خلال العقود الأخيرة، شهدت المنطقة العربية تحولات عميقة، كان من أبرز مظاهرها صعود الميليشيات المسلحة بوصفها قوى فاعلة تتجاوز أحيانا سلطة الدولة، وتشاركها أو تنافسها في إنتاج الأمن وبسط السيادة. فبين انهيار مؤسسات الدولة في بعض البلدان، وتراجع قدرتها في بلدان أخرى، وبين تدخلات إقليمية ودولية، وبين صراعات الهوية والطائفة والقبيلة، نشأت تشكيلات مسلّحة تمكّنت تدريجيا من التحول من مجرد تعبير عن خلل سياسي وأمني، إلى خطر وجودي على الدولة الوطنية ذاتها.
بل، وبات من الواضح أن حالة “ترييف العنف” و”خصخصة السلاح” لم تعد مجرد طارئ عابر؛ ولكن تحوّلت إلى ظاهرة بنيوية تُعيد تشكيل موازين القوى الداخلية والخارجية، وتفرض على المنطقة واقعا جديدا، يهدد استقرار الدول ومستقبل نظمها السياسية.
نشأة الميليشيات
لا يمكن فهم ظاهرة صعود الميليشيات المسلحة بمعزل عن الأزمات البنيوية التي عاشتها الدولة العربية منذ منتصف القرن العشرين: أزمة الشرعية، أزمة المشاركة السياسية، وأزمة التنمية. ومع تفاقم هذه الأزمات، أصبح العنف وسيلة رئيسة للتنافس السياسي، كما أسهمت حروب التدخل الخارجي في ترسيخ وجود الفاعلين المسلحين.
وتتقاطع معظم حالات تشكّل الميليشيات في ثلاثة مسارات رئيسة:
أولا: ضعف الدولة وانهيار مؤسساتها.. كما يبدو بوضوح في الأوضاع التي شهدتها دول مثل العراق بعد 2003، وسوريا بعد 2011، وليبيا بعد 2011، واليمن بعد 2014؛ تلك الأوضاع التي مثّلت بيئة خصبة لصعود فواعل مسلحة تملأ الفراغ الأمني. فعندما تتراجع سلطة الدولة، تصبح الجماعات القبلية والطائفية والسياسية قادرة على بسط نفوذ أمني واجتماعي.
ثانيا: التدخلات الإقليمية والدولية.. إذ إن المشهد الميليشياوي في المنطقة العربية محكوم، إلى حد كبير، بأجندات خارجية؛ حيث تحوّلت بعض هذه الجماعات إلى وكلاء لقوى إقليمية، و/أو دولية، طامحة لتوسيع نفوذها عبر “الحرب بالوكالة”، كما في حالات اليمن ولبنان وسوريا والعراق.
ثالثا: الفشل التنموي وتآكل العقد الاجتماعي.. فقد تحوّلت الميليشيات في بعض البيئات الفقيرة والمهمّشة إلى مصادر للحماية والعمل والدخل، ووجدت شرائح اجتماعية في هذه الجماعات ملاذا بديلا عن الدولة، التي لم تنجح في توفير الخدمات الأساسية أو الأمن.
نماذج عربية
تجدر الإشارة بخصوص ظاهرة الميليشيات المسلحة في المنطقة العربية، إلى أهم الدول التي تنتشر فيها هذه الظاهرة.. وهي: العراق، ليبيا، وسوريا.
أما لبنان، ونموذج حزب الله.. فبالرغم من أن الحزب قد بدأ “ميليشيا مسلحة”، وبالرغم من أنه يُمثل النموذج الأكثر وضوحا وتكريسا لفكرة تحول الميليشيا إلى نموذج “الدولة داخل الدولة”.. إلا أنه، رغم هذا وذاك، لا يمكن إنكار أنه تحول في خلال فترة قصيرة من الزمن إلى “النموذج المقاوم” ضد الاحتلال الإسرائيلي، منذ ثمانينات القرن العشرين الماضي، متبنيا خطابا أيديولوجيا يجمع بين الإسلام السياسي والصراع مع “العدو الصهيوني”.
أما اليمن، فمع انهيار الدولة بعد عام 2014، برزت ميليشيا الحوثي كأقوى كيان مسلح في الشمال؛ وبالرغم من أنها ساهمت في “جبهات الإسناد” بعد طوفان الأقصى والاعتداءات الهمجية الإسرائيلية على غزة.. رغم ذلك، لا يمكن إنكار أن ميليشيا الحوثي ساهمت في تقسيم اليمن – بعد وحدته – إلى شمال وجنوب مرة أخرى.
– النموذج العراقي: الفوضى وتعدد الولاءات
بعد الغزو الأمريكي عام 2003، شهد العراق في حالة من “الفوضى” التي مهدت لظهور عشرات الميليشيات الطائفية والسياسية. تحوّلت هذه الميليشيات من مجموعات مقاومة للاحتلال الأمريكي، إلى قوى طائفية وسياسية مسلحة متجذرة. الأكثر خطورة هو تحول العديد منها إلى أذرع عسكرية لإيران، تنفذ أجندتها الإقليمية على الأراضي العراقية، ما أفرغ مفهوم السيادة العراقية من مضمونه.
تداعيات هذا النموذج كانت مدمرة، على أكثر من مستو:
من جهة، المساهمة في تمزيق النسيج الاجتماعي؛ حيث تحولت الميليشيات إلى أدوات لتغذية الصراع الطائفي بين السنة والشيعة، مستخدمة أقسى أشكال العنف، من التفجيرات الطائفية إلى عمليات الاغتيال والتهجير القسري، ما خلق جراحا عميقة في المجتمع العراقي سيستغرق عقودا لالتئامها.
ومن جهة أخرى، تقويض مؤسسات الدولة؛ إذ، اخترقت الميليشيات مفاصل الدولة العراقية، وخاصة الجيش والأجهزة الأمنية، مما أدى إلى إضعافها وإفقادها احترام المواطن. بل، إن بعض وحدات “الحشد الشعبي” تعمل بشكل مستقل عن القيادة العامة للقوات المسلحة، وتتلقى تمويلها وتوجيهاتها من خارج الإطار الرسمي للدولة.
ومن جهة أخيرة، إنشاء الاقتصاد الموازي؛ فقد أنشأت هذه الميليشيات إمبراطوريات اقتصادية موازية، تعتمد على الابتزاز والتهريب واحتلال الأراضي والموارد، ما حَرَمَ الدولة من عوائدها المالية، وعمَّق من ثقافة الفساد والإفلات من العقاب.
المستقبل في العراق يعتمد على نجاح الحكومات المتعاقبة في إخضاع هذه الميليشيات للدولة تحت شعار “دولة السلاح الواحد”، وهي معركة شاقة تتطلب إرادة سياسية حقيقية ومصالحة وطنية شاملة، وإلا سيبقى العراق ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية.
– النموذج الليبي: تفكك الدولة وسيادة الفوضى
في ليبيا، وصلت إشكالية الميليشيات إلى ذروتها مع انهيار الدولة المركزية تماما. هنا لم تعد الميليشيات “دولة داخل دولة”؛ بل أصبحت هي “الدولة” نفسها في مناطق نفوذها المتعددة والمتنازعة. إذ بعد سقوط نظام القذافي، تحولت البلاد إلى فسيفساء من الميليشيات الإقليمية والقبلية والمدينية، كل منها يدين بالولاء لزعيمها ومصالحها الضيقة. لم يعد هناك جيش وطني أو شرطة وطنية بالمعنى الحقيقي؛ ومن ثم تحوّل الصراع بينها إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية ودولية تدعم فصائل مختلفة، ما جعل عملية إعادة بناء الدولة مهمة شبه مستحيلة دون نزع سلاح هذه الميليشيات ودمجها في مؤسسة أمنية واحدة.
وتكمن خطورة الحالة الليبية في أن الميليشيات أصبحت تتحكم في: إنتاج النفط وطرق تصديره، والمعابر الحدودية؛ وبالتالي، القرار السياسي عبر الضغط العسكري. ومن هنا، في ليبيا، أصبح من الصعب الفصل بين الميليشيا والاقتصاد؛ حيث اندمجت الجماعات المسلحة في شبكات تهريب وابتزاز وتعاملات تجارية غير قانونية، ما جعل تفكيكها مهمة أكثر تعقيدا.
– النموذج السوري: ميليشيات محلية وأخرى عابرة للحدود
شهدت سوريا بعد عام 2011، تعددا غير مسبوق في الميليشيات المحلية والأجنبية؛ فإلى جانب الفصائل المعارضة المسلحة، ظهرت ميليشيات مرتبطة بالسلطة مثل “الدفاع الوطني”، وميليشيات مدعومة من إيران، إضافة إلى تشكيلات كردية ذات نفوذ واسع في الشمال الشرقي من سوريا. إلا أن الخطير في الحالة السورية هو “التشظي الميليشياوي”، الذي أعاد رسم الجغرافيا السياسية للبلاد: مناطق للمعارضة، وأخرى للنظام مدعومة بميليشيات أجنبية، ومناطق تسيطر عليها قوات كردية ترتبط بنموذج سياسي وأمني مختلف.
ومع تولي ميليشيا أحمد الشرع قيادة البلاد، بعد أن أصبح الرئيس السوري الانتقالي، توارت ميليشيات متعددة، خلف ميليشيا الشرع؛ ولم يتبق بشكل ظاهر إلا الميليشيات الكردية، المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن التجارب المتعددة في المنطقة العربية، تكشف أن صعود الميليشيات المسلحة لم يعد مجرد نتيجة للأزمات؛ بل أصبح سببا رئيسا في استمرارها. فالخلل الذي أصاب الدولة الوطنية سمح لهذه التشكيلات بأن تتطور، من جماعات محدودة النفوذ إلى قوى فاعلة سياسيا وعسكريا واقتصاديا، الأمر الذي يضع المنطقة أمام تحدٍ وجودي يرتبط بمستقبل الدولة نفسها.. على الأقل في الدول التي تتواجد فيها هذه الميليشيات وأيضا جوارها الجغرافي.








