كتب جدعون ليفي مقالا أمس الخميس في صحيفة هآرتس بعنوان “نحن نحسد نيويورك، متى سيكون لدينا ممداني كهذا؟” في المقال انتقد الكاتب اليساري المعارض للسياسات والممارسات الصهيونية، وضع المجتمع داخل دولة الاحتلال والذي لا يفرز إلا نوعية معينة من السياسيين لا تخرج عن جنرال متقاعد أو نجم لامع أو أمير من النخبة أو صاحب امتيازات، أو رجل أعمال.. هذا المجتمع المريض بشتى أنواع الأمراض الاجتماعية من النبذ والإقصاء إلى الطبقية والطائفية والفئوية والتطرف وغيرها.. والذي لا يمكن له بحال أن يفرز مرشحا لمنصب كبير يشبه من بعيد أو قريب زهران ممداني الشاب المهاجر صاحب المواقف الواضحة “الراديكالية” الذي يفكر بصوت عال، ولا يخضع لنصائح الاعتدال، الذي “ينقض إلى الأمام مع حقيقته التي يؤمن بها.. وينتصر”.
ويصف ليفي وضع السياسة في الدولة العبرية الآن بأنه يشبه “الاستحمام في المياه الضحلة” وضع يبعث على اليأس.. ليس بسبب بقاء نتنياهو بعد كل ما ارتكب من جرائم فحسب.. بل لأن كل خصومه الذين تجرعوا مرارة الهزيمة المرة تلو الأخرى.. يرفضون أيضا الاختفاء من المسرح السياسي.. ليصبح المشهد راكدا بالكلية ولا ينطوي على أدنى قدر من الأمل في التحسن.
يذهب الكاتب إلى أن ممداني الفائز بمنصب حاكم نيويورك.. المدينة التي تضم أكبر عدد من اليهود في العالم- سيواجه بحملة إفشال كتلك التي تعرّض لها جيرمي كوربن من حزب العمال في المملكة المتحدة.. حين انتهى الأمر بطرده من الحزب بسبب مواقفه الداعمة للفلسطينيين.. ثم يعود ليفي للحديث عن الوضع الداخلي في دولة الاحتلال حيث سيشهد العام القادم الانتخابات “الأكثر مصيرية” في الكيان المؤقت.. في حين تخلو الساحة السياسية من أي شخص يمكن “أن نتحمس له ونتمنى فوزه والتجند من أجله.. لا يوجد شخص واحد يمكن أن نصدقه، يعرض إعادة التشغيل والثورة. فقط كل ما لديه هو نفس الشيء، كل الاحترام للجيش الإسرائيلي.. ولكن دولة فلسطينية “ليس الآن”. وفوق كل شيء – استمرار التفوق اليهودي إلى الأبد. كل ذلك في الدولة التي هي بحاجة الى إعادة التشغيل، ربما أكثر من أي دولة أخرى في العالم، أكثر من أي وقت مضى. لدينا فقط كل شيء من نفس الشيء: الزعيم الأعلى، من يطالبون بالعرش، الفاسدين، الشعارات الفارغة، الفساد، الفراغ واليأس”.
يرى ليفي أن وجود شخص مثل ممداني في الانتخابات القادمة سيكون بمثابة جهاز تنفس لشخص يختنق بالفعل. فالمجتمع كله خائف ولا يجرؤ أحد على طرح شيء مختلف، ما يشبه التواطؤ على الصمت “طريقة لم تجرَّب، وموقف لم يفحص” لذلك يمثل شخص مثل ممداني طوق نجاة “عندما تكون الدولة والمجتمع عالقين في الوحل”.
تخشى النخبة السياسية في دولة الاحتلال -حسب ليفي- نموذج ممداني “لذلك آلة التحريض والتخويف ضده بدأت تعمل في “إسرائيل”، لا يوجد تقريبا أي محلل في الاستديوهات لم يحذّر منه. ألم يقل أن إسرائيل قتلت الأطفال في غزة، تخيلوا، حتى أنها نفذت إبادة جماعية. هذا يعني أنه لاسامي ولديه شهادات على ذلك. هو أيضا ضد الإسلاموفوبيا، وهذا يعني انه إسلاموي، أي داعش في نيويورك”.
يرى كثيرون في نموذج زهران ممداني شيئا من الأمل.. يمكن استثماره على نحوٍ ما أو استلهامه في تجارب أخرى.. لكن من الواضح أنه نموذج ذو تركيبة أمريكية جدا.. تشبه صعود نجم في سماء هوليود.. وكلما زادت تفاصيل شخصية النجم وجموحه وتناقضاته.. كلما كان الحدث جاذبا ومشوقا.. لكنه في النهاية قابل جدا للكسر والاستيعاب والإفشال على نحو ما.. إنه بمثابة الومضة التي يبدو فيها المزاج العام متكدرا وغاضبا وقابلا للاشتعال وقريبا من النصر.. لكنه في سياق لا يبتعد به كثير عن العرَض المحتمل لعملية جراحية كبرى تسرق فيها أعضاء المريض!








