزانية الاسرة المصرية المنهكة بسبب تلك السياسات التي لا تراعي الأبعاد الاجتماعية.
مع كل زيادة في أسعار الوقود، تتردد مقولات التبرير بوجوب المقارنة بين أسعار الوقود في مصر وأسعاره في إقليميا وعالميا.. مع العلم أنه ووفقا لبيانات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، فقد بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي العالمي (GDP per capita) حوالي 13,200 دولار أمريكي (اسميا) في عام 2024، وهو ما يعكس متوسط الدخل في العالم ككل، أما في مصر فيبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي نحوا من 3,300 دولار أمريكي (اسميا) في عام 2024، ما يعني أن متوسط الدخل في مصر يعادل تقريبا 25% من المتوسط العالمي! وهو ما يعني أن المقارنة لا بد أن تشمل كافة الجوانب؛ إذ يُخل الاجتزاء بصحة نتائج المقارنة.
ومع رفع أسعار السولار، يتوقع كثيرون ارتفاعا كبيرا في أسعار الغذاء الذي أصبح الحصول عليه، الشغل الشاغل والهم الأول لغالبية المصريين.. وكانت دراسة للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء أجريت عام 2022، قد ذكرت أن 65.8% من الأسر، غيرت نمط إنفاقها بسبب الأزمة الاقتصادية، إذ انخفض استهلاك 74% من الأسر من السلع الغذائية، وأظهرت الدراسة أن حوالي 90% من الأسر قللت استهلاكها من اللحوم والدواجن والأسماك.
في ظل تلك الظروف الاقتصادية الصعبة، على الجميع أن يعي أن وضعَ مزيدٍ من الأعباء على عاتق الطبقات الفقيرة- ليس هو الحل الأمثل للأزمة، وقد حاولت الحكومة على مدى الأعوام السابقة، ومنذ بدأت برنامجها للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي في نوفمبر 2016، محاولات عديدة على هذا النهج دون تحقيق أية نتائج إيجابية.. بل كانت التداعيات بالغة السلبية.. فمتى نعيد النظر في تلك السياسات غير العادلة؟!








