رؤى

إعادة بناء الحداثة.. محاولة من منظور إسلامي

في عالم يظن كثيرون أن الحداثة نسخة واحدة، غربية المنشأ والمسار، يأتي كتاب “روح الحداثة.. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية”، للمفكر المغربي طه عبد الرحمن (2006)، بمثابة زلزلة فكرية. لا يهدف الكتاب إلى رفض الحداثة أو معاداتها؛ بل إلى تفكيك أسسها الغربية وإعادة بنائها من منظور إسلامي. إنه محاولة طموحة لـ”تأسيس حداثة إسلامية” تكون بديلا عن الحداثة الغربية، التي يرى أنها فقدت “روحها” الأخلاقية والدينية، وأصبحت مجرد “جسد” مادي وآلي.

رؤية عامة

يُعدُّ كتابُ طه عبد الرحمن، روح الحداثة، محاولةً منهجيةً ومفاهيمة لإعادة قراءة الحداثة بوصفها “روحا” لها مبادئ وقيم أساسية، وليس مجرد مجموعة ممارسات أو تقنيات مستورَدة جاهزة. منطلقُه أنّ الحداثة الغربية ليست النموذجَ الوحيد الممكن لتجسيد روح الحداثة، وأن هناك إمكاناتٍ لصياغة حداثةٍ إسلامية تنطلق من نفس الروح المعرفية والأدائية، ولكنها تتوافق مع مقوّمات المجال التداولي الإسلامي، لغاته، مقاصده الأخلاقية والدينية، وبُنيته الاجتماعية والثقافية.

هذا الطرح لا يكتفي بالنقد؛ ولكن ينتقل إلى تقديم مبادئ تأسيسية ومحاولات تطبيقية تبيّن كيف يمكن “استيعاب” روح الحداثة داخل سياق إسلامي، من دون تقليد أعمى أو تبنٍّ غير نقدي للنماذج الغربية.

ومن زاوية البنية، يقسم الكتاب عملَه إلى مبادئ عامة وصفية لروح الحداثة، ثم إلى تطبيقات عملية أو نموذجية لهذه الروح في المجال الإسلامي. في قلب الكتاب يبرز المؤلف ثلاثة مبادئ محورية لروح الحداثة، يكرر تناولها ويعيد إبراز معانيها: “مبدأُ الرشد” (أو التيسير بذكاء متطور.. أي السداد في الرأي)؛ “مبدأُ الشمول” (التعميم والتوسيع)؛ و”مبدأُ الإبداع الداخلي” (أن تكون الحداثة ممارسةً من داخل الذات الاجتماعية لا وصايةً خارجية). هذه المبادئ، يُراد بها أن تكون مفاتيحَ لتمييز “الروح” عن “واقع الحداثة”، كما ظهر في الغرب، أو كما يقلَّده بعض المثقفين في العالم الإسلامي.

والواقع، يمثل البابان الثاني “التطبيق الإسلامي لمبدأ الرشد الحداثي”، والثالث “التطبيق الإسلامي لمبدأ الشمول الحداثي”، القلب النابض لهذا المشروع التأسيسي؛ حيث ينتقل المؤلف من التنظير إلى التطبيق، مُجسِّدا كيف يمكن للمنظومة الإسلامية أن تقدم تفسيرا أعمق وأكثر إنسانية لمبادئ الحداثة ذاته.

الرشد الحداثي

يبدأ عبد الرحمن من فكرة محورية: الغربيون يفتخرون بأن مشروعهم الحداثي قائم على “الرشد”، أي استخدام العقل للتحرر من سلطة التقاليد والخرافات. لكنه يحاجج بأن هذا المفهوم للرشد قد تحوّل، في التجربة الغربية، إلى “عقل أداتي” محض، يهتم بالوسائل والكفاءة والفعالية المادية، ويتجاهل الغايات والأخلاق والقيم.

هنا يقدم المؤلف بديله “الرشد المؤسَّس” أو “العقل المؤدب”؛ فالرشد الحقيقي، في التصور الإسلامي، ليس مجرد تحرر من قيد خارجي كـ “سلطة الكنيسة” وإنما هو تحرر بقيد داخلي؛ تحرر بواسطة التزام أخلاقي وديني. هذا القيد ليس مُعيقا للعقل، ولكن هو مؤدب له ومرشد لطاقته كي لا تنقلب إلى تدمير ذاتي.

ومن ثم، يصبح التساؤل: كيف يطبق هذا إسلاميا؟

1 – الاجتهاد بوصفه آلية للرشد.. حيث يرى عبد الرحمن أن الاجتهاد هو التجسيد الحي لمبدأ الرشد الإسلامي؛ فهو ليس مجرد استنباط للأحكام من النصوص، وإنما هو “فعل عقلاني مؤسسي” يربط بين النص الثابت والواقع المتغير. الاجتهاد يحرر العقل من الجمود والتقليد؛ لكنه -في الوقت نفسه- يربطه بضوابط أصولية وأخلاقية (القرءان، السنة، المقاصد، اللغة)، تمنعه من الانحراف والعبث. إنه نموذج للعقلانية المنضبطة، المختلفة جذريا عن العقلانية الغربية المتحررة من أي مرجعية متعالية.

2 – المقاصد باعتبارها ضابطة للغاية.. بينما يركّز الرشد الغربي على “كيف” نفعل الأشياء (التقنية)، يركز الرشد الإسلامي على “لماذا” نفعلها. وتأتي نظرية “مقاصد الشريعة” (الحفاظ على الدين، النفس، العقل، النسل، المال)، لتقدم إطارا قيميا للفعل الحداثي؛ إذ إن أي نشاط (اقتصادي، علمي، سياسي) لا يحقق هذه المقاصد أو يناقضها، فهو -بحسب هذا المنطق- عمل “غير رشيد” حتى لو كان ناجحا تقنيا. فصنع سلاح دمار شامل قد يكون “رشيدا” تقنيا، لكنه “غير رشيد” مقاصديا لأنه يهدر حفظ النفس.

3 – النقد الذاتي (محاسبة النفس).. حيث يرفض عبد الرحمن فكرة أن الرشد هو مجرد نقد للخارج (الآخر، السلطة، التراث). بل يضيف بُعدا جوهريا هو “النقد الذاتي”، أو “محاسبة النفس”. فالرشد الحقيقي يبدأ من تفتيش الذوت وتقويمها أخلاقيا. هذه الآلية الروحية (المستمدة من مفهوم المراقبة والمحاسبة في التصوف والأخلاق الإسلامية)، تضمن أن لا يتحول الرشد إلى غطرسة وقهر للآخر، بل يبقى مرتبطا بفضيلة العدل مع الذات قبل الآخر.

بهذه الآليات، يحاول طه عبد الرحمن إنقاذ “مبدأ الرشد” من ضياعه في المادية الغربية، ويمنحه عمقا أخلاقيا وإيمانيا، معتبرا أن “الحداثة الإسلامية” ستكون حداثة بـ”روح” لأن عقلها مؤدب بـ”خلق”.

الشمول الحداثي

المبدأ الحداثي الثاني الذي يتناوله الكتاب، هو “الشمول” أو “الكونية”. فالحداثة الغربية تزعم أنها تقدم قيما عالمية صالحة لكل زمان ومكان كـ “الديمقراطية، حقوق الإنسان، العلمانية”؛ لكن عبد الرحمن يشكك في هذه الدعوى، ويرى أن هذه الكونية في حقيقتها “كونية إقصائية”، أو “استعمارية”، لأنها تفرض نموذجا واحدا هو النموذج الغربي، على جميع الثقافات، وتلغي خصوصياتها وتاريخها.

في مواجهة هذه الكونية المغلوطة، يطرح مفهوم “العالمية التداولية”. “العالمية” هنا لا تعني التوحيد القسري، ولكن تعني “التعاون والتداول بين الثقافات المختلفة على قيم مشتركة، مع الاعتراف بخصوصية كل ثقافة”.

ومن ثم يصبح التساؤل: كيف يطبق هذا إسلاميا؟

1– الاستبدال بالمصطلحات.. فهو بوصفه خطوة عملية، يقترح إعادة صياغة المصطلحات الحداثية الشهيرة من خلال المنظور الإسلامي، ما يجعلها أكثر شمولا حقيقيا. فهو لا يرفض “الحرية” أو “المساواة” أو “الديمقراطية”، بل يعيد تأسيسها:

– الحرية.. حيث ينتقد المفهوم السلبي للحرية (التحرر من القيود)، ويقترح مفهوم “التحرر الإيجابي”، أي التحرر لأجل القيم والأخلاق. فالحرية في الإسلام ليست غاية في ذاتها، بل وسيلة للعبادة والعمران.

– المساواة.. ينتقد المساواة المجردة والشكلية، ويقدم مفهوم “العدل” الذي قد يتطلب، في بعض الأحيان، معاملة غير متكافئة لتحقيق الإنصاف الحقيقي، مراعيا الفروق الطبيعية والوظيفية بين الناس.

– الديمقراطية.. إذ ينتقد الديمقراطية القائمة على حكم الأكثرية العددية المجردة، ويقترح نموذج “الشورى المؤيدة”، حيث لا يكفي التصويت، ولكن يجب أن تدعم القرار بالأدلة والحجج والاستناد إلى القيم الأخلاقية، ما يمنع طغيان الأغلبية.

2– التناصح بوصفه بديلا للديمقراطية الإقصائية.. فيقدم المؤلف مفهوم “التناصح” أو “النصيحة”، أساسا للعلاقة بين الحاكم والمحكوم في المجتمع الحداثي الإسلامي. فالنصيحة ليست مجرد رأي، وإنما هي فعل أخلاقي يلتزم بمصلحة الطرفين. وهي تختلف عن النقد الغربي الذي قد يكون هداما. المجتمع “المتناصح” هو مجتمع تداولي حقيقي، تتحقق فيه المسئولية المتبادلة بشكل أعمق من مجتمع التصويت الدوري.

3 – الاجتهاد الجماعي (التداولي).. لمواجهة قضايا العصر المعقدة، يدعو عبد الرحمن إلى تطوير آليات للاجتهاد الجماعي، حيث تتعاون العقول المختلفة (من مختلف التخصصات والعلوم)، على استنباط “حلول للمشكلات”من المنظومة الإسلامية. هذا الاجتهاد التداولي، هو تجسيد للعالمية في أبهى صورها، حيث تشارك أمّة في بناء حداثتها دون انغلاق أو تبعية.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن طه عبد الرحمن، من خلال كتابه “روح الحداثة.. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية”، يحاول إثبات أن المشكلة ليست في مبادئ الحداثة المجردة (كالعقلانية والكونية)؛ بل في التطبيق التاريخي الغربي الذي أفقدها روحها. مشروعه هو محاولة جريئة لاستعادة هذه الروح من خلال المنابع الأصيلة للتراث الإسلامي.

لا يقدم الكتاب إجابات جاهزة بقدر ما يفتح آفاقًا للتفكير. إنه دعوة إلى الثقة بالنفس الثقافية، وإلى عدم قبول الحداثة باعتبارها منتجا نهائيا مستوردا، ولكن فعلا تأسيسيا ذاتيا. “روح الحداثة” هو -في جوهره- بيان يؤكد أن الحداثة يمكن – بل ويجب – أن تكون متعددة، وأن للإسلام دورا محوريا في تقديم نموذج حداثي بديل، يكون أكثر إنسانية، وأكثر أخلاقية، وأكثر “روحانية”.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى