يُمثِّل كتاب “في أصول الحوار وتجديد علم الكلام”، للمفكر المغربي طه عبد الرحمن، الصادر في طبعته الثانية عام 2000، عن المركز الثقافي العربي، محاولة جادّة لإعادة تأسيس علم الكلام الإسلامي على قواعد معاصرة، تجعله قادرا على مواجهة التحديات الفكرية الحديثة واستعادة دوره الحضاري. وينطلق المؤلف من رؤية نقدية للتراث الكلامي، ساعيا إلى تجديده من خلال تبني ما يسميه “فلسفة التداول”، بديلا عن “الفلسفة البرهانية” التي هيمنت على الفكر الإسلامي في مراحله المتأخرة.
يضع عبد الرحمن نصب عينيه هدفا رئيسا يتمثل في “تجديد علم الكلام”، لجعله فاعلا في الحوار المعاصر، ليس فقط مع الآخر المختلف دينيا، ولكن أيضا مع الذات الإسلامية من أجل تحقيق الوحدة الفكرية والروحية؛ مؤكدا أن أزمة الفكر الإسلامي المعاصر تكمن في استمراره في استخدام أدوات كلامية قديمة، لم تعد قادرة على مجاراة الأسئلة الجديدة، ما يستدعي نقلة منهجية من “الكلام الجدلي” إلى “الكلام التداولي” القائم على الحوار.
البرهان والتداول
يبدأ المؤلف بتشخيص الإشكالية المركزية التي يعاني منها علم الكلام التقليدي (الكلاسيكي)، والتي يلخصها في هيمنة “الفلسفة البرهانية”؛ ويقصد بها “ذلك النمط من التفكير الذي يسعى إلى بناء المعرفة على مقدمات يقينية وبراهين عقلية مجردة، تؤدي إلى نتائج قطعية لا تقبل النقاش”.
لقد انتقل هذا النموذج -حسب رأيه- من الفلسفة اليونانية إلى الفكر الإسلامي، حيث سيطر على علم الكلام والأصول، ما أدى إلى إنتاج خطاب “مطلق”، و”متحجر”، يفتقر إلى المرونة ولا يعترف بشرعية التعدد في الرأي.
مقابل هذا النموذج، يطرح عبد الرحمن بديلا هو “الفلسفة التداولية”. والتداولية هنا لا تعني المدرسة الفلسفية الغربية “البراغماتية” (Pragmatism) فحسب ولكن هي رؤية أوسع مستمدة من الأصول الإسلامية نفسها. تقوم هذه الفلسفة على فكرة أن “المعرفة والمعاني لا تولد في الفراغ، بل تتشكل في سياق “التداول” والتفاعل والحوار بين الناس. وبالتالي، فإن “الحقيقة” في المنظور التداولي ليست كيانا مطلقا ومجردا يُكتشف؛ بل هي تتشكل وتتكشف من خلال عملية الحوار والتفاوض بين الذوات”، بحسب تعبيره.
ويستند المؤلف في هذا الطرح إلى مفهوم “الاستدلال” الإسلامي الأصيل، الذي يجمع بين العقل والنقل والواقع، بدلا من “البرهان” المنطقي الصرف؛ وفي الوقت نفسه، يستعيد مفهوم “البلاغ”، بوصفه عملية اتصالية كاملة تهدف إلى الإقناع مع مراعاة أحوال المخاطبين، وليس مجرد تبادل للمعلومات. ومن ثم، يؤكد على أن الفلسفة التداولية لا تنكر البرهان، لكنها تُعيد توجيهه، وتقترح أن البرهان مفيد إذا ما ارتبط بالفاعل اللغوي، وبالصدق التداولي، وبالقدرة على الحجاج في الواقعة الثقافية الواقعة.
عبد الرحمن يعرض أيضا مفهوم “المأصول التداولي” أي الأصول المعرفية واللغوية والمفاهيمية التي تكون مفهومة ومقبولة في دوائر المجتمع المسلم، والتي تشكّل الأرضية التي يُبنى عليها الحوار والمناظرة، وتُقاس بها المفاهيم المستوردة أو المستعارة. هو يُحاجّ بأن المفاهيم التي تخرج من هذا المأصول تكون أقدر على الثبات والتداول، وأقل عرضة لرفض أو تشكيك من طرف الجمهور المسلم، وكلما كانت المفاهيم أكثر مأصولة، كانت أكثر قدرة على الحجاج.
الكلام والمناظرة
ينتقل عبد الرحمن في هذا العنصر، علم الكلام ومنهج المناظرة، إلى تطبيق الرؤية التداولية على علم الكلام، مقترحا تحويله من “علم الجدل” إلى “علم المناظرة”. فالجدل، في تصوره، هو حوار سلبي يقوم على المغالبة والانتصار للرأي، بينما المناظرة هي حوار إيجابي يهدف إلى الوصول إلى فهم أفضل، وقد يعترف بصحة وجهات نظر متعددة.
وبالتالي، يهتم عبد الرحمن بأن يُفصّل المناظرة بوصفها آلية من آليات علم الكلام تجديدا، يُستخدم فيها الحوار، والطعن، والرد، واستعمال المشابهة، الشاهد، القياس، الحجاج اللغوي، الحجاج النحوي، الحجاج البلاغي، وغيرها؛ أي إنه يُعطي المناظرة مركزية: ليست فقط بوصفها وسيلة للدفاع عن العقيدة، ولكن أيضا وسيلة لتشكيل العقل الإسلامي، لتعليم الناس كيف يفكرون، كيف يديرون الحجة، كيف يستفيدون من التعدد الفكري. كما يُناقش الأنماط المختلفة للمناظرة: ما يتحول فيها الحوار إلى تعارض مباشر، وما شروط المناظرة العادلة (منطقية، أخلاقية، لغوية، بل سياقية).
ويعرض المؤلف نقدا لبعض المناظرات التقليدية التي كانت تفتقر إلى هذه الشروط: إما أن يكون الخصم غير متكافئ علميا أو لغويا، أو أن يستخدم المناظرة لغايات سلطوية أو تبخيس الخصم، أو أن يُقحم فيها مفاهيم أجنبية لا مأصول لها تداوليّا في الثقافة الإسلامية، ما يربك الأوراق.
المناظرة آلية مركزية للتجديد: إذن ليست مجرد جدل فارغ؛ بل -كما يرى عبد الرحمن- ممارسة عقلية منظمة لها شروط إنسانية وشروط أخلاقية؛ فهي أي المناظرة، تُعلّم العقل الإسلامي كيف يدافع، كيف يستمع، كيف ينتقد، كيف يُصحّح.. وهي أيضا فضاء لإثبات الحقيقة، لكنها ليست بالضرورة الفوز على الخصم، بل إظهار الحجة، وإقناع المنطِقين.
وفي السياق، نفسه، يُعيد عبد الرحمن اهتماما بأساليب الاستدلال التي كانت في التراث الكلامي، من خلال تناوله للشاهد والمشابهة والقياس؛ لكنه يعيدها إلى صيغها المنطقيّة التداوليّة. مثلا، “الشاهد” أي نص قرآني، أو حديث، أو معيار من المأصول التداولي يُستخدم في المناظرة لتحقيق الحجة. و”المشابهة” هي الاستعانة بتماثل أو تشبيه مفهومي أو واقعي، لكن بطريقة تراعي الخصوصية اللغوية والمفاهيمية. “القياس”، كذلك، يظل مهمًا لكن ليس بلا نقد؛ فلا يُستخدم بشكل مجرد إذا لم يُراع السياق التداولي.
رؤية نقدية
رغم المجهود الفكري الذي يبذله المؤلف في كتابه، ورغم الأطروحات التجديدية التي يؤكد عليها لإعادة تأسيس علم الكلام الإسلامي، بطريقة معاصرة؛ رغم هذا وذاك، إلا أن ثمة انتقادات يمكن أخذها بعين الاعتبار عند النظر إلى أطروحات الكتاب.
من هذه الانتقادات، “عمومية بعض المفاهيم التداولية”؛ إذ، رغم وضوحها، إلا أنه يواجه صعوبة في تحديد معالم دقيقة لكيفية تطبيق التداولية في كل موقف؛ هل في كل مسألة كلامية؛ بل كيف يُترجَم ذلك إلى مناهج تدريس، ومناظرات مع المعارضين، وكيف تُشكّل الثقافة العامّة؟ هذا، فضلا عن “خطر التبعية الخفية للمفاهيم الغربية”؛ حيث إن استعمال مفردات مثل “التداولية” و”البراغماتية”، وغيرها، قد يُثير نقاشا حول مدى تأثر المؤلف بالمناهج الغربية، وهل تترجم المفاهيم بما لا يخالف خصوصيات الفهم الإسلامي.. أم لا؟
من هذه الانتقادات أيضا “كيفية التوفيق بين البرهان والتداولية”؛ فإذا كان البرهان يُعطى مركزا أقل مقارنة بالتداولية، فهل ثمّة خطر في أن يضعُف الموقف العقلي الإسلامي أمام النقد الفلسفي الغربي، الذي يضغط على البرهان؟ أضف إلى ذلك، كيفية “تطبيق المناظرة بموضوعية وأمانة”؛ ففي الواقع العملي، كثير من المناظرات الإسلامية جرت دون تكافؤ، دون شروط أخلاقية، أو ضمن أصوات مسموعة فقط، أو بفرض سيطرة لغوية أو مفاهيمية مسبقة. فالتحدي هو كيف يُترجَم المنهج الذي يقترحه طه عبد الرحمن إلى ممارسات فعلية، مثل التعليم، الإعلام، الخطاب الديني الرسمي، الحوار بين الأديان والثقافات.
وختاما، لا نغالي إذا قلنا إن كتاب “في أصول الحوار وتجديد علم الكلام”، للمفكر المغربي طه عبد الرحمن، يُعد مشروعا فكريا طموحا، حاول فيه المؤلف فك الاشتباك التاريخي بين علم الكلام والمناهج اليونانية، وإعادة ربطه بمنابع الإسلام الأصيلة؛ مع الاستفادة من التطورات الفلسفية المعاصرة. لقد نجح طه عبد الرحمن في تقديم نقد قوي للمناهج التقليدية، وطرح بديلا منهجيا متماسكا يقوم على “فلسفة التداول”، ما يفتح آفاقا جديدة للحوار البناء داخل الحضارة الإسلامية، ومع الحضارات الأخرى. ورغم أن بعض أفكاره قد تثير جدلًا، إلا أن الكتاب يبقى مرجعا أساسيا لكل من يريد فهم إشكاليات التجديد الكلامي في الفكر الإسلامي المعاصر.








