رؤى

إشكالية المنهجية.. في قراءة التراث العربي الإسلامي

يُعدُّ كتاب “تجديد المنهج في تقويم التراث”، واحدا من أهم أعمال المفكر المغربي طه عبد الرحمن، في مرحلته التأسيسية؛ إذ يندرج ضمن مشروعه الفكري الكبير الرامي إلى إعادة بناء العلاقة بين العقل الإسلامي والتراث العربي الإسلامي، على نحوٍ يجعلها علاقة فاعلة لا جامدة، نقدية لا انبهارية، متجددة لا مقلدة.

وفي هذا الكتاب يحاول عبد الرحمن، تجاوزَ ما يسميه بـ”المنهجيات المستعارة” التي سيطرت على الفكر العربي الحديث في تقويمه لتراثه، ليضع بدلا منها منهجا منبثقا من الداخل، نابعا من روح المجال التداولي الإسلامي، أي من لغته وقيمه ومقاصده الحضارية.

الكتاب الصادر عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء عام 1994، ليس مجرد دفاعٍ عن التراث؛ بل هو محاولة منهجية لتجديد النظر فيه، بحيث يُقرأ التراث بوسائل منهجية جديدة تستوعب الماضي والحاضر، وتستجيب لتحديات الفكر المعاصر دون أن تنساق وراء المعايير الغربية. لذلك لا يدعو عبد الرحمن إلى “تقديس التراث” كما يفعل المحافظون، ولا إلى “نسفه” كما يفعل بعض الحداثيين؛ بل إلى تجديد أدوات الفهم والتقويم.

التقويم التفاضلي

يرى عبد الرحمن، أن الخطأ الجوهري الذي وقع فيه الفكر العربي الحديث، عند تقويمه لتراثه، يتمثل في اعتماده منهجا تفاضليا، أي إنه يقيس التراث الإسلامي بمقاييس غيره – غالبا بمقاييس الفكر الغربي الحديث – فيضعهما في علاقة مفاضلة، يكون فيها التراث في الغالب هو “الأقل” أو “الأدنى”، بينما يكون الفكر الغربي هو “الأكمل” أو “الأسمى”. هذا التقويم التفاضلي لا يقوم على دراسة التراث من داخله، وإنما على إسقاط أحكام خارجية عليه، ما يؤدي إلى تحريف معانيه وتجريده من خصوصيته التداولية.

يُبيِّن المؤلف أن “التفاضل” بين الثقافات -في أساسه- حكمٌ أخلاقيٌّ قبل أن يكون حكما معرفيا؛ فحين يقول أحد المفكرين إن العقل الغربي أرقى من العقل الإسلامي، أو إن الفلسفة الحديثة أعمق من الفكر الكلامي أو الفقهي، فإنه يصدر حكما قيميا ضمنيا يقوم على تفوق حضارة على أخرى، لا على تقويم علمي دقيق. بهذا المعنى، يرى عبد الرحمن أن “المفاضلة بين التراثين غير ممكنة من الناحية المنهجية، لأن لكل تراث شروطه التداولية، ومفاهيمه الخاصة، ومقاصده التي لا يمكن أن تُفهم إلا في سياقها”، بحسب تعبيره.

ومن هنا، يدعو المؤلف إلى إبطال هذا التقويم التفاضلي، لأن المقارنة بين تراثين مختلفين لا يمكن أن تكون عادلة إلا إذا وُحدت المعايير التداولية بينهما، وهو أمر مستحيل. فكما لا يمكننا أن نحكم على الشعر العربي القديم بمقاييس الشعر الأوروبي الحديث، لا يجوز أن نحاكم علم الكلام أو الفقه الإسلامي بمناهج الوضعية المنطقية أو التجريبية الغربية.

بل إن عبد الرحمن يذهب أبعد من ذلك، فيرى أن التقويم التفاضلي لم يكتفِ بإضعاف الثقة بالتراث، ولكن أضعف القدرة على الإبداع الفكري في العالم العربي؛ إذ أصبح المفكر العربي، حين يقرأ تراثه، إما تابعا يُقلِّد، أو ناقدا “غريبًا” يستخدم لغة الآخر ومفاهيمه في نقد الذات. والنتيجة -في نظره- هي فقدان الاستقلال المعرفي والمنهجي، أي “ضياع القدرة على التفكير من الداخل”.

في مواجهة هذا الواقع، يقترح المؤلف أن يكون التقويم مبنيا على ما يسميه “التقويم التداولي”، وهو تقويم ينطلق من معايير المجال التداولي الإسلامي نفسه، أي من لغته ومقاصده وقيمه. هذا يعني أن على المفكر المسلم، حين يتعامل مع التراث، أن يفكر انطلاقا من ذات أدوات التراث لا من خارجه، وأن يُعيد اكتشاف قيمه الكامنة لا أن يُنكرها أو يضعها في موضع المقارنة المهينة.

بهذا التحليل، ينجح عبد الرحمن في تحويل النقاش من مستوى الصراع بين “القديم” و”الحديث” إلى مستوى أعمق هو “صراع المناهج”؛ إذ يرى أن المشكلة ليست في التراث ذاته، ولكن في الطريقة التي نقرأ بها هذا التراث، أي في “المنهج”. فالمنهج الغربي في القراءة والنقد لا يصلح تلقائيا للتراث الإسلامي، لأنه لا يراعي خصوصيته التداولية؛ ومن هنا جاءت ضرورة “تجديد المنهج” ذاته.

النظرة التكاملية

بعد أن يفكك طه عبد الرحمن، الأساس الخاطئ للتقويم التفاضلي، ينتقل إلى تقديم البديل المنهجي الذي يراه أكثر اتساقا وعدلا، وهو ما يسميه بـ”النظرة التكاملية” إلى التراث الإسلامي العربي. هذه النظرة -في جوهرها- تدعو إلى أن يُفهم التراث فهما شموليا وترابطيا، بحيث لا يُجزَّأ إلى علوم متفرقة، أو يُفصل بين الدين والفكر، أو بين العقل والنقل، كما فعلت بعض القراءات الحديثة.

يرى المؤلف أن التراث الإسلامي ينبني على منطق التكامل بين مكوناته: بين العقيدة والشريعة، بين الفلسفة والتصوف، بين اللغة والمنطق، وبين العلم والعمل. هذا التكامل هو الذي حفظ للتراث توازنه وخصوبته عبر القرون، وهو الذي ينبغي أن يكون منطلقا لتجديد النظر فيه. فالفكر الإسلامي لم يكن يوما منغلقا أو متنافرا، بل كان نسقا حيا من التفاعل بين العقول والمناهج، يجمع بين النظر العقلي والالتزام الأخلاقي، بين الاجتهاد الفردي والمصلحة الجماعية.

ويؤكد عبد الرحمن أن النظرة التجزيئية التي فصلت التراث إلى “عقلاني” و”بياني” و”عرفاني” – كما فعل محمد عابد الجابري في مشروعه مثلا – تُنتج فهما ناقصا، لأنها تُقيم قطيعة بين مكونات التراث، وتفصل ما لا يُفصل. أما النظرة التكاملية، فهي تسعى إلى “وصل ما انقطع”، وإعادة بناء الوحدة الداخلية للتراث في ضوء منطق تفاعلي حي.

هنا، يُميز عبد الرحمن بين نوعين من الفهم:

“فهم تملكي”، يسعى إلى امتلاك التراث واستعماله في ضوء الحاضر دون أن يُفقده روحه؛ و”فهم استهلاكي”، يعتمد على استدعاء التراث بوصفه أداة تزيينية أو لتبرير المواقف الإيديولوجية. الفهم الأول، هو الذي يقود إلى التجديد الحقيقي، لأنه يجعل التراث مصدرا للإبداع لا للتقليد. أما الثاني، فهو شكل من أشكال “الاغتراب المعرفي”، إذ يُعامل التراث باعتباره شيئا خارجيا أو ماضيا منقطع الصلة بالواقع.

يُصرُّ المؤلف على أن “التراث ليس ماضيا يُستعاد، بل فعلا مستمرا يُجدد”؛ فلكل جيل واجبه في إعادة تملّك تراثه، لا بتكراره؛ بل بإعادة قراءته من داخل إشكالات عصره. والتجديد، في نظره، لا يعني نسخ القديم، بل إحياء الروح التي كانت تُحرّكه في سياق جديد.

التقويم والتجديد

من خلال نقد التقويم التفاضلي للتراث، وتقديم النظرة التكاملية بديلا، ينتقل عبد الرحمن، من مرحلة “تقويم التراث” (أي محاكمته والحكم عليه من الخارج)، إلى مرحلة “تجديد المنهج” (أي تغيير الأدوات التي نقرأه بها من الداخل). ومن ثم، فـ”النظرة التكاملية” التي يدعو إليها ليست مجرد فكرة نظرية، بل هي منهج حياة في التعامل مع التراث باعتباره كائنا حيا، متجذرا في التاريخ، لكنه حيوي وقادر على العطاء في الحاضر.

الكتاب إذن -في جوهره- دعوة إلى الاستقلال المنهجي؛ فكما نطالب بالاستقلال السياسي والاقتصادي، يجب أن نطالب بالاستقلال الفكري، بأن نقرأ تراثنا بعيوننا نحن، وبمعايير مستمدة من ذاته، لا بأن نستعير عدسات الآخر التي تشوّه رؤيتنا. إنه يؤسس لعلاقة جديدة مع التراث، علاقة “حوار” و”تداول” و”توليد”، بدلا من علاقة “قبول” أو “رفض”، ليخرجنا من مأزق التقديس الجامد والرفض الجاحد، نحو فضاء الإبداع والتجديد المستمر.

وختاما، يُمثِّل كتاب “تجديد المنهج في تقويم التراث”، للمفكر المغربي طه عبد الرحمن، علامة فارقة في حقل الدراسات التراثية؛ فهو ليس كتابا في “إحياء” التراث بالمعنى التقليدي، وإنما هو نقد جذري لمناهج “تقويم” التراث ذاتها. إذ ينطلق المؤلف من إشكالية محورية: إن الأزمة التي يعانيها الفكر العربي الإسلامي المعاصر ليست في التراث نفسه، بل في المناهج التي نقرأه بها، والتي غالبا ما تكون مستوردة ومتشبعة بمرجعيات غربية تفتت التراث وتُجَزِّؤه.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى