رؤى

دلالات مصطلحي “الخلاف” و”الاختلاف”.. قرءانيًا

يعد القرءان الكريم المصدر الأول للتشريع والمعرفة في الإسلام، وهو يحوي بين دفتيه منظومة مصطلحات دقيقة تحمل دلالات عميقة، تشكل رؤية الإسلام للكون والحياة والإنسان. ومن المصطلحات المهمة التي ترد في القرءان، مصطلحا “الخلاف” و”الاختلاف”، وهما مصطلحان قد يظن البعض أنهما مترادفان، لكن النظر الدقيق في الاستعمال القرءاني يكشف عن فروق دلالية عميقة بينهما، تؤثر في فهم طبيعة العلاقات الإنسانية وضوابط التعامل مع التعددية في الرأي والفكر.

والواقع، أن المصطلحات في الخطاب القرءاني تتبدّى بدقّة لافتة؛ إذ تتخذ كلّ لفظة مكانها الدلاليّ الخاص بما يحفظ نسق المعنى، ويمنع الخلط بين الحقول الدلالية المتجاورة. وهنا يأتي مصطلحا الخلاف والاختلاف؛ فهما وإن التقيا من حيث الجذر اللغوي والمجال العام الذي يتحركان فيه، فإنّ التنزيل الحكيم يعطي لكلّ منهما طابعا خاصا، ويُحمّلهما مقاصد ومعاني تتجاوز الاستعمال اللغويّ المجرّد. ولأنّ القرءان يستثمر الألفاظ على نحو متّسق، فإنّ الوقوف على الفرق بين المصطلحين يتيح فَهْمًا أعمق لبنية الرؤية القرءانية للوجود الإنساني، ولطبيعة التعدد، ولأسباب التباين بين البشر، وللمآلات التي تقود إليها الفروق في مواقفهم وسلوكهم.

الدلالات اللغوية

قبل الخوض في الاستعمال القرءاني، ينبغي الإشارة إلى الدلالات اللغوية لكل من المصطلحين. إذ إن لفظ “اختلاف” لغويا، تأتي من “خ ل ف”، التي تدل على التغاير والتباين، سواء أكان في المكان أم الزمان أم الرأي. أما لفظ “خلاف” فيأتي من نفس المادة اللغوية، لكنه يحمل معنى المخالفة والمنازعة والمعارضة، مع إيحاء بالتناقض والتضاد.

و”الخلاف” لغة هو مصدر خالف؛ كما أن “الاختلاف” هو مصدر اختلف؛ والخلاف هو المضادة، وقد خالفه مخالفة وخِلافا، وتخالف الأمران واختلفا، فهما لم يتفقا.

يقول سبحانه وتعالى: “وَهُوَ ٱلَّذِيٓ أَنشَأَ جَنَّٰتٖ مَّعۡرُوشَٰتٖ وَغَيۡرَ مَعۡرُوشَٰتٖ وَٱلنَّخۡلَ وَٱلزَّرۡعَ مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ وَٱلزَّيۡتُونَ وَٱلرُّمَّانَ مُتَشَٰبِهٗا وَغَيۡرَ مُتَشَٰبِهٖۚ…” [الأنعام: 141]؛ حيث إن “مُخۡتَلِفًا أُكُلُهُۥ” تؤشر إلى حال الاختلاف في الطعم والجودة وغيرها.

هذا يعني أن الخلاف والاختلاف، في اللغة، ضد الاتفاق، وهو أعم من الضد؛ فالخلاف كما يقول راغب الأصفهاني، أعم من الضد لأن كل ضدين مختلفان، وليس كل مختلفين ضدين. وتأكيدا على قول الأصفهاني، لنا أن نُلاحظ أن اللونين الأسود والأبيض مختلفان وضدان؛ في حين أن اللونين الأحمر والأخضر مختلفان وليسا ضدين. إذن فالخلاف أعم من الضدية، لأنه يحمل معنى الضدية، ومعنى المغايرة مع عدم الضدية.

لكن، في الاصطلاح القرءاني، يتطور هذان المفهومان ليكتسبا أبعادا دلاليةً أعمق، ترتبط بالرؤية القرءانية للإنسان والمجتمع والكون؛ بل والسنن الإلهية التي تحكم هذا الكون. فالاختلاف قد يكون سنة كونية وطبيعة بشرية، بينما الخلاف قد يكون مخالفة للأوامر الإلهية، أو انحرافا عن المنهج الرباني بما يحتاج إلى علاج وتصحيح.

مفهوم الاختلاف

يرد مصطلح “الاختلاف” في التنزيل الحكيم في سياقات متعددة، تحمل دلالات متنوعة:

فمن جهة، يرد الاختلاف بوصفه “قانونا إلهيا” و”سنَّةً كونيةً”؛ حيث يُصوِّر القرآن الاختلاف ظاهرة طبيعية في الخلق، كما في قوله سبحانه: “وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ” [الروم: 22]. وكما في قوله سبحانه: “إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ” [آل عمران: 190]. فالاختلاف في الألسنة والألوان، والاختلاف في الليل والنهر، آيات من آيات الله تدل على عظمته وتدبيره.

من جهة أخرى، يرد الاختلاف بوصفه “حكمة إلهية”، وامتحان وابتلاء؛ إذ يذكر التنزيل الحكيم اختلاف الناس في الدين باعتباره جزءا من الابتلاء الإلهي، يقول سبحانه وتعالى: “وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ٭ إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ…” [هود: 118-119]؛ ويقول تعالى: “عَمَّ يَتَسَآءَلُونَ ٭ عَنِ ٱلنَّبَإِ ٱلۡعَظِيمِ ٭ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ مُخۡتَلِفُونَ” [النبإ: 1-3]. وهذا النوع من الاختلاف مرتبط بحكمة إلهية واختبار للناس.

من جهة أخيرة، يرد الاختلاف بشكل يذمه التنزيل الحكيم؛ وهو الاختلاف الناتج عن الهوى والبعد عن الوحي، كما في قوله عزَّ وجل: “كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ…” [البقرة: 213]؛ وكما في قوله عزَّ من قائل: “تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ” [البقرة: 253]. وكما يبدو، بوضوح، فإن الاختلاف في الآية الأولى ناتج عن البغي والظلم لا عن البحث حول الحق؛ وأن الاختلاف في الآية الثانية أدى إلى النقيضين الإيمان والكفر.

مفهوم الخلاف

أما مصطلح “الخلاف” فيأتي في القرءان غالبا في سياقات سلبية، تحذر من المخالفة التي تؤدي إلى الفرقة والتنازع:

فمن ناحية، يرد الخلاف بمعنى المخالفة لأمر الله؛ حيث يرد الخلاف في هذا السياق بوصفه “معصية” و”مخالفة” لأوامر الله؛ كما في قوله سبحانه، على لسان نبي الله شُعيب عليه السلام: “قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ” [هود: 88]. إلا أن “مخالفة” الأمر الإلهي، تتبدى بصورة أكثر وضوحا، وذلك في التحذير الإلهي الذي يرد في قوله تعالى: “لَّا تَجۡعَلُواْ دُعَآءَ ٱلرَّسُولِ بَيۡنَكُمۡ كَدُعَآءِ بَعۡضِكُم بَعۡضٗاۚ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمۡ لِوَاذٗاۚ فَلۡيَحۡذَرِ ٱلَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنۡ أَمۡرِهِۦٓ أَن تُصِيبَهُمۡ فِتۡنَةٌ أَوۡ يُصِيبَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ” [النور: 63].

من ناحية أخرى، يرد الخلاف على لسان “الشيطان” عندما يتنصل من الذين أغواهم؛ كما في قوله عزَّ وجل: “وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ” [إبراهيم: 22]. وهنا لنا أن نُلاحظ كيف أن الشيطان “أخلف” وعده، مؤكدا أن ليس عليهم “مِّن سُلۡطَٰنٍ”؛ و”ناصحا” إياهم “فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ”.

ومن ناحية أخيرة، يرد الخلاف بين الأنبياء وأقوامهم، كما حدث بين نبي الله موسى عليه السلام وقومه؛ وذلك كما في قوله سبحانه: “فَرَجَعَ مُوسَىٰٓ إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ غَضۡبَٰنَ أَسِفٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ أَلَمۡ يَعِدۡكُمۡ رَبُّكُمۡ وَعۡدًا حَسَنًاۚ أَفَطَالَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡعَهۡدُ أَمۡ أَرَدتُّمۡ أَن يَحِلَّ عَلَيۡكُمۡ غَضَبٞ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُم مَّوۡعِدِي” [طه: 86]؛ وكما في قوله تعالى: “قَالُواْ مَآ أَخۡلَفۡنَا مَوۡعِدَكَ بِمَلۡكِنَا وَلَٰكِنَّا حُمِّلۡنَآ أَوۡزَارٗا مِّن زِينَةِ ٱلۡقَوۡمِ فَقَذَفۡنَٰهَا فَكَذَٰلِكَ أَلۡقَى ٱلسَّامِرِيُّ” [طه: 87].

في هذا الإطار.. يمكن القول إن التنزيل الحكيم يميز بين مفهومي “الاختلاف” و”الخلاف” تمييزا دقيقا. فبينما يقبل الاختلاف باعتباره سُنَّةً كونيةً وطبيعةً بشريةً؛ فإنه يحذر من الخلاف الذي يعني المخالفة والمعارضة لأمر الله سبحانه وتعالى. هذا التمييز ليس مجرد فرق لفظي، وإنما هو جزء من الرؤية القرءانية الشاملة للعلاقات الإنسانية، التي تتأسس على “التنوع في إطار الوحدة”، و”الاختلاف في إطار الاتفاق على الثوابت”.

وللحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى