رؤى

الولايات المتحدة.. ومحاولات خلق واقع جديد في القطاع

تحاول الولايات المتحدة -عبر عدد من السيناريوهات- خلق واقع جديد في قطاع غزة، يستهدف إعادة صياغة لأطراف الصراع؛ بإدخال عدة عناصر جديدة.. على نحو ما يرى مراقبون.. ينبئ الوضع الحالي عن واقع بالغ التعقيد، حيث يسيطر جيش الاحتلال على نحوٍ من 53% من أراضي القطاع، وتتضمن تلك المساحات أراضٍ زراعية ومدينة رفح في الجنوب، وأجزاء من مدينة غزة.. وقطاعات في عدد من مدن القطاع.. بينما يتكدس نحو من مليوني فلسطيني، في المناطق التي تسيطر عليها حركة المقاومة الإسلامية (حماس) وفصائل المقاومة.. في مخيمات ومناطق مدمرة كليا.

الخطة الأمريكية التي تتضمن انسحابا إسرائيليا آخر من خط الانسحاب المحدد مسبقا (الخط الأصفر) وإقامة حكومة انتقالية تدير القطاع، ونشر قوة أمنية متعددة الجنسيات تحل محل جيش العدو، ونزع سلاح حماس وبداية الإعمار- دون وضع جدول زمني أو آليات تنفيذ واضحة.. هذه الخطة “مجمّدة عمليا” في الوقت الراهن لأسباب عديدة؛ فما زالت حماس متمسكة بعدم نزع سلاحها، بينما تعارض دولة الاحتلال مشاركة السلطة الفلسطينية في إدارة غزة، ويبدو الأمر غائما بخصوص القوة متعددة الجنسيات التي يضع العدو العراقيل بشأن تشكيلها؛ ولم تبدو الدول المعنية جدية في الأمر باستثناء تركيا التي أعلنت عن جاهزية 2000 جندي تركي للمشاركة في القوة؛ وهو ما ترفضه دولة الاحتلال تماما؛ ربما تكريسا للوضع القائم حيث يسعى جيش الاحتلال إلى عزل المناطق التي يسيطر عليها بوضع بلوكات خرسانية، وإقامة بنى تحتية تخدم وجوده، مع الزعم بأن قوات الاحتلال ستبدأ في الانسحاب، فور شروع المقاومة في تنفيذ ما عليها من تعهدات!

بدورها تتواصل الولايات المتحدة مع ميليشيات متعاونة مع قوات الاحتلال في القطاع بهدف السيطرة على المساعدات الإنسانية والتحكم في توزيعها وفرض وجود قوة أخرى على الأرض معادية للمقاومة، تسمح لقوات الاحتلال بإمكانية أفضل للتحرك والمناورة.

وتسعى الولايات المتحدة إلى دعم هذه الميليشيات لاستخدامها بديلا للقوات متعددة الجنسيات، بحيث تصبح رقما صعبا في ترتيبات إدارة القطاع فيما بعد وفق خطة ترامب.

وحسب مصادر رسمية؛ فإن الولايات المتحدة تخطط لإقامة قاعدة عسكرية كبيرة في منطقة غلاف غزة.. بميزانية قدرت مبدئيا بنصف مليار دولار.. حيث تضم القاعدة عددا من المنشآت وعدة آلاف من الجنود.. وذكرت المصادر أن الأمر يُدفع قدما الآن؛ حيث دخل مرحلة اختيار أفضل مكان لإنشاء القاعدة بالتنسيق مع جيش الاحتلال وحكومة العدو.

وينظر البعض -داخل الكيان- بعين القلق إلى هذه الخطوة غير المسبوقة والتي تعكس مدى اهتمام الولايات المتحدة بالوجود على الأرض في حال تجدد الصراع العسكري بين جيش الاحتلال وفصائل المقاومة.. وهو ما سيجد معارضة داخلية أيضا داخل الولايات المتحدة، خاصةً وأن كثيرين من الحزب الجمهوري يعارضون توسيع التدخل العسكري الأمريكي خلف البحار.

ويتواجد حاليا نحو من 200 جندي أمريكي في مركز القيادة الامريكية في كريات جات (CMCC). ويرى مراقبون أن القاعدة الأمريكية سيكون من شأنها تقليص عمل قوات الاحتلال في القطاع؛ خاصة في شأن إدخال وتوزيع المساعدات الإنسانية في القطاع، والذي تستخدمه دولة الاحتلال وسيلة للضغط على حماس.

ووفقا لمصادر داخل الكيان المؤقت؛ فان مركز القيادة الامريكية في كريات جات، سيسيطر تماما لاحقا على توزيع المساعدات الإنسانية، وسيبقى دور قوات الاحتلال هامشيا بهذا الخصوص، من خلال منسق أعمال الحكومة في المناطق.

كانت صحيفة واشنطن بوست قد نشرت عقب الاتفاق أن “القيادة الامريكية في كريات جات ستكون مسئولة عن معظم الأعمال في غزة”.. ما سيكون من شأنه تغيير وضع دولة الاحتلال في القطاع بوصفها لاعبا مركزيا. وهو ما أكده ميخائيل ميلشتاين، كبير الباحثين  في مركز دايان في جامعة تل أبيب والذي عمل سابقا رئيسا لدائرة الشئون الفلسطينية في شعبة الاستخبارات العسكرية.، حيث قال أن الولايات المتحدة تعمل وفق خطة تسمح لها بالمزيد من الصلاحيات داخل القطاع، وهذا بالطبع سيكون على حساب الوجود “الإسرائيلي” هناك.

لا تعمل الولايات المتحدة ضد مصالح العدو الصهيوني في القطاع؛ لكنها تسعى إلى ترميم صورته بإقرار وضع جديد ينتقل بالقطاع إلى مرحلة أخرى لا تحتل فيها دولة الاحتلال نفس المساحة؛ رفعا لعبء كبير عن كاهلها، وتفريغا لها لإصلاح أوضاعها الداخلية المنهارة، وكذلك وضعها الدولي المتأزم.. وربما تحمل الأيام القادمة مؤشرات أخرى تعمل على حلحلة الوضع؛ خاصةً وأن جيش الاحتلال لا يتوقف عن خرق وقف إطلاق النار، ما تسبب في ارتقاء قرابة الـ 300 شهيد فلسطيني منذ إقراره؛ مع عديد من الممارسات التي ربما يكون من شأنها عودة القتال، ولو على نطاق ضيق.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى