وسط حالة الاستقطاب المؤسسي المستمرة في ليبيا، جاء الحكم القضائي الصادر من محكمة استئناف بنغازي، يوم الثلاثاء 9 ديسمبر الجاري، ليفجر الوضع من جديد. إذ ألغت المحكمة رسميا قرارات المجلس الرئاسي برقم (18) و(26) لسنة 2024، والتي كانت تنص على إنشاء “المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام”، وتشكيل مجلس إدارتها. الحكم لم يكن مجرد قرار قضائي تقني؛ وإنما كان ضربة استهدفت قلب إحدى أهم المؤسسات المنبثقة عن اتفاقية الصخيرات، والمفترض أنها تمثّل السلطة التنفيذية العليا في البلاد.
بذلك ألقى القضاء في الشرق الليبي حجرا ثقيلا في بركة الصراع على الشرعية والسلطة في ليبيا، مثيرا سؤالا جوهريا: هل سيكون هذا الحكم شرارة لتصعيد جديد، أم فرصة لمراجعة المسار السياسي المتعثر؟
دوافع الحكم
يمكن فهم هذا الحكم القضائي عبر عدة دوافع متشابكة، تعكس تعقيد المشهد الليبي:
أولا: الدافع القانوني والإجرائي.. حيث يستند الطعن المقدم من رئيس الوزراء المكلف من قبل مجلس النواب، أسامة حماد، إلى إشكالية أساسية: مدى شرعية وقانونية إنشاء هيئات موازية. ومن ثم.. جاء الحكم القضائي مستندًا إلى فكرة أن المجلس الرئاسي أنشأ كيانا بدون سند قانوني واضح، ما يهدد وحدة العملية الانتخابية ويخلق ازدواجية مؤسسية.
ثانيا: الصراع على الشرعية والتمثيل.. فهذا الحكم هو تجسيد قضائي للصراع السياسي الدائر بين شرعيتين: شرعية مجلس النواب المنبثق عن انتخابات 2014، ومقره في طبرق/بنغازي؛ وشرعية المجلس الرئاسي المنبثق عن المسار السياسي بقيادة الأمم المتحدة، ومقره في طرابلس.
إلغاء قرارات المجلس الرئاسي هو انتصار سياسي لمجلس النواب وحكومته المكلفة، حيث يؤكد -من وجهة نظره- أن المجلس الرئاسي يتصرف خارج إطاره القانوني.
ثالثا: الانقسام بين الشرق والغرب.. إذ من الملاحظ هنا، أن الحكم صدر من محكمة استئناف بنغازي، في الشرق الليبي، وهو معقل السلطة المؤيدة لمجلس النواب وحكومة حماد. هذا يعزز التصور السائد بأن القضاء في ليبيا -شأنه شأن معظم المؤسسات- ليس محايدا تماما، ولكن يعمل ضمن إطار الانقسام السياسي والجغرافي. الحكم يعكس رغبة القوى في الشرق في تقييد نفوذ مؤسسة مقرها في الغرب (طرابلس)، وتعتبرها غير ممثلة لجميع الليبيين.
رابعا: التخوف من التحكم في المسار الانتخابي.. فقد يكون الدافع غير المعلن هو التخوف من أن إنشاء “المفوضية الوطنية للاستفتاء والاستعلام”، تحت مظلة المجلس الرئاسي، يمثل محاولة من الأخير للهيمنة على عملية الاستفتاء المحتمل على الدستور، أو أي استطلاعات رأي حاسمة؛ وبالتالي، توجيه النتائج لصالحه، أو لصالح القوى الداعمة له في الغرب.. الليبي.
تداعيات الحكم
سيكون لهذا الحكم تداعيات عميقة على حالة الانقسام المؤسسي في ليبيا، من عدة وجوه:
1 – إضعاف المجلس الرئاسي وتقوية مجلس النواب.. إذ يعد الحكم ضربة قوية لسلطة ونفوذ المجلس الرئاسي، خاصة رئيسه محمد المنفي؛ فهو لا يلغي قراراته فحسب، بل يشكك في شرعية تصرفاته وقدرته على اتخاذ قرارات تنفيذية ملزمة. وبالمقابل، يقوي موقف رئيس الحكومة المكلف من قبل مجلس النواب، أسامة حماد، ويمنحه سندا قضائيا لمقاومة سياسات المجلس الرئاسي واعتبارها “غير قانونية”. هذا سيعمق حالة الإدارة الموازية ويعقد أي جهد لتوحيد المؤسسات.
2 – تكريس ازدواجية السلطة القضائية.. فالحكم يُسلط الضوء على مشكلة تعدد المرجعيات القضائية في ليبيا. فبينما يصدر هذا الحكم من بنغازي، قد تصدر أحكام معاكسة من محاكم في طرابلس. هذه الازدواجية تدمر مبدأ سيادة القانون وتجعل كل طرف قادرا على إنتاج “شرعية قضائية” تدعم موقفه، ما يغلق باب الحلول القانونية ويُبقي الصراع في المجال السياسي، والعسكري أحيانا.
3– الاستقطاب الداخلي وعسكرة السياسة.. قد يدفع هذا الإجراء القضائي المجلس الرئاسي، وقواته الداعمة في الغرب، إلى اتخاذ إجراءات مضادة أكثر تشددا، ربما عبر قرارات سياسية أو حتى تحشيد عسكري رمزي. الخطر هو تحويل الصراع من خلاف سياسي وقانوني إلى مواجهة أمنية جديدة، خاصة إذا استخدم كل طرف قواته “العسكرية” لتبرير استبعاد الطرف الآخر.
4 – ارتباك عمل الهيئات الانتخابية.. فالحكم يخلق حالة من الارتباك والفوضى، في ما يتعلق بالهيئة المسئولة عن أي عملية اقتراع مستقبلية. هل ستكون الهيئة الوطنية للانتخابات هي الجهة الوحيدة المعترف بها؟؛ أم أن المجلس الرئاسي سيصر على آلية ما؟ هذا الارتباك يخدم القوى الرافضة للانتخابات أو الراغبة في تأجيلها إلى ما لا نهاية.
عقبة جديدة
يظهر الحكم القضائي من بنغازي أن القانون والمؤسسات القضائية في ليبيا، لم تصبح بعد أدوات لحل النزاعات، بل تحولت إلى أسلحة للصراع السياسي. كل طرف يسعى لتوظيف ما في جعبته من “شرعيات” -تشريعية أو قضائية أو دولية- لإضعاف الطرف الآخر، بدلا من البحث عن قاسم مشترك لبناء دولة المؤسسات.
تأثيره المباشر على الانتخابات هو إضافة عقبة قانونية وإجرائية جديدة إلى قائمة طويلة من العقبات (الدستور، أمن الناخبين، نزاهة العملية، تسجيل الناخبين). الأكثر خطورة هو أنه يعمّق شرخ الثقة بين الأطراف الليبية الرئيسة، ويجعل أي حوار مستقبلي حول الانتخابات أكثر صعوبة، لأنه يبدأ الآن من نقطة اتهامات بالتجاوزات القانونية وإلغاء قرارات.
واللافت، أن الحكم والردود عليه يؤكدان أن الأولوية بالنسبة للأطراف الرئيسة في ليبيا هي السيطرة على المؤسسات وترسيخ مواقعها، وليس بالضرورة الوصول إلى انتخابات حرة ونزيهة. فالهاجس هو من سيسيطر على العملية الانتخابية ونتائجها، وليس كيفية إجرائها بشكل عادل.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن ليبيا تظل عالقة في حلقة مفرغة: صراع على الشرعية يعطل الانتخابات، وتعطل الانتخابات يطيل أمد الصراع على الشرعية. حكم بنغازي هو فصل جديد في هذه الحلقة، يذكرنا بأن الطريق إلى صناديق الاقتراع في ليبيا لا يمر فقط عبر تهدئة الأوضاع الأمنية أو صياغة قوانين؛ بل عبر معجزة سياسية تتمثل في إيجاد إرادة حقيقية لدى النخب لتقديم مصلحة البلاد على مصالحها الضيقة، وقبول تحكيم صناديق الاقتراع – تحت إشراف جهة متفق عليها – كحكم وحيد بينهم.
حتى ذلك الحين، ستستمر الأحكام القضائية والبيانات السياسية أن تكون مجرد طلقات في معركة طويلة، والضحية الأكبر هي الشعب الليبي وحلمه بدولة مستقرة وديمقراطية.








