في خطوة وُصفت بأنها تاريخية وحاسمة، اعتمد مجلس الأمن الدولي أمس الجمعة، قرارا جديدا غيّر مسار الصراع الطويل حول الصحراء الغربية، بين المغرب وجبهة البوليساريو، التي تحظى بدعم سياسي وعسكري من الجزائر.
القرار الذي صِيْغَ بعد مفاوضات مطوّلة بين الأعضاء الدائمين في المجلس، استند صراحةً إلى مقترح “الحكم الذاتي” المغربي بوصفه أساسا واقعيا ووحيدا للتفاوض، من أجل الوصول إلى “حل سياسي عادل ودائم ومقبول من جميع الأطراف”.
بهذا التحول يكون مجلس الأمن قد منح للمرة الأولى، منذ قرابة نصف قرن من النزاع، شرعيةً دوليةً كاملةً للرؤية المغربية، واضعا مقترح الحكم الذاتي في موقع “مرجعية ملزمة” للمفاوضات المستقبلية؛ وهو ما يعني، من الناحية السياسية والدبلوماسية، إعادة صياغة معادلة الصراع الصحراوي، وتهميش الرهان الانفصالي الذي ظلّت جبهة البوليساريو تراهن عليه.
تحولات الصراع
في سياق ملامسة الأهمية التي ينطوي عليها قرار مجلس الأمن، يجب العودة إلى التحولات الحاصلة في هذا الصراع؛ إذ إن انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية عام 1975، لم يكن بداية لنهاية؛ بل كان شرارة لنزاع جديد.
المغرب مستندا إلى روابط تاريخية وقبلية، دخل في مسيرة استعادية لاستكمال وحدته الترابية. في المقابل، برزت جبهة البوليساريو، مدعومة من الجزائر، مطالبة بإقامة دولة مستقلة في إقليم أسمته “جمهورية الصحراء الديمقراطية”. كانت حربا بالوكالة استمرت حتى وقف إطلاق النار عام 1991، تحت رعاية الأمم المتحدة التي أرسلت بعثة “المينورسو”، للإشراف على الهدنة والتحضير لاستفتاء لتقرير المصير، وهو الاستفتاء الذي ظل حبيس الأدراج بسبب الخلافات حول من يحق له التصويت.
خلال هذه العقود، تحول النزاع من نزاع على الأرض إلى صراع هويات وسياسات إقليمية. بالنسبة للمغرب، فإن الصحراء جزء لا يتجزأ من نسيجه الوطني، وما يُطلق عليه “الوحدة الترابية” للمغرب. أما للبوليساريو والجزائر، فتمثل قضية تحرر وطني ومبدأ تقرير المصير. هذا التناقض في الرؤى هو الذي أغلق جميع الأبواب الدبلوماسية لسنوات.
القرار الأممي
يحمل القرار الصادر عن مجلس الأمن في طياته ثلاث دلالات رئيسة:
أولا، أنه يمثل اعترافا دوليا صريحا بمركزية المقترح المغربي، وتنحية كل الخيارات الأخرى التي روّجت لها الجزائر والبوليساريو، خصوصا خيار الاستفتاء الذي أصبح متجاوزا. ومن ثم، فالقرار هو تغيير جوهري في المفردات الدبلوماسية. إن عبارة “نقطة ارتكاز غير قابلة للتفاوض”، التي وردت في صياغة القرار، هي لغة قوية وغير مسبوقة، تشير إلى أن المنظمة الدولية، أو على الأقل الأغلبية داخل مجلس الأمن، قد استقرت على أن مستقبل الصحراء لن يكون خارج الإطار المغربي. هذا يقطع الطريق على أي محاولات لإحياء فكرة الاستفتاء أو إقامة دولة مستقلة، على الأقل في المدى المنظور.
ثانيا، أنه ينقل الملف من خانة “النزاع الإقليمي المجمّد”، إلى خانة “المسار السياسي القابل للتنفيذ”، ما يعني أن المنظمة الدولية قرّرت هذه المرة أن تتحرك نحو الحل، وليس الاكتفاء بإدارة الأزمة. لذا فالقرار يحول الحكم الذاتي من مجرد “اقتراح” إلى “أساس” للحلول. هذا يعني أن المفاوضات المستقبلية -إذا حصلت- لن تدور حول “ما إذا” كان الحكم الذاتي هو الحل، بل حول “كيف” سيفعّل وينفّذ.
ثالثا، أن القرار يأتي في سياق إقليمي ودولي مختلف، حيث لم تعد قضايا الانفصال تجد تعاطفا في ظل التحديات الأمنية، وصعود النزعات التكاملية، واهتمام القوى الكبرى باستقرار شمال أفريقيا كمجال حيوي لأمن المتوسط وأوروبا.
وهذا، هو بيت القصيد، كما يقولون.
وبالتالي، فإن تبنّي الأمم المتحدة للمقترح المغربي بهذا الشكل يعني، عمليا، أن قضية الصحراء تتجه نحو تسوية تضمن بقاء الإقليم داخل السيادة المغربية، مقابل ترتيبات للحكم الذاتي والمشاركة المحلية، مع ضمانات دولية واحترام الخصوصيات الثقافية والاجتماعية للسكان الصحراويين.
أيضا، فإن القرار يضع مسئولية كبيرة على عاتق المغرب. فـ “الحل العادل والدائم والمقبول”، يتطلب منه تقديم تنازلات كبيرة في نموذج الحكم الذاتي، لجعله جذابا بما يكفي لسكان المخيمات ولإقناع العالم بجدية مبادرته.
جبهة البوليساريو
بالنسبة لجبهة البوليساريو، فإن القرار يشكّل تحولا وجوديا يهدد مشروعها برمّته. فالأمم المتحدة، التي كانت تتحدث طيلة العقود الماضية عن “تقرير المصير” و”الاستفتاء”، أصبحت الآن تتحدث عن “حل واقعي ودائم” يستند إلى الحكم الذاتي. هذا التغيير في المفاهيم لا يعني فقط تعديل اللغة الدبلوماسية، بل يمثل عمليا تراجعا عن الأساس القانوني الذي بنت عليه الجبهة شرعيتها.
ومن المتوقع أن تواجه البوليساريو ضغوطًا كبيرة من حاضنتها الجزائرية، ومن القوى الدولية الكبرى، للدخول في مفاوضات جدية تحت سقف المقترح المغربي. وقد تتجه بعض قياداتها المعتدلة إلى قبول التفاوض حول ترتيبات انتقالية، تضمن مشاركة سياسية للسكان الصحراويين ضمن المؤسسات المغربية. لكن في المقابل، من المرجح أن تظهر تيارات متشددة داخل الجبهة ترفض القرار وتلوّح بالعودة إلى السلاح، غير أن قدرتها على ذلك محدودة جدا، نظرا للتغيرات الأمنية في المنطقة، ورقابة الأمم المتحدة، وغياب البيئة الدولية الحاضنة لمثل هذه التحركات.
التحولات الإقليمية
في ما يبدو، فإن أهمية قرار مجلس الأمن الدولي تتجاوز البعد المحلي للنزاع، لتطال التوازنات الإقليمية في شمال أفريقيا ومنطقة الساحل. فنجاح المغرب في ترسيخ شرعيته في الصحراء، سيعزز موقعه كقوة إقليمية صاعدة، قادرة على لعب دور محوري في استقرار غرب أفريقيا، ومكافحة الإرهاب والهجرة غير الشرعية، وتأمين شراكات استراتيجية مع أوروبا.
أما الجزائر، فستضطر إلى إعادة مراجعة سياستها الخارجية، القائمة على منطق “التنافس الصفري” مع المغرب؛ إذ إن المجتمع الدولي لن يقبل استمرار التوتر بين البلدين، خاصة وأن ملف الغاز والطاقة في المنطقة أصبح ذا أهمية مضاعفة بعد الأزمات العالمية.
كما أن القرار يعيد رسم خريطة التحالفات الإقليمية، حيث من المنتظر أن تتعزز العلاقات المغربية مع دول الخليج وأفريقيا الغربية، ومع الشركاء الأوروبيين، خاصة إسبانيا التي أعلنت دعمها العلني لمقترح الحكم الذاتي منذ عام 2022. وفي المقابل، ستواجه الجزائر صعوبة في إقناع شركائها التقليديين (روسيا والصين) بالاستمرار في دعم موقفها، بعد أن أصبح المرجع الأممي منحازا بوضوح للمبادرة المغربية.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن قرار مجلس الأمن، الصادر في 30 أكتوبر 2025، لا يمثل مجرد وثيقة دبلوماسية جديدة في ملف الصحراء الغربية؛ بل، يشكّل نقطة تحوّل تاريخية تنقل القضية من مرحلة “إدارة الأزمة” إلى مرحلة “صناعة الحل”.
وفي كل الأحوال، فإن قرار مجلس الأمن أعاد رسم معالم المشهد المغاربي، فاتحا الباب أمام مرحلة جديدة قد تحمل في طياتها فرصة تاريخية لإنهاء أحد أقدم النزاعات في أفريقيا، وتدشين عهدٍ من التكامل الإقليمي الذي طال انتظاره، في ظل التوترات المستمرة بين الجارتين المغربيتين: المغرب والجزائر.








