أثرت الحرب العالمية الثانية في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للبلاد. ففي عام 1942، عانت مصر من أزمة تموينية حادة. زادت السيطرة البريطانية -خلال الحرب العالمية الثانية- على البلاد سياسيا واقتصاديا، وزاد التدخل السافر في شئون مصر الداخلية، ومثل هذا انتكاسا لبعض ما حققته البلاد من مكاسب منذ عام 1919، وقضى على كل محاولة تصوير العلاقة بين البلدين، بوصفها علاقة بين ندين من خلال معاهدة 1936.
وتمكنت بريطانيا من تزويد جيوشها وجيوش حلفائها في مصر، بما احتاجت إليه من سلع وخدمات من الأسواق المصرية، دون أي إجراء سوى تسليمها للبنك الأهلي، أذونات على الخزانة البريطانية، ليُصدر ما تريد من أوراق النقد، ومن ثم تفاقمت الأرصدة الإسترلينية ، وحدث التضخم النقدي.
وقد أعلنت بريطانيا تجميد ما تَجَّمع عليها من ديون، تمثلت في أرصدة إسترلينية، لمصر والهند والعراق، بلغت 3750 مليون جنيه. وصرح وزير مالية بريطانيا هيو دالتون، في مجلس العموم “بأن دين 400 مليون جنيه الذي لمصر، لا يعترف الشعب البريطاني بأنه دَيْنٌ صحيح من الوجهة الأدبية”.

وكان أول عمل للوزارة الجديدة التي تشكلت، إطلاق سراح المعتقلين ومعظمهم من معارضي حزب الوفد، مثل على ماهر، ومكرم عبيد. وبعض الشبان الذين عرفوا بمناوأتهم للوفد، والعمال الذين طبعوا الكتاب الأسود، ولكنها استبقت الأحكام العرفية والرقابة على الصحف والمطبوعات. فقد اعتقل على ماهر، في حرم مجلس الشيوخ سنة 1942، واعتقل مكرم عبيد وبعض أنصاره عام 1944، ومنع الصحف من نشر آراء المعارضين ومقالاتهم، واعتقل بعض الضباط وبعض المدنيين لمجرد الاشتباه. ومع رفع الرقابة على الصحف، طغت على الفور المسألة الوطنية، وتراكمت الأهداف الوطنية مع فساد معاهدة 1936، مع الشعور بالكبت زمن الحرب، مع الرغبة في استغلال الظروف الجديدة، مع نظرة شاملة لشعوب العالم ترنو لإعادة بناء عالم جديد، تسوده الحرية والإخاء.
وحين عرضت مصر شكواها ضد إنجلترا على الأمم المتحدة، لم تقبل بسبب، الادعاء البريطاني بأن لمصر أطماعا في السودان، وأنها ترفض الاعتراف السودانيين في تقرير المصير. وأن مصدر النزاع هو تمسك الإنجليز بالدفاع عن حقوق السودانيين في تقرير المصير، وأنه لا نزاع بين مصر وبريطانيا حول مبدأ المفاوضات ولا حول مبدأ الدفاع المشترك، وأن النزاع ينحصر فقط فيما أثير عن السودان، وأن الجلاء متفق عليه في مشروع موقع عليه بالأحرف الأولى.
من جهة أخرى عندما سافر النقراشي رئيس الحكومة لعرض القضية على مجلس الأمن، أرسل النحاس باشا برقية إلى سكرتير عام الأمم المتحدة، وأخرى إلى رئيس مجلس الأمن، يشكك في موقف النقراشي باشا ومصداقيته.
بجانب فشل الحكومات المتعاقبة منذ عام 1924، في تحقيق الجلاء. اشتركت الأحزاب الليبرالية جميعا التي تشكلت بعد ثورة 1919، في غياب البرامج السياسية، التي تعالج مشاكل المجتمع، ورسم اطار السياسات الاجتماعية اللازمة لحلها.

فقد جاءت هذه الأحزاب من النخبة كبار الملاك، فلم تهتم إلا برعاية مصالحها الذاتية، على حساب مصالح الجماهير الشعبية. وجاءت المقترحات الخاصة بالإصلاح الاجتماعي من عناصر لا تنتمى إلى تلك الأحزاب؛ ولقيت مقاومة شديدة من جانبهم مثل: الاقتراحات الخاصة بالإصلاح الزراعي، وتوفير الرعاية الصحية للفلاحين، وحماية الملكيات الصغيرة، والتعليم الإلزامي، وغيرها. ولم تصدر التشريعات العمالية التي صيغت خلال تلك الحقبة، إلا تحت ضغط الحركة العمالية، وبصورة تقل كثيرا عما كان يطمح اليه العمال. وحتى تلك التشريعات الهزيلة، تضمنت النص على عدم سريانها على عمال الزراعة، زيادة في الحرص على مصالح كبار الملاك، الذين يجلس ممثلوهم في سدة الحكم. ويشغلون مقاعد البرلمان ممثلين لمختلف الأحزاب السياسية.
في ظل ذلك النظام السياسي، أُخْلِيَت ساحة البرلمان والسلطة التنفيذية، للشريحة العليا من كبار الملاك الزراعيين وأصحاب الأعمال، فعملوا من خلال الهيئتين التشريعية والتنفيذية على رعاية مصالحهم الطبقية الضيقة وحدها. ووقفوا سدا منيعا، في وجه دعوات الإصلاح، التي روج لها بعض من تميزوا ببعد النظر، من مثقفي نفس الشريحة الاجتماعية. فرفضوا المقترحات التي قدمت لحل بعض جوانب المسألة الاجتماعية، التي تفاقمت خلال تلك الفترة، ورأوا أن إبقاء الطبقات الفقيرة تعانى الفقر والجهل والمرض (ثالوث المسألة الاجتماعية عندئذ) أضمن لمصالحهم، فتقاعسوا عن محاولة إيجاد حلول للمسألة الاجتماعية التي ازدادت تفاقما، وأدى ذلك إلى استفحال مظاهر الرفض الاجتماعي التي قوبلت -دائما- بالقمع من جانب السلطة.
وعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من أن مجانية التعليم الإلزامي هو من بنود دستور 1923، فالمناقشات التي دارت بالبرلمان أثناء نظر قانون التعليم الأولى عام 1932، حيث اعتبر بعض النواب أن تعليم اولاد الفقراء، خطر اجتماعي هائل لا يمكن تصوُّر مداه، لأن ذلك سيؤدى إلى زيادة عدد المتعلمين العاطلين؛ بل يؤدى إلى ثورات نفسية، وطالبوا بأن يقتصر التعليم على أبناء الموسرين من أهل الريف، وعبَّر نائب آخر عن خشيته من أن يفسد التعليم أبناء الفلاحين، ويجعلهم يعتادون حياة المدينة، ويخرجون إلى حقولهم بالبلاطي والأحذية ويركبون الدراجات، ويتطلعون إلى ركوب السيارات. وعندما طرح قانون التعليم الإلزامي للمناقشة بالبرلمان 1937- 1938، تجدَّد الحديث حول الخشية من إفساد التعليم للفلاح، وأبدى أحد النواب مخاوفه، من أن يجد الفلاحين، وقد ارتدوا جلاليب مكوية أو طواقي بالآجور وأحذية ملونة، يتحول أصحاب الجلاليب الزرقاء إلى أصحاب جلاليب مكوية”. ورفض قانون الإصلاح الزراعي الذي قُدِّمَ للبرلمان مرتين؛ الأولى عام 1945، قدَّمه محمد بك خطاب، والثانية عام 1950، قدَّمه المهندس إبراهيم شكري.

وتكشف تلك المناقشات عن مدى غياب الوعى الاجتماعي عند كبار الملاك المصريين، الذي يرى إبقاء الطبقات الفقيرة، تعيش في فقر وجهل ومرض أضمن لمصالحها. والتالي وقفت ضد كل علاج يطرح لحل بعض جوانب المسالة الاجتماعية من خلال وضع مسكنات لها، فضلا عن التفكير في الحلول الجذرية.
يقول كمال الدين حسين: “الفلاح المصري طول عمره.. إلى أن قامت الثورة مظلوم.. أنا شفت بعيني الفلاحين حفاة عراة، ما عندهمش في بيتهم غير الحصيرة وزلعة المش ورغيف الدرة. لو أمكن إن ده يتيسر؟ يبقى نعمة كبيرة من عند ربنا.. فكان ده حال ما يرضيناش أبدا طبعا”.







