لا يوجد أصعب من أن تذهب إلى قاعة العرض السينمائي؛ لتشاهد عملا يحاصره كل هذا الجدل؛ أنت إذن في مهمة صعبة. عرفت السينما العالمية والعربية أعمال “السير الذاتية”، ويتذكر المشاهد روائع عديدة ساهمت في تشكيل وعيه، تجاه شخصيات صنعت التاريخ في كافة المجالات. والحقيقة أن الكثير من تلك الأعمال قد أثار جدلا، واتُّهِم صناعها بعدم تحري الدقة في تقديم سير شخصيات، أحبها الناس وعرفوا عن حياتها أدق التفاصيل.
وأم كلثوم واحدة من أهم الشخصيات الفنية في العالم، وصاحبة تأثير استثنائي ممتد لأكثر من قرن، وتستقر في الوجدان العربي بوصفها أيقونة لا ينازعها أحد في مكانتها الفنية والإنسانية والوطنية؛ فهي رمز للشموخ والتحقق، ورحلة ملهمة للكفاح والصعود.
جاء فيلم “الست” سيناريو أحمد مراد واخراج مروان حامد؛ ليثير عاصفة من الجدل والغيرة على “الست” وعرف المشاهد العربي تجارب سابقة قدمت حياة “أم كلثوم”، من خلال فيلم للمخرج محمد فاضل عام 1999، جسدته الفنانة فردوس عبد الحميد، ومسلسل شهير للمخرجة إنعام محمد علي من بطولة الفنانة “صابرين” في نفس العام 1999.

قرر صناع فيلم “الست” الخروج عن الصورة التقليدية لسينما “السير الذاتية”، واختاروا “أنسنة الست” على شاشة السينما، ومن ثم الاقتراب أكثر فأكثر من روح سيدة الغناء العربي وتفاصيلها الإنسانية، بما فيها من صفات بشرية ولحظات ضعف وأخطاء وارد أن يقع فيها أي منا. ببساطة، قرروا النزول بكوكب الشرق إلى شوارعنا وناسنا العاديين.
وما بين الغوص في تفاصيل إنسانية وصورة ذهنية مستقرة مسافة كبيرة.. و”الحقيقي” و”المتخيل” في صناعة العمل.. مساحة لابد أن نتوقف عندها، قبل أن نخوض في تفاصيل العمل، علينا التأكيد أننا أمام عمل فني مبهر، وتقنية سينمائية حديثة، وصورة ساحرة، ومخرج متمكن، وعناصر في معظمها “عالمية” -إن جاز التعبير- لكن الجدل والخلاف سيظل في رؤية صناع العمل ومدى صدق التناول، في ظل وقائع تاريخية مستقرة ومؤكدة، -هل يجوز الاجتهاد؟- هذا سؤال جوهري عند مناقشة أعمال السير الذاتية، خاصةً مع شخصية بحجم وتأثير “الست”.
بدأت وانتهت أحداث الفيلم الذي كتب صناعه أنه “مستوحى من قصة حياة أم كلثوم” بمشهد سقوطها على مسرح “الأولمبيا” في باريس، أثناء إحيائها حفلا لصالح المجهود الحربي، حيث يصعد شاب جزائري “مخمور” ويتسبب اندفاعه نحوها في سقوط كوكب الشرق، فيشهد المسرح حالة فوضى عارمة خوفا على الست. أجاد المخرج بشكل مبهر في تقديم مشاهد المسرح وسقوط الست.
تنطلق الأحداث من تلك اللحظة، وأرى أن اختيار لحظة السقوط للدخول إلى حياتها عبر تقنية “الفلاش باك” لم يكن الأفضل ولا الأنسب؛ فرغم أن اختيار الانطلاق من صعودها على أهم مسارح العالم وحرارة الاستقبال الاستثنائية كانت بداية موفقة لعمل عن شخصية عظيمة، إلا أنه كان من الأجدر الدخول للأحداث في لحظة شموخ ونشوة “الست” لا لحظة سقوطها.
تتوالى الأحداث سريعا، ورغم مدة العمل التي تقترب من ثلاث ساعات، لا تشعر بالملل، بل تلهث دوما خلف الإيقاع بفضل مونتاج مميز لصاحبه أحمد حافظ. تعود بنا الأحداث إلى مسقط رأس “الست” في قريتها بمركز السنبلاوين، لتروى القصة من هناك؛ حيث الطفلة الفقيرة التي يحملها والدها الشيخ إبراهيم، لتغني وتنشد في الأفراح مقابل “حلاوة طحينية” كما ذكرت هي ساخرة فيما بعد.
ينجح صناع العمل في تقديم أداء محكم ومشاهد ثرية غنية بالجذب خلال فترة القرية، ورغم قسوتها وكآبتها التي كشفت عنها إضاءة خافتة معظم الوقت، إلا أنها نجحت في نقل المشاعر بقدر كبير من الصدق وأبدع “مروان ” في مشهد إصرار الشيخ إبراهيم على الغناء؛ حتى يحصل على المتبقي من أجره في فرحٍ خلا من الناس بسبب عاصفة ممطرة؛ فظهر الحمار كأنه المستمع الوحيد!

وهنا نتوقف أمام أول خطأ تاريخي صادم؛ حيث ذكر الفيلم أن الذي اكتشف أم كلثوم وتبنى فكرة انتقال الأسرة إلى القاهرة هو متعهد الأفراح “المعلم صديق” (الذي جسده محمد عبده)، والحقيقة أن الشيخ زكريا أحمد هو الذي أقنع والدها بالتوجه للقاهرة، وكان داعما لها خلال سنوات بدايتها، وهذا ما تجاهله صناع الفيلم لأسباب غير واضحة.
كما وقع صناع العمل في خطأ تاريخي غير مبرر، وهو تواجد أم كلثوم في مبنى الإذاعة لتسجيل إحدى أغنياتها أثناء إذاعة بيان ثورة يوليو، وهذا لم يحدث، ولا أعتقد أن اختراع تلك الواقعة قد أفاد الدراما؛ بل على العكس تماما، قد يؤثر على المصداقية التاريخية للعمل التي تمثل إحدى ركائز نجاح أي عمل يستمد أحداثه من حياة شخصية بقيمة “الست”.
بالإضافة إلى القفز غير المبرر على شخصيات محورية ومؤثرة في مسيرتها، فإن اللافت هو ذلك الخلط الذي تجاوز الحدود المقبولة للخيال السينمائي ما بين صفات الست وانحيازاتها الشخصية. ذهب الخيال الإبداعي لتصنيفها إنسانيا عبر اختلاق وقائع “فنية” تكشف توتر علاقتها بوالدها بسبب خلافات مالية؛ وهنا يجب التوقف أمام مشهد يجمع بينهما (سيد رجب ومنى زكي) وهي توبخه بعد أن عرض عليها شراء 20 فدانا في زمام القرية، فتوافق قائلة: “بلاش يضحكوا عليك زي كل مرة”، فيبدو على وجهه الغضب وينصرف دون كلمة واحدة. ثم يظهر الوالد في مشهد تالٍ مُسجَّى في كفنه وهي تجلس بجواره تبكي بحرقة، وقد يقرأ المشاهد هذا كأنه نتيجة للموقف السابق. ويتكرر الأمر مع شقيقها حين تطلب منه إيصالات عن مصروفاته، فيبدو عليه الاستياء. ثم موقف ثالث قبيل إحدى حفلاتها وهي تنبه نجل شقيقها بضرورة الحيطة من صاحب المسرح الذي تشك في ذمته.

هذه المواقف الثلاثة المتتالية تؤكد نفس الفكرة والسمة في شخصية الست، وجميعها لم يكن لها سند تاريخي موثق، لكنها تؤدي لنتيجة وتسير في إطار رغبة صناع العمل في “أنسنة الست”. والحقيقة أن هذا التفسير النفسي لم يخدم سوى رؤيتهم في تكسير بعض الحصون التي صنعها الوجدان الجمعي لصورة كوكب الشرق. هي بالطبع إنسانة من أصول ريفية عانت في طفولتها قسوة الفقر، وقد تترك تلك النشأة ندوبا وبعضا من الحرص والقلق، لكن التصدي لهذه الأمور يتطلب ولو نقطة انطلاق تاريخية يمكن الاستناد إليها، وإلا يصبح الأمر مجرد بحث عن “إثارة الجدل” التي تمثل لدى بعض صناع الفن غاية في حد ذاتها، ولعل أحمد مراد ليس بعيدا عن هذا النهج ولم ينكره.
إثارة الجدل في القضايا الفكرية واردة جدا، إنما الإشكالية تكمن في التعرض لشخصيات تاريخية معاصرة ومجهولة بنسبة كبيرة لدى شباب “جيل Z” الذي صرح كاتب الفيلم أنه يسعى للوصول إليهم؛ فالحقيقة أنه قدّم لهم الكثير من الأخطاء التاريخية والمعلومات غير المكتملة في قالب درامي شديد السحر والإبهار، وهذا ما يمثل خطورة خاصة على وعي الأجيال التي لا تعرف “الست” بما يكفي، فتجد نفسها أمام الصورة التي رسمها مروان حامد وأحمد مراد، ويختفي لديها الخيط الفاصل بين الخيال والتاريخ.
وعلى مستوى عناصر العمل، قدمت منى زكي شخصية “الست” على طريقتها الخاصة، وأجادت في تصوير انفعالاتها بشكل متميز جدا لدرجة أنني كنت أنسى أنها “منى”. ورغم اختلاف الشكل، أثبتت منى أنها ممثلة متمكنة وناضجة بما يكفي لتجسيد تفاصيل الشخصية. ظهر محمد فراج بشكل مميز رغم الإطار الأرستقراطي غير الحقيقي الذي وضعه فيه صناع العمل لشخصية الشاعر أحمد رامي. وكان سيد رجب متألقا وصادقا ومختلفا في شخصية “الشيخ إبراهيم البلتاجي”، واجتهد تامر نبيل في شخصية القصبجي رغم أن المقارنة مع أحمد راتب لم تكن في صالحه بالطبع. ورغم اجتهاده، فإن عمرو سعد في تجسيده لجمال عبد الناصر لم يكن قويا، وغابت عنه نظرة عين “ناصر” وبريقها التي تعتبر أحد أهم ملامحه.

مونتاج أحمد حافظ كان أحد أبطال العمل، وموسيقى هشام نزيه مميزة لكنها غابت عن روح “الست” باستثناء الجزء الأول من الفيلم، رغم ما شابها من صخب وملحمية في غير محلها أحيانا. إن حياة كوكب الشرق التي امتدت 77 عاما لا يمكن استيعابها في عمل سينمائي مدته 3 ساعات؛ ولذلك كان من الضروري اختيار محطات أساسية أو التركيز على مرحلة بعينها (كما في نموذج فيلم “ناصر 56”)، لكن العمل أراد قول كل شيء، فكانت النتيجة مزيدا من الجدل.
المؤكد أن مروان حامد مخرج شديد الموهبة، متمكن جدا من إبهار المتفرج وصناعة المتعة البصرية، لكن الرؤية والانحيازات الفنية والفكرية لها دور مهم في صياغة العمل ورسالته.
والمؤكد أنني لم ولن أكون من دعاة “نظرية المؤامرة” أو ممن ينهالون بالتهم على أي فنان بالسعي إلى تشويه “سمعة” الفن أو التآمر على “مصر”؛ لأن الإسفاف وحده هو ما يشوه صورة الفن، كما أن المصادرة ورفض الحوار ومحاولة فرض وجهة نظر فنية أو فكرية بعينها هو أخطر ما يضر الوطن. قد أختلف حول عمل فني أو منتج بشري، لكن ذلك لا يعطي الحق في المصادرة أو التصفية المعنوية أو التشويه.








