صخب وجدل كبير صاحب عرض فيلم “الست” وهو أمر طبيعي لأهمية وقيمة أم كلثوم عند المصريين والعرب جميعا، البداية كانت عندما أعلنت إحدى الجهات غير المصرية نيتها إنتاج فيلم عن الست أم كلثوم، وهنا تحسس المصريون مسدسهم اعتقادا بوجود مؤامرة ضد أم كلثوم، ورموز الفن المصري -أنا ضد هذا التفكير بالطبع- الأزمة الثانية هي اختيار منى زكي، لأداء دور أم كلثوم.. وهنا بدأ الهجوم على منى، دون مبرر سوى خلفيات قديمة منذ فشل مسلسلها عن السندريلا، وأيضا دورها المثير للجدل في فيلم “أصحاب ولا أعز” وهو موقف خطأ وغير موضوعي، أن يُهاجَم فنان طيلة سنوات على دور لم يوفق فيه أو أن يُرفض عمل بسبب تواضع عمل آخر.
البداية جيدة جدا.. مع حفلة باريس ومسرح الأولمبيا من تصوير وحركة كاميرا وتقطيع مع هتاف الجمهور، ولحظة دخول الست إلى المسرح شعرت وقتها أن الهجوم غير مبرر، وأن الفيلم يبدو أنه جيد. اختار مراد حفلة باريس نقطة انطلاق لسرد مشوار “الست” بالفلاش باك وهو اختيار ذكي؛ رغم أنه موقف عارض في مشوار أم كلثوم، اتخذه مراد ليقول أن الست كانت قوية وتعرضت لأزمات؛ ولكنها انتصرت على كل هذا حتى صنعت أسطورتها، هذا هو العنوان الرئيس للفيلم، الخط العام الذي حاول تقديمه مراد ومروان، لكن هل نجحا في ذلك؟
بعد البداية الجيدة ومرحلة الطفولة وحفلات الموالد والريف.. كان الفيلم يسير بشكل جيد، لكن تبدَّل الحال منذ بداية نزولها إلى القاهرة. تجاهل مراد الشيخ أبو العلا.. وأحلَّ محله متعهد حفلات، رغم الدور الكبير الذي لعبه الشيخ أبو العلا في بدايات أم كلثوم.
مع ظهور نجوم في أدوار ضيوف شرف- كان لزاما على المؤلف أن يكتب لهم مشاهد طويلة نسبيا؛ ليظهروا بشكل جيد يناسب نجوميتهم؛ خاصةً نيللي كريم، وكريم عبد العزيز، وأحمد حلمي وهي إحدى أضعف مناطق الفيلم كتابة وإخراجا وتمثيلا.

وبغض النظر عن صحة ما جاء في العلاقة بين شريف صبري وأم كلثوم لكن المشاهد كانت لـ كريم عبد العزيز، وليس شريف صبري.. ومشهد حلمي أيضا يعتبر مثالا على كتابة مشهد للنجم وليس للفيلم، ضابط الشرطة تجلس أمامه أم كلثوم ولا يتعرّف عليها إلا عندما يرى بطاقتها الشخصية، رغم شهرتها ونجوميتها؛ لكن الهدف من المشهد كان حلمي وخفة دم حلمي.
أزمة أحمد مراد الكبرى، هي عدم وضوح الرؤية، وفشله في عرض مشوار “الست” الفني، أو رحلتها الإنسانية، وانتصارها على ظروفها وفقرها، سيناريو مفكك ومترهل غابت عنه وحدة الموضوع، تعامل مراد بإستخفاف واستسهال مع مشوار أم كلثوم وتاريخها وأيضا الجمهور، ظن أن من حقه أن يكتب ما يشاء دون تحقق أو توثيق، وعلى الجمهور القبول بالأمر أو الرفض، بالتأكيد ليس مطلوبا من المؤلف أن يكتب كل سيرة وتاريخ أم كلثوم، لكن عليه أن يختار من مشوارها ما يتناسب مع رؤيته والخط العام لمسيرتها، وأن يكتب ما يتحقق منه من مصادر موثوق منها وأن نجد نحن المبرر الدرامي لكل موقف وتصرف.
والسؤال هل نجح أحمد مراد في ذلك.. بالطبع لا. لأن الفيلم سلّط الضوء على أشياء في مشوار أم كلثوم بلا أهمية ولا قيمة، ولم تساعد في بناء شخصية وأسطورة أم كلثوم، والمفترض أننا أمام عمل فني يحكي كيف أصبحت أم كلثوم أسطورة.. لا عمل يحكي ويوثق لمواقف سلبية أو حتى إيجابية في حياتها سواء كانت مهمة أو غير مهمة، وبشكل عابر دون تعمُّق.. مراد ربما نجح في أن يبدأ الفيلم لكنه فشل في أن يستمر.
عرض الفيلم حدة طباع أم كلثوم مع أبيها وأخيها، وتقطيرها عليهما بالمال ومحاسبتهما على كل جنيه، ليتهمها جمهور الفيلم بأنها بخيلة وغير بارة بأهلها، وهو غير صحيح. الست كانت عقلانية جدا، وعاشت الحرمان ذاته، وبعد أن تحققت وأصبح لديها ثروة، من المنطقي أن تخشي من تقلب الزمن، وتطلب من أخيها الاقتصاد في المصاريف، وعندما غضب اعتذرت له وقبلت رأسه.
عرض الفيلم استغلال أم كلثوم لحب أحمد رامي لها، من خلال مشهد ساذج عندما جذبته من يديه ليجلس أمامها؛ حتى تستطيع الغناء وهي تراه يحترق عشقا وحبا، ثم مشهد أكثر سذاجة عندما صارحها بحبه، وطلب منها الزواج وكان ردها مباشر وغريب عن ضرورة استمراره في حياتها؛ ليكتب لها أغاني الحب، لكن لو تزوجها لخَمُدَ الحب وانطفأت ناره، وبالتالي لن يستطيع أن يكتب لها، إذن يجب أن تحبني وتحترق وتكتب لي حتى أنجح وأصبح أسطورة.. أما أنت فلا يهم!
حوار خيالي لا يمكن تكون قالته أم كلثوم، ولكنه كان تفسيرنا نحن بعد المشهد الضعيف.. ومرة أخرى هل خدم هذا الموقف -غير الحقيقي- الذي أظهر أم كلثوم وهي تبتز أحمد رامي عاطفيا بكل فجاجة- الفكرة العامة للفيلم.. بالطبع لا.
نأتي لكارثة أكبر.. وهي العلاقة بين الطبيب حسن الحفناوي وأم كلثوم. الأمر لم يكن بالرومانسية التي ظهرت في الفيلم؛ فأم كلثوم الشخصية القوية العقلانية التي تجاوزت الخمسين عند زواجها من الطبيب الشهير.. من الطبيعي والمنطقي أن يكون زواجها أمرا عمليا أكثر من كونه عاطفيا وهو ما يتسق مع شخصيتها؛ لكن ما جاء في الفيلم مخالف تماما لهذا ولفكرة الفيلم أصلا.
جمعت عِدة مشاهد بين أم كلثوم والحفناوي في العيادة بعد أزمتها الصحية، للعلم الحفناوي كان طبيب جلدية، ولا علاقة له بالغدد والأورام، ولا بمتابعة حالتها الصحية والمرارة والكبد، تشخيص الحفناوي للأزمة الصحية كان كوميدي بشكل لا يصدق، إذ قال أن هناك ورم على الأحبال الصوتية والحقيقة أنها كانت تعاني من نشاط في الغدة الدرقية، كما نصح الحفناوي أم كلثوم بسرعة إجراء العملية الجراحية لعلاج الغدة الدرقية لسرعة الإنجاب! ما علاقة الطبيب أصلا بهذا الأمر، أفهم أن ينصحها بسرعة إجراء العملية للحفاظ على صحتها أو الحد من مضاعفات وخطورة المرض لو تأخرت في العملية، أما أمر الإنجاب فهو لا يخصه، كما أن ازمة أم كلثوم الصحية جاءت بعد أن تجاوزت الخمسين، وبالتالي الإنجاب أصبح مستحيلا، وبالطبع أي طبيب يعلم ذلك إلا الحفناوي، عندما سألته أم كلثوم عن خطورة العملية الجراحية، أجاب بأن الطبيب قد يخطئ ويقطع الأحبال الصوتيَّة!

ما هذا الرد الذي لا يصدر عن عاقل ناهيك عن كونه طبيبا، وكأنه يقول لها ارفضي العملية رغم نصيحته لها بضرورة إجرائها.
خطأ آخر أو كارثة أخرى.. مشهد جمع بين التابعي وأم كلثوم، منحته خمسة آلاف جنيه مساعدة؛ ليفتتح مجلةً خاصةً به، التاريخ كما جاء في المشهد عام 1944، في هذا الوقت التابعي كان أحد نجوم المجتمع يقضي اجازة الصيف في باريس، اما انشاء التابعي لمجلة (اخر ساعة) كان قبل هذا التاريخ بعشر سنوات!! ولا أعرف ما المصدر الذي لجأ إليه المؤلف؟ وما الهدف من تحويل الأمر من مصطفى أمين إلى التابعي؟ رغم وجود عِدة مصادر تؤكد أن المساعدة كانت لمصطفى أمين، منها مذكرات مصطفى أمين ذاته، ونفس السؤال هل خدم هذا الموقف فكرة الفيلم؟ والإجابة بالطبع لا.
مطربة تحاول رشوة صحفي عندما جاء لعمل حوار معها (في وقت كان التابعي لقبه أمير الصحافة، ولا يمكن أن يجري حوارا صحفيا بنفسه حتى لو كان مع أم كلثوم، كما أنه في هذا الوقت أصبح صاحب مدرسة صحفية كبيرة وتتلمذ على يده في هذا الوقت هيكل ومصطفى وعلي أمين) وبدأ بالأسئلة الشخصية.. قاطعته وسألته عن تمويل المجلة، ثم أعطته المال فورا.
ذكرت أم كلثوم في مذكراتها، أنها استمعت لبيان الثورة، وهي في منزلها، بينما جاء في الفيلم، أنها كانت في حجرة البروفات بالإذاعة، كما جاء في الفيلم أن أباها غضب من شائعات تناولتها الصحافة تطال أم كلثوم، وقرر العودة للقرية، إلا أن أحمد رامي وأخاها خالدا أقنعوا الأب بالبقاء في القاهرة ومواجهة الشائعات، كما هددته أم كلثوم أنها في حال الرجوع للقرية لن تغني مرة أخرى في الأفراح والموالد، بالتالي سوف يخسر مصدر الدخل الأساسي، والحقيقة أن من أقنعهم هو الشيح زكريا أحمد الذي تجاهله الفيلم تماما.
لا أعرف ما المبرر لتغيير المواقف الدرامية حتى وإن لم تؤثر على دراما الفيلم؟ أنت أمام شخصية أسطورية حفظها الجمهور بكل تفاصيلها، والتعديل والتغيير يكون محدودا جدا، وبشرط أن يكون مبررا، وألا نكون أمام تزييف حقائق.. الغريب أن صُنّاع العمل لجئوا لمذكرات أم كلثوم في مواقف عِدة، وتجاهلوها في مواقف اخرى وكأن الأمر حسب الهوى!
نترك خطايا السيناريو المفكك، واسكتشات مراد السطحية، التي غاب عنها العمق والرؤية.. ونذهب لبطلة العمل، الاختيار في حد ذاته كان خطأ، منى زكي أبعد الناس عن تقديم دور أم كلثوم، هناك سمات شكلية بالتأكيد لا نيحث عن التطابق الكامل، لكن ع الأقل الاقتراب منها والباقي يمكن بالماكياج والأداء، لكن ما حدث أن منى رغم موهبتها التي لا تحتاج لشهادة كانت بعيدة كل البعد عن الست شكلا وأداءً، كما أنها لجأت إلى لهجة غريبة لا هي فلاحي ولا بورسعيدي، رغم وجود تسجيلات صوتية لأم كلثوم، تتحدث بلهجه عادية لا علاقة لها بما فعلته منى في الفيلم، عندما سمعت صوت منى اعتقدت أنها خرجت لتوِّها من مسرحية “كده أوكيه” وهي تقول “أنا باكياناه وماسكة في نفسي” ولم يتدخل المخرج في تعديل هذه المهزلة واكتفى بالمشاهدة مثلنا، على منى وهي تجسد منى لا أم كلثوم، إذا كنت تجاهلت السمات الشخصية معتمدا على الأداء والتقمص وهو ما لم يحدث كما فشل الماكياج، ماذا تبقى للجمهور ليقتنع بأن من يشاهدها هي أم كلثوم؟!

الماكياج كان من أسوأ عناصر الفيلم جودة، وكان عبئا على منى زكي في أغلب المشاهد، خاصة مرحلة الكبر والمرض.
الموسيقى التصويرية كانت غير مناسبة، هشام نزيه صنع موسيقى أوركسترالية غربية، لفيلم يتحدث عن أم كلثوم، أشهر وأهم مطربة شرقية في العالم، حتى استخدامها كان غير جيد، من قبل المخرج فجاءت مزعجة وعبئا على الفيلم في أغلب المشاهد.
المونتاج كان حاد ومزعج خاصة في النصف الثاني من الفيلم بشكل جعل من الفيلم فيديو كليب تسعيناتي طويل.
التمثيل، أجاد كل من سيد رجب ومحمد فراج والفنان الجزائري عبد الكريم الدراجي، أما الحضور الباهت غير المميز كان من نصيب أحمد خالد صالح وصدقي صخر وتامر نبيل، لم يخدم السيناريو باقي الأدوار وبالتالي جاء حضور ضيوف الشرف غير مفيد، ولم يضيفوا شيئا للفيلم باستثناء آسر ياسين، أفضل ضيوف الشرف حضورا.
قرأت وسمعت إشادات كثيرة بدور المخرج، رغم اعترافهم بتواضع السيناريو والماكياج وباقي عناصر الفيلم، ولا أعرف كيف تميَّز المخرج رغم تواضع الفيلم بكل عناصره!
أول أدوار المخرج هو ضبط السيناريو وعلاج أي خلل فيه.. وهو ما لم يحدث وظهر من خلال تواضع النص الدرامي وتفككه، مروان حامد من المخرجين الذين لا يبذلون أي جهد في ضبط السيناريو، بل يكتفي بتصويره كما هو، ولو كان السيناريو جيدا لظهر الفيلم جيدا كما في عمارة يعقوبيان وإبراهيم الأبيض، ولو كان السيناريو متواضعا لخرج الفيلم متواضعا كما في “كيرة والجن” و”الست”.
ثاني أدوار المخرج اختيار الممثلين الأنسب للشخصيات وإدارتهم للحصول على أفضل أداء.. وهو ما لم يحدث بدليل إخفاقه في اختيار بطلة الفيلم، وتواضع أداء أكثر من ممثل.
ثالث أدوار المخرج، هو الأستخدام الأمثل لكل عناصرالفيلم الفنية؛ لتحقيق تناغم في الصورة، وإيصال إحساس و”مود” المشهد والفكرة العامة للفيلم للجمهور.. وهو ما لم يحدث بدليل تواضع أو سوء مستوى عناصر الفيلم، من ماكياج وموسيقى تصويرية وديكور في بعض المشاهد.
عن أي نجاح تتحدثون؟ والمخرج هو المسئول الأول عن الفيلم، وعن كل ما ظهر على الشاشة، فكيف يكون نجح في حين فشل الفيلم؟!
في اعتقادي أن صُنّاع العمل لم يعرفوا أم كلثوم بحق، ولم يجتهدوا في معرفتها، كما أنهم لم يحددوا ما الهدف من الفيلم؟ وما المطلوب تقديمه؟ هل الهدف تقديم أم كلثوم بوصفها رمزا نسائيا واجتماعيا قويا، انتصر على ظروف قهرية ومناخ كان ضد المراة بشكل عام؟ أم رمزا وطنيا وتاريخيا نجح رغم كل ما تعرَّض له، و قدم دورا وطنيا هاما في فترة صعبة من عمر الوطن، وإلا ما الهدف من تغييب أم كلثوم المطربة من الفيلم؟ وظهورها بشكل هامشي بجوار أم كلثوم المراة القوية، وما المبرر لغياب صوت أم كلثوم أغلب فترات الفيلم وظهور صوت نسمة محجوب مصاحبا لمشاهد غناء منى زكي، تخيل فيلم عن أم كلثوم بدون صوت أم كلثوم وبصوت مطربة أخرى!
بعد مشاهدة الفيلم تأكدت أن لا وجود لمؤامرة على أم كلثوم أو الفن المصري، القصة كلها في تواضع موهبة وثقافة كاتب الفيلم واستخفافه بالشخصية وتاريخها وعدم اعتماده على أي مصادر موثوق بها وإطلاق العنان لخياله، يكتب ما يشاء ومن خلفه المخرج وباقي فريق العمل، ولو أسندت مهمة كتابة عمل آخر عن شخصية أخرى فنية أو رياضية أو حتى سياسة -أتمنَّى ألا يحدث- سوف يكتب بنفس المنطق، ويذهب لكل ما هو مثير للجدل ومختلف عليه؛ ظنا منه أن هذا هو النجاح!
وأخيرا أم كلثوم أسطورة حية وباقية أبد الدهر فالمبدعون لا يرحلون، أما فيلم “الست” فهو عمل للنسيان، هو وكل من شارك فيه.








