رؤى

دارفور السودان.. هدنة هشة على رمال الانقسام

أعلن مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لشئون الشرق الأوسط، أمس الإثنين أن الجيش السوداني وقوات الدعم السريع قد وافقا على هدنة تمتد لفترة ثلاثة أشهر، برعاية المجموعة الرباعية التي تضم الولايات المتحدة ومصر والسعودية والإمارات، استنادا إلى خطة أُعلن عنها في الثاني عشر من سبتمبر الماضي. ورغم أن الإعلان بدا وكأنه بصيص أمل في حرب أنهكت السودان، فإن خلفياته السياسية والعسكرية تفتح الباب واسعا أمام تساؤل محوري: هل تسعى قوات الدعم السريع إلى فرض واقع سياسي جديد في دارفور، يقود في نهاية المطاف إلى انفصال الإقليم عن السودان؟

الهدنة، كما وصفتها واشنطن، تهدف إلى فتح مسار تفاوضي شامل يضمن “سلاما مستداما” ويمنع انهيار الدولة السودانية، التي تعيش منذ أكثر من عامين على وقع حرب دموية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع.

لكن ما يُثير القلق، إقليميا ودوليا، أن الهدنة، رغم أهميتها الإنسانية، قد تمنح قوات الدعم السريع فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وترسيخ سيطرتها على دارفور،التي باتت أشبه بـ”الملاذ السياسي والعسكري” لقيادتها

حرب دارفور

منذ اندلاع الصراع في أبريل 2023، تركزت المواجهات الكبرى بين الجيش والدعم السريع في العاصمة الخرطوم، لكنها سرعان ما امتدت إلى أطراف البلاد. ومع نهاية 2024، بدا أن دارفور تحولت إلى مسرح الحرب الرئيس؛ إذ استطاعت قوات الدعم السريع أن تفرض سيطرة شبه كاملة على معظم مدن الإقليم الخمس: الجنينة، نيالا، الفاشر، زالنجي، والضعين.

هذه السيطرة لم تكن عشوائية، بل تعكس تحولا استراتيجيا في أهداف الدعم السريع. فالقوة التي وُلدت في رحم دارفور، خلال الحرب الأهلية مطلع الألفية، وتكوّنت من مليشيات الجنجويد ذات الطابع القبلي، تعود اليوم إلى الجغرافيا التي شكلت هويتها الأولى. دارفور، بالنسبة لحميدتي، ليست مجرد ساحة عسكرية، بل حاضنة اجتماعية وقبلية،ومنطقة غنية بالموارد المعدنية، وعلى رأسها الذهب: السبب الرئيس في قيام هذه الحرب، والذي يمثل العمود الفقري لتمويل قوات حميدتي منذ تأسيسها.

ومن ثمّ، فإن تركيز الحرب في دارفور لا يمكن تفسيره فقط كتكتيك عسكري، بل كمشروع سياسي طويل المدى، يرمي إلى تحويل السيطرة العسكرية إلى كيان سياسي مستقل أو شبه مستقل، على غرار ما حدث في جنوب السودان قبل عقد ونصف من السنوات.

ومن ثم، فإن التساؤل حول نية الانفصال له جذور عميقة، تعود إلى تاريخ العلاقة المتوترة بين المركز والهامش، أو بالأحرى الهوامش، في السودان. فمنذ استقلال البلاد عام 1956، عانى إقليم دارفور من تهميش اقتصادي وسياسي واضح،انعكس في ضعف البنية التحتية، وغياب التنمية، وانعدام التمثيل العادل في السلطة الحاكمة. هذا التهميش شكل الخلفية التي انفجرت منها الحرب الأهلية في الإقليم عام 2003، عندما رفعت حركات التمرد شعار “العدالة والمساواة”، متهمة الخرطوم بإقصاء دارفور.

غير أن المفارقة تكمن في أن قوات الدعم السريع، التي تشكلت بداية ذراعا من أذرع النظام السابق لقمع تمرد دارفور، تبنت اليوم خطابا مُشابها لخطاب متمردي دارفور القدامى، لكن من موقع القوة. فهي تطرح نفسها بوصفها قوة “تحريرية” تدافع عن حقوق الإقليم، وتطالب بنظام حكم فدرالي أو ذاتي موسع. وقد عبّر حميدتي في أكثر من مناسبة عن أن “دارفور لن تكون هامشا بعد اليوم”، وهي عبارة مشحونة بالدلالات السياسية، وتفتح الباب أمام قراءة جديدة لطموحه.

إلى جانب ذلك، تشير تقارير ميدانية واستخباراتية إلى أن قوات الدعم السريع أنشأت إدارة مدنية محلية في بعض مناطق دارفور، وتعمل على تنظيم مواردها، وفرض نظام جباية خاص بها، فضلا عن إطلاق قنوات إعلامية محلية. وهذه كلها مؤشرات على ما يمكن تسميته “إدارة أمر واقع شبه انفصالية”؛ تُذكر بتجارب حركات التمرد في جنوب السودان قبل الانفصال، في عام 2011.

دوافع استراتيجية

إذا تجاوزنا البعد التاريخي والرمزي، يمكن تحديد دوافع الدعم السريع في تركيزها الحرب بدارفور، في أربعة مستويات رئيسة:

– الدافع الجغرافي، حيث تمثل دارفور العمق والملاذ بالنسبة إلى قوات الدعم السريع.. إذ تشكل دارفور منطقة واسعة ومنغلقة نسبيا عن المراكز الحضرية في الشمال والوسط، وتمتد عبر حدود يسهل اختراقها مع تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا وجنوب السودان. هذا الموقع الجغرافي يجعل منها قاعدة مثالية لإعادة التموضع، وإقامة خطوط إمداد خارج سيطرة الجيش السوداني. وقد استثمر حميدتي في علاقاته مع تشاد خصوصا لتأمين طرق إمداد عبر الصحراء الغربية السودانية، ما سمح لقواته بالتمركز والتوسع دون ضغط مباشر من الطيران الحربي السوداني.

– الدافع الاقتصادي، حيث أهمية السيطرة على الموارد.. فدارفور غنية بالموارد الطبيعية، خصوصا الذهب والمعادن النادرة، وهي موارد باتت تمثل شريان حياة للدعم السريع. وقد كشفت تقارير غربية عن استمرار تهريب الذهب من مناجم جبل عامر ومناطق أخرى إلى الخارج، عبر شبكات تجارية مرتبطة بقيادات من الدعم السريع. لذا فإن السيطرة على دارفور ليست فقط مسألة نفوذ سياسي، بل أيضا ضمان اقتصادي لاستمرار التمويل الذاتي، في ظل العقوبات الدولية المفروضة على قادة الدعم السريع؛ بل، واستمرار الدعم الإقليمي لهذه القوات من بعض القوى الإقليمية.

– الدافع الاجتماعي، حيث الحاضنة القبلية للدعم السريع.. إذ يحظى حميدتي بقاعدة اجتماعية واسعة في الإقليم، خاصة بين القبائل العربية التي ترى في الدعم السريع حاميا لمصالحها في مواجهة المكونات الأخرى. هذا البعد القبلي يمنحه قدرة على تعبئة المقاتلين وتجنيدهم بسهولة، ويُعزز من سردية “التمثيل العادل لأبناء دارفور”، التي يستخدمها لتبرير مواقفه أمام العالم. كما يسعى إلى بناء “إدارة محلية” ترتكز على زعامات قبلية موالية، لتثبيت أركان سلطته في الإقليم.

– الدافع السياسي، حيث تُمثل دارفور ورقة تفاوضية.. فتركيز الدعم السريع في دارفور يمنح حميدتي ورقة تفاوضية قوية في أي مفاوضات سلام مقبلة. فبدلا من أن يدخل إلى الطاولة مهزوما أو مطاردا، يقدّم نفسه زعيما لإقليم واسع ومكتفٍ ذاتيا، قادر على فرض شروطه. بهذا المعنى، لا تبدو نية الانفصال هدفا آنيا بقدر ما هي أداة ضغط سياسية لانتزاع وضع خاص للإقليم، شبيه بما حصل في اتفاق نيفاشا 2005 مع جنوب السودان، الذي مهد لاحقًا للانفصال.

دارفور والجنوب

المقارنة بين دارفور وجنوب السودان تفرض نفسها بقوة. فكلتا المنطقتين تعانيان من التهميش التاريخي، والتنوع الإثني، والبعد الجغرافي عن المركز السوداني، في الخرطوم. كما أن “المجتمع الدولي”، في كلا الحالتين، لعب دورا محوريا في فرض الهدن والمبادرات السياسية. ومع ذلك، هناك اختلافات جوهرية تجعل سيناريو الانفصال أكثر تعقيدًا اليوم.

في حالة الجنوب، كان هناك إجماع شبه دولي على دعم الانفصال، وتبنٍّ أمريكي مباشر لحق تقرير المصير، باعتباره “حلا نهائيا للصراع”. أما في دارفور، فإن الموقف الدولي والإقليمي أكثر حذرا. فكل من مصر والسعودية والإمارات والولايات المتحدة، وهي أطراف الرباعية الراعية للهدنة، تؤكد رسميا دعمها لـ”وحدة السودان” خاصة مصر والسعودية؛ بل، وتحذر من تفككه لما له من تبعات كارثية على أمن البحر الأحمر ومنطقة الساحل الأفريقي.

لكن رغم ذلك، يراهن حميدتي على أن الواقع الميداني قد يسبق المواقف السياسية؛ فإذا نجح في تثبيت سلطة مستقرة في دارفور، فإن القوى الدولية والإقليمية، بمرور الوقت، ستتعامل معه كـ”أمر واقع”، تماما كما حدث مع حركات انفصالية أخرى في العالم. وكما يبدو، فإن الدعم السريع يسعى في المدى المتوسط إلى إنشاء “نظام حكم ذاتي محلي”، تمهيدًا لاستفتاء محلي على تقرير المصير في المستقبل، خاصة إذا استمرت حالة الانقسام داخل الجيش وفشل مسار التسوية الوطنية.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن قوات الدعم السريع لا تستهدف انفصال دارفور عن السودان، بل تسعى إلى استخدام الإقليم كمنصة انطلاق للهيمنة على الحكم في الخرطوم. فهي تدرك أن انفصال دارفور سيعزلها دوليا وإقليميا، وسيحرمها من الشرعية التي تحتاجها للوصول إلى السلطة.

ولعل السيناريو الأكثر ترجيحا هو أن تستمر قوات الدعم السريع في استخدام ورقة دارفور، للضغط من أجل حكم ذاتي واسع يمكنها من التحكم في موارد الإقليم، مع الاستمرار في محاولة اختراق مراكز القرار في العاصمة السودانية الخرطوم. هذا المسار قد يؤدي عمليًا إلى حكم ذاتي موسع يشبه الفيدرالية، دون انفصال رسمي، في صيغة تذكرنا بوضع إقليم كردستان في العراق.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى