إذا كانت “السموات والأرض” بوصفهما ثنائية كونية، تمثلان المكان المادي المدرك، فإن القرءان الكريم يقدم سردا لعوالم غيبية تقع خارج نطاق الحس؛ وهي أماكن “متخيلة”، بمعنى أن العقل البشري لا يستطيع تصور حقيقتها الذاتية، ولكن يصل إليها عبر الوصف المجازي والرمزي في النص القرءاني. وهي أماكن حقيقية في “عالم الغيب”، لكن إدراكنا لها قائم على التخيل المستند إلى الوحي.
هنا سنحاول تناول هذه “الأماكن المتخيلة”، التي ورد ذكرها في التنزيل الحكيم، أي الفضاءات الغيبية التي تستبطن رمزية علوية: فـ”سدرة المنتهى”، و”البيت المعمور”، و”اللوح المحفوظ”؛… هي فضاءات لا تقع في التجربة البشرية؛ لكنها تُقدَّم بوصفها مقامات للغيب.
الأماكن المُتخيلة
الملاحظ، أن هذه الفضاءات الغيبية، التي ورد ذكرها في التنزيل الحكيم، لا تنتمي إلى الجغرافيا؛ بل إلى الرمزية القرءانية، وتؤدي وظيفة تجاوز المكان إلى المعنى. والمُلاحظ أيضا أن هذين المستويين، الواقعي والمتخيل، لا يفصل بينهما القرءان فصلا مطلقا؛ بل يجعلهما متداخلين في شبكة دلالية تشير إلى وحدة الخلق والمصدر والمصير.
– سدرة المنتهى.. مكان النهاية واللقاء: تمثل “سدرة المنتهى” ذروة المكان في رحلة الإسراء، وهي ليست موقعا فلكيا، وإنما هي حد فاصل بين عالم “الخلق” وعالم “الأمر”؛ بين ما يمكن للبشر إدراكه وما يستأثر به الله تبارك وتعالى. يقول سبحانه: “عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ٭عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ٭إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ” [النجم: 14-16].
والملاحظ أن تسميتها “المنتهى” تدل على أنها نقطة النهاية لكل ما يصعد من أسفل، وينتهي عندها علم كل الخلائق. بهذا المعنى، تمثل سدرة المنتهى الحدّ الأقصى للمعرفة المكانية الممكنة للمخلوق؛ فهي “المنتهى”، أي النقطة التي يتوقف عندها إدراك المخلوق أمام الغيب المطلق. ولذلك فهي “مكان الغياب داخل المكان”؛ إذ تُحضر المعنى الإلهي في صورة رمزية لمكان لا يُدرَك بالحس. وهنا لنا أن نتأمل الآية الكريمة “إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ” [النجم: 16] وكما يبدو.. فإن “الغشاء” الذي يغشيها في الوصف القرءاني يؤشر إلى حجب كنهها عن الإدراك، فهي “مكان متخيل” بامتياز، يمثل الغاية القصوى للمسير الروحي.
ومن اللافت، أن الآية تربط سدرة المنتهى بـ”جنة المأوى”، ما يعني أن المكان المتخيل هنا، ليس خارج التجربة الإنسانية تماما؛ بل هو امتداد “غيبي” لها، يرمز إلى ذروة القرب من الله وإلى اكتمال الصعود الروحي. فالمكان في القرءان لا يقف عند حد الجغرافيا، ولكن يتحول إلى رمز للمعرفة والتقديس.
– البيت المعمور.. المركز الكوني للعبادة: ورد اصطلاح “ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ” في موضع واحد، ضمن آيات التنزيل الحكيم، في سورة الطور؛ وذلك في سياق القسم في قوله عزَّ وجل: “وَٱلطُّورِ ٭ وَكِتَٰبٖ مَّسۡطُورٖ ٭ فِي رَقّٖ مَّنشُورٖ ٭ وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٭ وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٭ وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ ٭ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٭ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ” [الطور: 1-8]
هنا.. في هذه الآية الكريمة، يمكن اعتبار البيت هو “الكعبة”، وأنه “معمور” للتدليل على وجود أُناس استجابوا لمنهج الله سبحانه وتعالى، وذهبوا إلى البيت وعمرُوه.
إلا أن السياق القرءاني الذي ترد فيه هذه الآية الكريمة، كما أشرنا في مقال سابق، يوضح أن “ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ” لا يرتبط بالأرض، بل بالسماء؛ فهو بيت غيبي. وبصرف النظر عما رواه بعض المفسرين من أن الملائكة تطوف به كما يطوف البشر بالكعبة؛ فإنه من الواضح أن “ٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ” يأتي ليُمثل “المرآة السماوية للبيت الحرام”؛ إنهما بيتان متقابلان: أحدهما أرضي، والآخر سماوي، وكلاهما يعكسان فكرة “المكان المقدس” الذي يجمع بين الأرض والسماء، وبين الإنسان والملائكة.
دليلا على ذلك، السياق القرءاني الذي ترد فيه الآية الكريمة؛ فحركة العطف الثلاثية “وَٱلۡبَيۡتِ ٱلۡمَعۡمُورِ ٭ وَٱلسَّقۡفِ ٱلۡمَرۡفُوعِ ٭ وَٱلۡبَحۡرِ ٱلۡمَسۡجُورِ”، التي تأتي قبل التأكيد الإلهي “إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَٰقِعٞ ٭ مَّا لَهُۥ مِن دَافِعٖ”، تؤشر على ملامح مكان هذا البيت، وأنه ليس على الأرض.
البيت المعمور، بهذا المعنى، هو المكان المتخيل الذي يؤكد وحدة الوجود ووحدة العبادة بين السموات والأرض، وأن الطقوس الأرضية لها صورة مثلى في العالم العلوي. وبهذا المعنى أيضا، يشير “البيت المعمور” إلى أن المكان الأرضي المحرم (الكعبة)، ليس سوى انعكاس رمزي لمكان علوي، ما يعمّق فكرة أن المكان في القرءان ليس جغرافيا بل “أنطولوجيًا” (وجوديا بالمنظور الفلسفي)؛ فالكعبة ليست مُحرمة بذاتها، ولكن لأنها صلة بين السماء والأرض، بين الغيب والشهادة. ومن ثم، يغدو المكان حاملا لجوهر التوحيد؛ إذ يوحّد بين المستويين الوجوديين، المادي والمتخيل.
– اللوح المحفوظ.. موضع العلم الإلهي المطلق: يمثل “اللوح المحفوظ” أعلى درجات المكان المتخيل، فهو ليس مكانا مكانيا بالمعنى الحرفي، وإنما هو مستودع العلم والقدرة الإلهية، سجل “السُنن الكونية” والأحكام؛ ومن ثم، فهو أرقى أشكال “المكان المتخيل”؛ إذ يأتي وصفه في التنزيل الحكيم في قوله عزَّ من قائل: “بَلۡ هُوَ قُرۡءَانٞ مَّجِيدٞ ٭ فِي لَوۡحٖ مَّحۡفُوظِۭ” [البروج: 21-22].
واللوح لغويا هو “جسم مادي يُكتب فيه أو يُحمل عليه”، سواء كان ورقا أو خشبا أو غيرهما. وقد ورد مصطلح “لوح” في التنزيل الحكيم في مرات “أربع”، وردت جميعها في صيغة “الجمع”، ثلاثة منها في سورة الأعراف، وواحدة في سورة القمر. يقول سبحانه: “وَكَتَبۡنَا لَهُۥ فِي ٱلۡأَلۡوَاحِ مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡعِظَةٗ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ…” [الأعراف: 145]؛ ويقول تعالى: “وَحَمَلۡنَٰهُ عَلَىٰ ذَاتِ أَلۡوَٰحٖ وَدُسُر” [القمر: 13].
هذا، ولم يرد اصطلاح “اللوح المحفوظ” في التنزيل الحكيم، إلا في موضع واحد فقط هو هذا الموضع، في هذه الآية الكريمة؛ بما يؤكد على “مركزية الاصطلاح” في التنزيل الحكيم. وهو بهذه المركزية، يؤكد على “المكان” الذي لا يتغير ولا يتبدل؛ فهو “ثابت” في علم الله، على عكس العالم المادي المتغير. إنه رمز للعلم الشامل والحفظ الإلهي الذي لا يعتريه نقص أو تحريف؛ فمن حيث كونه “محفوظا” يعني أنه منزه عن العبث والوصول إليه، فهو أعلى مرتبة من عالم الشهادة. وبالتالي، فإن تصور اللوح المحفوظ بوصفه “مكانا” للعلم يجعل من مفهوم المكان في القرءان ممتدا ليشمل عالم الحقائق الثابتة والأزلية، التي تحكم العالم المادي المتغير.
اللوح المحفوظ، بهذا المعنى، ليس “مكانا” عادّيا، بل رمزا لـ”مستودع المعنى” الإلهي، أي موضع حفظ الكلمة الأولى، “الأمر الإلهي” الذي به تكون الأشياء؛ وهو -في الوقت نفسه- المكان الماورائي للكلمة، لا يُرى ولا يُدرَك، لكنه يؤسس الوجود، أو بالأحرى سُنن الوجود، للعالم. ومن ثم، فإن اللوح المحفوظ هو مكان النصّ في علم الله، كما أن الأرض والسماء هما مكان النصّ في عين الإنسان.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن المستويين، المادي والمتخيل: ثنائية السموات والأرض، وثلاثية سدرة المنتهى والبيت المعمور واللوح المحفوظ، لا ينفصلان في الرؤية القرانية؛ بل يتكاملان في نسق واحد، لتبدو العلاقة بينهما واضحة: العلاقة بين عالم مادي مرئي، وعالم غيبي متخيل. وهكذا يقدم القرءان الكريم مفهوما للمكان غنيا ومتعدد الأبعاد، يتجاوز الفهم الهندسي الضيق.
فمن خلال الثنائية الكونية “السموات – الأرض”، يؤسس لإطار مادي شاهد على قدرة الخالق وعظمته، وجعله مُسخر للإنسان لتحقيق مهمة الاستخلاف والعمارة في الأرض. وفي الوقت نفسه، من خلال الأماكن “المتخيلة” (سدرة المنتهى والبيت المعمور واللوح المحفوظ) يوسع القرءان آفاق التصور الإنساني ليشمل عوالم الغيب المطلقة، التي تمثل مراكز العلم والقدرة الإلهية التي لا تدركها الحواس ولكن يصدق بها القلب المؤمن.








