رؤى

هجوم “تدمر” السورية.. وتداعياته الاستراتيجية

شكّل الهجوم المسلح الذي استهدف جنودا أمريكيين في مدينة تدمر السورية السبت الماضي، نقطة تحوّل حساسة في مشهد الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وفي طبيعة العلاقة الأمنية والسياسية بين واشنطن ودمشق أحمد الشرع. فالحادث الذي أودى بحياة جنديين أمريكيين ومترجم مدني أمريكي، أثناء تأمين اجتماع أمني مشترك لمواجهة تنظيم “داعش”، لم يكن مجرد خرق أمني عابر، وإنما حمل دلالات عميقة تتجاوز مكان وزمان وقوعه، وتمس أسس التنسيق الهش بين الطرفين، ومستقبل الاستراتيجية الأمريكية في الساحة السورية.

ولعل أول ما يلفت الانتباه في هذا الهجوم هو هوية المنفذ: عنصر في قوات الأمن السورية، يعمل ضمن إطار رسمي، وفي سياق اجتماع أمني يفترض أنه يعكس مستوى من الثقة المتبادلة. هذا العامل وحده كفيل بإثارة قلق بالغ داخل دوائر صنع القرار في واشنطن، لأن الخطر هنا لم يأتِ من جماعة مصنفة عدوا تقليديا؛ بل من داخل بنية يفترض أنها شريك ميداني. الشبهات التي أُثيرت حول اعتناق المنفذ “معتقدات متشددة” تعيد إلى الواجهة سؤال الاختراق الأيديولوجي للمؤسسات الأمنية السورية، وحدود قدرة القيادة السياسية في دمشق على ضبط عناصرها.

الوجود الأمريكي

من الناحية العسكرية، يضع الهجوم الوجود الأمريكي في سوريا أمام اختبار صعب؛ فالولايات المتحدة تحتفظ بقوات محدودة العدد، تنتشر في نقاط استراتيجية، وتركِّز مهامها على تبادل المعلومات الاستخباراتية، وتدريب الشركاء “المحليين”. هذا الانتشار يقوم على افتراض أن المخاطر يمكن التحكم بها عبر إجراءات أمنية مشددة وتنسيق مع القوى السورية. غير أن حادث “تدمر” ينسف هذا الافتراض جزئيا، ويظهر أن الخطر قد يأتي من داخل ترتيبات التنسيق نفسها، ما يفرض مراجعة شاملة لقواعد الاشتباك وبروتوكولات الحماية.

ومن ثم، فالتداعيات المباشرة قد تتمثل في تشديد القيود على تحركات الجنود الأمريكيين، وتقليص الاجتماعات المباشرة مع المسئولين الأمنيين السوريين، أو نقلها إلى مناطق أكثر تحصينا. كما قد تلجأ واشنطن إلى إعادة تقييم أماكن تمركز قواتها، وربما سحب بعض الوحدات من المناطق التي تتطلب احتكاكا يوميا مع قوات حكومية سورية. هذه الخطوات -إن اتُخذت- ستؤثر بالضرورة على فاعلية العمليات المشتركة ضد “داعش”-كما يُقال- وتفتح المجال أمام التنظيم لاستغلال أي فراغ أمني أو تراجع في التنسيق.

على المدى المتوسط، يطرح الهجوم سؤالا أكبر: هل ما يزال الوجود العسكري الأمريكي في سوريا قابلا للاستمرار بالشكل الحالي؟ داخل الولايات المتحدة، سيجد صناع القرار أنفسهم تحت ضغط سياسي وإعلامي متزايد، خاصة إذا صُوّر الحادث على أنه نتيجة مباشرة للتعاون مع نظام لا يحظى بثقة واسعة في واشنطن. الأصوات المطالبة بتقليص الالتزامات الخارجية، أو الانسحاب من “حروب بلا نهاية”، قد تستغل الحادث للدفع نحو مراجعة أوسع للدور الأمريكي في سوريا، خصوصا في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي وتعدد اللاعبين في الداخل السوري.

في المقابل، قد يجادل تيار آخر داخل الإدارة الأمريكية بأن الانسحاب أو التراجع سيبعث برسالة ضعف، ويمنح “داعش” فرصة لإعادة تنظيم صفوفه، كما قد يفتح الباب أمام قوى إقليمية ودولية لملء الفراغ. من هذا المنظور، قد يكون الرد الأمريكي هو تعزيز إجراءات الحماية، وتكثيف العمل الاستخباراتي داخل المؤسسات الشريكة، بدلا من الانسحاب. لكن هذا الخيار يتطلب مستوى أعلى من الثقة والتعاون، وهو ما يجعل العلاقة مع النظام السوري محورا حاسما.

العلاقات السورية

على صعيد العلاقات الأمريكية السورية، فإن الحادث يشكل عبئا سياسيا وأمنيا ثقيلا على نظام أحمد الشرع. فواشنطن ستطالب -على الأرجح- بتحقيق شفاف وشامل، ومحاسبة المسئولين المباشرين وغير المباشرين، إضافة إلى ضمانات ملموسة لمنع تكرار مثل هذه الهجمات. قدرة دمشق على الاستجابة لهذه المطالب ستحدد إلى حد كبير مسار العلاقة في المرحلة المقبلة. أي تهاون أو غموض قد يُفسَّر في واشنطن دليلا على ضعف السيطرة أو ازدواجية المواقف، وهو ما لا يستطيع النظام السوري تحمل عواقبه.

من جهة النظام السوري، يضعه الحادث أمام معضلة دقيقة؛ فهو من ناحية يحتاج إلى استمرار التنسيق مع الولايات المتحدة، وتخفيف الضغوط الأمنية في البادية والمناطق الشرقية. ومن ناحية أخرى، يخشى أن يؤدي الانخراط العميق مع واشنطن إلى ردود فعل سلبية داخل أجهزته، أو من قوى داخلية، تعتبر هذا التعاون “تنازلا سياديا”. معالجة هذه المعضلة تتطلب إعادة ضبط الخطاب الرسمي، وتشديد الرقابة الداخلية، وربما إعادة هيكلة بعض الوحدات الأمنية.

بعبارة أخرى، لم يكن هجوم “تدمر” مجرد هجوم في سوريا المتوترة، ولكن حدث استراتيجي قد يُعيد رسم معادلات الوجود العسكري الأمريكي في شرق سوريا، ويهز أسس التعاون، الذي يبدو هَشًّا بين الولايات المتحدة والنظام الحالي في سوريا؛ إذ يقع الحادث عند مفترق طرق حساس: اجتماع كان يهدف إلى تنسيق الجهود “ضد تنظيم داعش”، نفذه شخص من داخل المؤسسة التي يفترض أن تكون شريكا في هذا التنسيق الأمني المفترض.

أما إقليميا، قد تنظر أطراف عدة إلى الهجوم بوصفه مؤشرا على هشاشة الترتيبات الأمنية في سوريا. بعض القوى قد ترى فيه فرصة لإضعاف التنسيق الأمريكي السوري، ودفع واشنطن إلى تقليص حضورها، فيما قد تستغله أطراف أخرى لتأكيد ضرورة بقاء الولايات المتحدة منخرطة بقوة لمنع الفوضى وعودة التنظيمات المتطرفة. هذا التباين في القراءات يزيد من تعقيد حسابات واشنطن، ويجعل أي قرار بشأن الوجود العسكري محمّلا بتداعيات تتجاوز الساحة السورية.

في هذا الإطار.. يمكن القول بأنه لا يمكن التعامل مع هجوم “تدمر” بوصفه حادثا أمنيا معزولا؛ فهو يكشف عن طبقات عميقة من التوتر وعدم الثقة، ويضع الوجود العسكري الأمريكي في سوريا أمام مفترق طرق. الخيارات المطروحة أمام واشنطن تتراوح بين التشديد والحذر، أو إعادة الانتشار، أو حتى الانسحاب الجزئي، وكل خيار يحمل كلفة استراتيجية مختلفة. وفي الوقت نفسه، يمثل الحادث اختبارا حقيقيا لنظام أحمد الشرع، وقدرته على ضبط مؤسساته الأمنية، وبناء حد أدنى من الثقة مع شريك دولي شديد الحذر؛ على الأقل بعد الفشل المتوالي في التعامل مع الهجمات الإسرائيلية المتتالية. ما ستسفر عنه التحقيقات والقرارات اللاحقة سيحدد ليس فقط مستقبل التعاون؛ بل أيضا شكل التوازنات الأمنية والسياسية في سوريا خلال السنوات المقبلة.

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى