القطرات تقصف اللوح الخزفي الناصع البياض، فتحدث أشلاؤها إيقاعا يأنس له فؤاده, وتنزلق على اللوح كراقصة “باليه” جليدي، لتؤذن بميلاد رغوة، لاتلبث أن تتكاثر وتختفي تلك القطرات الصفراء في دهاليز النسيان؛ فينتابه إحساس بالانبساط, يبدأ من أسفل بطنه، فينتفخ صدره وتنبسط عضلات رقبته، فيحس بارتياح ونشوة.
فيترآى له كرش مديره المتدلي، عندما يرتجف لأدنى تهديد، ولقطرات العرق التي تتجمع على صلعته، ولسانه الذي ينساب بسيل من الاعتذارات، التي ليس لها مبرر لأي عميل تجاوز حدوده دونما سبب, ويردد بعد أن ينكفئ بعيدا عن العملاء في مكاتب الموظفين “ادفع بالتي هي أحسن” وعندما يسأله مروؤسه بنفاذ صبر:
– إلى متى وإلى أين؟
يجيب ويداه ترتجفان وتتجهان إلى أعلى ووجهه يتذرع الى السماء:
– إلى أن يشاء الله.
ويلتفت إليهم، ويكشر عن أنيابه، ويدقق بمعاملات الموظفين، وإذا لم يجد ما يؤنب الموظف، يخترع سببا، ليكيل عبارات اللوم والتقريع، كأن يقول أن الموظف لم يحفظ الملف بالمكان الخاص له، وبذلك يصعب على موظف آخر إيجاده إذا احتاج إليه.
ويطل وجه مديره الممتنع من كوة تخزن القرف، وهو يفتح الباب، وينحني مستقبلا رئيس الدائرة احمرت لها صلعته، بعد أن نطح الباب لتملقه الذي فاق كل وصف، وكيف مقته الجميع، وهو يجيب رئيس الدائرة عن سؤاله عن احتجاجات القسم بانحناءته المداهنة :
– الأمور بخير برعايتك سيدي, لقد وفيت واكفيت.
رغم أن الموظفين كانوا قد طالبوه بشراء ثلاجة؛ كي يشربوا منها الماء، وكان قد وعدهم أنه سيطلبها عندما يحين الوقت.
ولما سأله الموظفون, لماذا لم يطلبها من رئيس الدائرة, ابتسم ابتسامته الصفراء وهو يقول:
– لم يحن الوقت بعد.
ومع الأيام، وتراكم التجارب، وتقلب مديره بين العملاء، ورئيس الدائرة، والموظفين، بدأ يعاني من التوتر وعدم القدرة على التنفس بشكل طبيعي، وبدأت مفاصله بالتصلب، حتى أحس أن التنفس بعمق هو جهد صعب المنال. وبدا يتخبط في عمله، ويشكك بقدرته على انجاز المعاملات، فبدأ يستعين بزملائه، وعندما فقدوا الثقة بأنفسهم، اتجه أحدهم الى المدير، الذي اشرأب عنقه وعلا صوته، وهو يقول بنبرة واثقة:
– قلت لكم مرارا، إن قسمنا لا يمكنه العمل بدوني. لكنه اعتدل بمكتبه، واستخرج قلم الحبر الاخضر، الذي حرّمه المدير على الموظفين، حيث اعتاد القول:
– الحبر الأخضر للمدراء فقط!
وأخذ ورقة كبيرة بيضاء وسطرها وقدمها لمديره:
فانتشى بامتقاع وجه مديره، وهو يقرأ وثيقة استقالته، معنونة للمدير العام وبالحبر الأخضر .
فبهت لونه وأصيب بالذهول.
فتركه وخرج إلى الفضاء الفسيح، أحس أنه حطم قيدا كان يكبله منذ زمن بعيد، واستأنس بنسيم عليل وهواء نقي، معبق برائحة الحرية التي قرر أن يتمتع بها بقراره، فاستنشقه ملء رئتيه وأحس أنه حر طليق، يتوثب ثقة وإصرار ويردد:
– إن أسعد اللحظات هي التي لم تأت بعد.







