رؤى

الدعوة المحمدية.. وتغيير مسار الوعي العربي 1

يُعَدّ كتاب “تاريخية الدعوة المحمدية” للمفكر التونسي هشام جعيط، الصادر عن دار الطليعة في بيروت، في عام 2007، المحطة “الثانية” في ثلاثيته الكبرى حول السيرة النبوية التي ابتدأها بكتاب “الوحي والقرآن والنبوة”، واختتمها بكتاب “مسيرة محمد في المدينة وانتصار الإسلام”. ويأتي هذا الجزء ليحتل موقعا حاسما في مشروع جعيط النقدي؛ إذ يتناول فيه مرحلة مكة بكل ما انطوت عليه من تحولات فكرية ودعوية وسياسية، باعتبارها المرحلة التأسيسية التي شكّلت البنية الأولية للرسالة المحمدية.

ومن هنا، فإن أهمية هذا الكتاب لا تنبع فقط من كونه سردا تاريخيا، أو قراءة تفسيرية لتلك المرحلة، بل من كونه محاولة تأصيلية لفهم “تاريخية الدعوةنفسها: أي كيف تشكّلت الرسالة ضمن شروط الزمان والمكان؟ وكيف تفاعلت مع البنية الدينية والاجتماعية والثقافية للعرب في القرن السابع الميلادي؟

تساؤلات الكتاب

يمتاز جعيط بجرأته المنهجية في مقاربة السيرة، فهو لا ينظر إليها بوصفها نصا أسطوريا مقدسا مكتفيا بذاته، ولا بوصفها مجرد خبر مروي يجب قبوله على علاته، وإنما بوصفها “حقلا معرفيا متعدد الأبعاد”، يتقاطع فيه التاريخي مع الديني، والسياسي مع الاجتماعي، والنفسي مع الثقافي. لذلك اعتمد في كتابه على مقاربة نقدية صارمة تجمع بين قراءة المصادر الإسلامية الكلاسيكية (السيرة، المغازي، التفسير، الحديث)، وبين استثمار أدوات التاريخ المقارن والأنثروبولوجيا والفكر الديني المقارن، دون أن يفقد حساسيته إزاء البعد الإيماني للنص القرآني.

الكتاب يعيد طرح أسئلة مركزية حول “كيفية نشوء الدعوة المحمدية”: لماذا ظهرت في مكة تحديدا؟ ولماذا في تلك اللحظة التاريخية؟ وكيف استطاع محمد -وهو الفرد اليتيم في مجتمع قبلي شديد التماسك- أن يفرض حضورا دعويا أحدث خلخلة في البنى الدينية والاجتماعية القائمة؟

يحاول جعيط الإجابة عبر تفكيك السياقات: طبيعة مكة بوصفها مركزا تجاريا ودينيا، مكانة قريش وسلطتها، وضع العرب الديني المتأرجح بين بقايا التوحيد والانغماس في الوثنية، وأثر الاحتكاك باليهودية والمسيحية. ويظهر أن جعيط ينزع نحو إبراز الطابع “الإنساني – التاريخي” للرسالة، دون أن يختزلها في تفسير مادي محض، بل مع إدراك البعد الروحي العميق الذي شكّل جوهر التجربة النبوية.

وفي تحليله لشخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام، يتجنب جعيط القراءات التبجيلية المطلقة كما يتجنب النزعات الاستشراقية التبخيسية، ليقدّم صورة أكثر تركيبا: نبيّ عاشق للتجربة الروحية، لكنه أيضا قائد اجتماعي مدرك لتعقيدات واقعه. ومن ثمّ، فإن الدعوة لم تكن مجرّد “وحي منزّل” في الفراغ، بل “تاريخية دعوة” تنبثق من صميم المجتمع العربي، وتتحرك ضمن توازنات دقيقة بين القبول والرفض، بين القطيعة والاستمرار.

تاريخية الدعوة

هذا الكتاب إذن ليس مجرد قراءة في أحداث الماضي، بل هو محاولة لفهم المعنى التاريخي للدعوة المحمدية: كيف تحدّت القيم السائدة وأعادت صياغة الوعي الديني والاجتماعي للعرب؟ وكيف مهّدت لولادة أمة جديدة تتجاوز الانتماء القبلي نحو أفق عقدي جامع؟ وفي ذلك يظل مشروع جعيط متميزا عن السرديات التقليدية، لأنه يُدخل السيرة النبوية في حوار مع التاريخ والأنثروبولوجيا والفكر الفلسفي، ما يجعل “تاريخية الدعوة المحمدية” كتابا مفتاحيا لفهم ليس فقط بدايات الإسلام، بل أيضا العلاقة بين الدين والتاريخ في أعمق مستوياتها.

العنوان نفسه يحمل دلالات عميقة “تاريخية الدعوة”؛ فالمؤلف يؤكد منذ البداية أنه ينظر إلى الإسلام في بدايته باعتباره حدثًا تاريخيا، لا بمعنى نزع طابعه الروحي أو تقليصه إلى وقائع مادية، بل بمعنى إدراكه ضمن زمانه ومكانه وظروفه الواقعية. فالدعوة لم تولد في فراغ، ولم تكن خارج التاريخ، وإنما انبثقت في مجتمع محدّد له بنيته القبلية والتجارية والدينية؛ ومن هنا لا يمكن فهمها إلا باستعادة هذه الشروط.

مركزية مكة بوصفها حاضنة تاريخية:

يبدأ جعيط بتحليل مكة نفسها، باعتبارها المركز الذي انطلقت منه الرسالة. يركّز على مكانتها التجارية بوصفها محطة رئيسة على طرق القوافل بين اليمن والشام، وعلى بنيتها الاجتماعية القائمة على قريش “الطبقة المهيمنة”.

ويرى أن قريش كانت تمثّل قوة اقتصادية وسياسية؛ لكنها -في الوقت نفسه- كانت تعاني من “انقسامات داخلية” و”صراعات مصالح” بين بطونها المختلفة.

كما يتوقف جعيط عند البنية الدينية لمكة، حيث تتجاور الوثنية العربية مع تأثيرات يهودية ومسيحية منتشرة في الجزيرة، وإن بشكل محدود. ومن ثم، فإن محمدا لم يظهر في فضاء معزول تماما عن التوحيد، بل في بيئة فيها إرهاصات دينية وروحية، لكنه كان الأقدر على تحويلها إلى مشروع توحيدي شامل.

بدايات وتحولات الدعوة المكية:

بعد رسم صورة مكة، ينتقل جعيط إلى بدايات الدعوة: الوحي الأول، الجهر بالدعوة، الاضطهاد، ثم محاولات البحث عن حماية. وهو يرى أن هذه المرحلة تكشف بجلاء “شجاعة النبي” وصموده، إذ ظل متمسكا برسالته رغم قلة عدد أتباعه وشراسة معارضيه.

يحلّل جعيط تكوّن الجماعة الأولى من المسلمين، مشيرا إلى تنوعها: من العبيد والمستضعفين (بلال، صهيب، عمار)، إلى بعض الأثرياء (عثمان، أبو بكر)؛ ومن الشباب المتحمس (علي)، إلى النساء المؤمنات (خديجة). هذا التنوع، في رأيه، يعكس جاذبية الدعوة من جهة، ويكشف عن قدرتها على “تجاوز الانتماءات القبلية الضيقة” من جهة أخرى.

ثم يتتبع كيف تحولت المواجهة مع قريش من مرحلة الاستهزاء إلى مرحلة الاضطهاد المباشر، وكيف استُخدمت وسائل مختلفة: المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية، التعذيب، محاولة استمالة النبي نفسه عبر عروض المال والجاه. ويرى أن هذه السياسات تعكس إدراك قريش لخطورة الدعوة، لأنها تهدد قيمها التجارية والدينية معا.

البعد الاجتماعي والسياسي للدعوة:

يولي جعيط أهمية كبرى لفهم الإسلام المبكر باعتباره حركة “اجتماعية ـ سياسية”، إلى جانب كونه رسالة روحية. فالنبي لم يكن فقط مبلّغا للوحي، بل أيضا قائدا لجماعة تواجه سلطة قائمة. لذا، يستعين جعيط بمناهج علم الاجتماع، وخصوصا نظريات الحركات الاجتماعية، ليبيّن كيف أن الإسلام مثّل نوعا من “الاحتجاج على النظام المكي”.

لكن هذا التحليل لا يقوده إلى اختزال الدعوة في بعدها المادي. على العكس، يشدد على أن قوة الإسلام لم تكن لتنبع من مجرد مصالح دنيوية، بل من “القوة الروحية للرسالة” ومن صدق النبي نفسه. فالتاريخ لا يُختزل في الاقتصاد أو السياسة وحدهما، بل تحركه أيضا الأفكار الكبرى والتجارب الروحية العميقة.

النبي بين الروح والتاريخ:

من النقاط الجوهرية في هذا الكتاب أن جعيط يقدم صورة مركبة للنبي محمد: ليس مجرد “قديس” منزّه عن الواقع، ولا مجرد “قائد سياسي” بالمعنى الميكيافيلي، بل نبي يعيش تجربة روحية عميقة؛ وفي الوقت نفسه، يتصرف بوعي تاريخي واضح.

يبرز هذا مثلا في موقفه من الهجرة إلى الحبشة، حيث شجّع بعض أتباعه على البحث عن ملجأ آمن، بينما بقي هو في مكة يواجه التحديات. كما يظهر في محاولاته للاتصال بقبائل أخرى خلال موسم الحج، بحثا عن سند سياسي خارج قريش. كل ذلك يكشف عن “براغماتية نبوية”، لكنها براغماتية لا تنفصل عن البعد الروحي والإيماني.

وهكذا، نجح جعيط في أن يعيد الاعتبار إلى شخصية النبي محمد عليه الصلاة والسلام، من زاوية “إنسانية – حضارية”: فهو ليس فقط نبيا مبلّغا للوحي، بل أيضا فاعلا تاريخيا حمل مشروعا تحويليا غيّر طبيعة الاجتماع العربي، وحوّل مكة من فضاء قبلي تجاري إلى نقطة انطلاق لمشروع حضاري عالمي.

وختاما، يخرج القارئ من كتاب “تاريخية الدعوة المحمدية”، لهشام جعيط، بانطباع عميق مفاده أن “السيرة النبوية” لا يمكن أن تُقرأ قراءة سطحية أو محصورة في التبجيل الوعظي، بل ينبغي أن تُفهم في إطارها التاريخي والإنساني. فالدعوة لم تنشأ بمعزل عن واقع الجزيرة العربية، ولم تكن مجرد لحظة غيبية منقطعة عن شروطها، وإنما هي حدث تاريخي نوعي “غيّر مسار الوعي العربي والديني معا”. وبالتالي، فإن جعيط، وهو يختتم تحليله، لا ينكر البعد الغيبي المتمثل في الوحي، لكنه يصرّ على أن هذا الوحي تَجسّد في ظرف واقعي محدّد، وأن قوة الرسالة لم تأتِ فقط من بعدها الروحي، بل من قدرتها على ملامسة الحاجات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية لمجتمع مأزوم.

 

 

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى