أخرج الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الصلاة، باب فضل السجود) عن ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله عنه قال: كنت أبيت مع رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم- فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: “سَلْ”. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة. قال: “أو غير ذلك؟” قلت: هو ذاك. قال: “فأعِنّي على نفسك بكثرة السجود”.
وهذا الحديث الشريف يوضّح عدة أمور بشأن هذا الصحابي الجليل، الذي لم يصلنا عنه إلا أقل القليل.. الأمر الأول متعلق بحب النبي- صلَّى الله عليه وسلَّم- له؛ لإخلاصه واستقامته وحبه لله ورسوله، الأمر الثاني استحقاق ربيعة لتلك المنزلة الرفيعة من الرسول الخاتم -صلوات ربي وسلامه عليه- وقد سعى لنيلها سعي الدائبين، أما الأمر الثالث فيختص بفقه ربيعة وعلمه وقوة يقينه وإيمانه، كما يتعلق بصدقه وزهده وورعه.
وربيعة من أسلم، وأسلم قبيلة لم تكن ذات شأن في الجاهلية؛ لكنها نالت المكانة في الإسلام؛ إذ دخلت في دين الله بطريقة مميزة وسريعة، فقد أسلمت القبيلة جميعها مبكرا.. ويروى أن سيدهم بريدة بن الحصيب، التقى النبي -صلى الله عليه وسلم- في رحلة هجرته من مكة إلى المدينة؛ فأسلم على يديه هو وأهل ثمانين بيت من أسلم، وروي أنه عقد لواءً للنبي -صلى الله عليه وسلم- وقال له: “لا تدخل المدينة إلا بلواء”. فقبل منه الرسول ذلك. وقد دعا سيد المرسلين لقبيلتي غفار وأسلم كما أورد الإمام مسلم في صحيحه (كتاب الإيمان) فقال :”غِفَارُ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ”. ويبدو أن أفراد هذه القبيلة كانوا ذوي سمت واحد، يغلب عليهم التباسط والزهد والاستعداد الفطري للتضحية في سبيل ما يؤمنون به؛ وكان ذلك باديا في سيماهم؛ فقد رويَّ عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أنه عندما رأى وفود قبيلة أسلم، قادمة للمدينة قال: ما رأيت قوما أشبه بالجنة منهم، وأيقن بالنصر والفرج بقدومهم ودعمهم للمسلمين. وقال: “ما نحن بفاتحين بوّابًا خيرًا من أسلم”.
وقد رجع قسم كبير من القبيلة إلى مواطنها في العوالي وما يليها من ديار أسلم بين الحجاز ووادي القرى.. بعد وفاة النبي -صلى الله غليه وسلم-.
وكان ربيعة بن كعب، من أهل الصُّفَّة وهم جماعة من فقراء المسلمين، جعل لهم النبي -صلى الله غليه وسلم- ظلَّة في آخر المسجد ينامون فيها، وقد تراوح عددهم بين ثلاثين وسبعين شابا، وقد مثّل هؤلاء النفر مدرسة متفردة في الزهد والتضحية، وكان من فضل ملازمتهم المسجد النبوي أمران عظيمان، إذ حظى عدد منهم بمكرمة خدمة النبي -صلى الله عليه وسلم- مثل ربيعة، وهو عمل نال به مكانة مرافقة سيد المرسلين في الجنة، كما تقدّم، أما الأمر الثاني فهو تحصيل العلم والتفقُّه في الدين في المدرسة المحمدية، وكفى به شرفا في الدنيا والآخرة.
ورد في خبر إسلام ربيعة أنه “أسلم قديما” كما “أسلم مبكرا” والحقيقة أن تاريخ دخوله الإسلام ليس معلوما على وجه التحديد، وربما يُفسر ذلك بأنه أسلم مع قومه كما أوردنا في قصة إسلام بريدة بن الحصيب، أو بعد ذلك بقليل.. كما يُفهم من قولهم “أسلم مبكرا” حداثة سنه عند إسلامه، وربما كان في عامه الخامس عشر عندما أسلم.. وأنه قدم المدينة في العام الثاني للهجرة، ولم يشارك في بدر وأحد لصغر سنه، وكانت غزوة الخندق أول غزوة يشهدها.. وشهد كل الغزوات مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك؛ حتى وفاة الرسول في العام العاشر للهجرة.
ويبدو أن النبي-صلى الله عليه وسلم- كان يولي أهل الصّفَّة اهتماما خاصا، يتلمس أخبارهم ويرصد أحوالهم ويساعد كل واحد منهم بما يشعر باحتياجه إليه، وفقا لما جدَّ عليه من ظروف.. ذات مرة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم- له: “يا ربيعة ألا تتزوج؟”. اعتذر ربيعة لفقره وعدم امتلاكه ما يؤهله للزواج من مال ونحوه، وأنه لا يريد أن يشغله شيء عن خدمة النبي -صلى الله عليه وسلم- فكرر النبي السؤال عليه، حتى شعر ربيعة أنها رغبة رسول الله؛ فأجابه إلى الأمر؛ فساعده النبي-صلى الله عليه وسلم- بأن أمره بجمع كمية من (نوى التمر) لتكون مهرا لزوجته، وأعانه الصحابة في ذلك بأمر من النبي؛ حتى جمع ما يكفي.
وبعد زواجه أعطاه الرسول، قطعة أرض وبضع غنيمات فعمل فيهما حتى أغناه الله من فضله.. لكن ذلك لم يشغله عن الانتظام في التواجد بالمسجد النبوي والاستزادة من علم الحبيب محمد -صلى الله عليه وسلم- والقرب منه.. حتى وافى الحبيب الأجل.
بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- عاد ربيعة مع قومه إلى مضاربهم، وقضى حياته هناك، لا هَمَّ له إلا “كثرة السجود” حتى يحظى بمرافقة النبي في الجنة، كما اهتم ربيعة بنقل علمه إلى أبناء قبيلته.. إلى أن وافاه الأجل -رضي الله عنه وأرضاه عام 63 للهجرة (عام الحرة) وقد ناهز الثامنة والسبعين من عمره على أرجح الأقوال.








