أوضح القرءان الكريم، وهو الكتاب الحكيم الذي أنزل للناس كافة، واقع الاختلاف والتباين في حياة البشر الاجتماعية؛ بل وتناولها بوصفها سُننا كونية وسُننا اجتماعية، تحكم حركة المجتمعات وتطورها. فكما أن الاختلاف في الألوان والألسنة آية من آيات الله سبحانه وتعالى؛ فإن الاختلاف في الآراء والأفكار والمناهج الاجتماعية هو جزء من نظام إلهي محكم، يحمل في طياته حِكما بالغة وأسرارا عميقة.
والواقع أن القرءان الكريم لا يكتفي بإثبات وجود الاختلاف؛ ولكن يحدّد وظيفته، ويبيّن آثاره، ويُظهر كيف يستثمره الإنسان إمّا في البناء أو في الإفساد، وكيف تحكمه سننٌ دقيقة تعبّر عن قوانين الاجتماع البشري في نظر القرءان.
وإذا كنا قد تناولنا من قبل، في مقالنا السابق “الاختلاف وأثره في التدافع الإنساني”، أربع من صور الاختلاف بوصفه “سُنَّة اجتماعية” فإننا هنا سوف نتناول أربع صور أخرى من صور الاختلاف وتأثيره في البناء الاجتماعي.
خامسا: الاختلاف وأثره في البناء الاجتماعي
يحدّد التنزيل الحكيم بوضوح اختلاف الاتجاهات الإنسانية، كما يؤكد ذلك قوله سبحانه وتعالى: “وَلِكُلّٖ وِجۡهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَاۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ…” [البقرة: 148]. هذه الآية الكريمة تكشف أن لكل إنسان أو جماعة وجهة فكرية وسلوكية، وأن هذا التوجّه يصنع الخيارات الاجتماعية. ولا يطالب القرءان بإلغاء الوجهات، بل يرسم مسارا حضاريا محدد المعالم: “فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ”.
أيضًا، يتجلّى اختلاف القيم في آية أخرى، نعني قوله سبحانه: “ثُمَّ أَوۡرَثۡنَا ٱلۡكِتَٰبَ ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ فَمِنۡهُمۡ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ وَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞ وَمِنۡهُمۡ سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَضۡلُ ٱلۡكَبِيرُ” [فاطر: 32]. وهذه الآية تبيّن ثلاث فئات اجتماعية، يقول عنهم تبارك وتعالى: “ٱلَّذِينَ ٱصۡطَفَيۡنَا مِنۡ عِبَادِنَاۖ”: الأول “ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ”، أي إنه يميل إلى الانحراف الاجتماعي؛ والثاني “مُّقۡتَصِدٞ”، أي يحاول أن يكون متوازنا؛ والثالث “سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ”، أي إنه فاعل إيجابي اجتماعيا.
ولنا أن نتأمل الارتباط بين هذه الآية الكريمة، والآية التي سبقتها خاصةً بالنسبة إلى الأمر الإلهي “فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ” [البقرة: 148]، وبين الوصف الإلهي “سَابِقُۢ بِٱلۡخَيۡرَٰتِ” [فاطر: 32]. وبالطبع، يظهر من هذا التقسيم، أن القرءان الكريم يهتمّ بالتصنيف الاجتماعي للسلوك، ويعتبر اختلاف الناس في مراتب الأخلاق والعمل عاملا مؤثرا في حركة المجتمعات.
سادسا: الاختلاف بوصفه سُنَّة للتمييز الاجتماعي
من الآيات المركزية في هذاه المسألة، قوله تعالى: “مَّا كَانَ ٱللَّهُ لِيَذَرَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ عَلَىٰ مَآ أَنتُمۡ عَلَيۡهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِۗ…” [آل عمران: 179]. هذا التمييز سُنّة اجتماعية مهمّة: فالمجتمعات تمرّ بظروف تجعل الفئات تتّضح مواقفها، ويتبيّن معدنها. وهذه السُنّة قائمة على وجود اختلاف أصيل بين الناس، لا يزول، لكنه يخضع للابتلاء والتمحيص.
ويظهر هذا المعنى أيضا، في قوله سبحانه: “… وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُور” [آل عمران: 154]. فالاختلاف في المواقف أثناء الشدائد يكشف حقيقة البنية الاجتماعية: من يصبر، ومن ينكص، ومن يبادر، ومن يلتفّ حول الجماعة.
سابعا: الاختلاف المؤدي إلى الانقسام وما يترتب عليه
لا يحجب القرءان الكريم الجانب السلبي للاختلاف؛ ولكن يعرضه عرضا تاريخيا واسعا، ويبيّن كيف يتحوّل إلى تفرّق وتمزّق إذا غابت القيم الضابطة. فيقول تعالى: “وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ” [آل عمران: 105]. وهذه الآية تُشير إلى سُنّة اجتماعية خطيرة: إن الاختلاف عندما ينفصل عن الحقّ يتحوّل إلى تفرّق مُمزِّق.
ويبين التنزيل الحكيم – في سياق آخر- أن التقاتل بين المؤمنين أنفسهم من مظاهر الاختلاف المنحرف؛ كما في قوله عزَّ وجل: “وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ” [الحجرات: 9]. وبالرغم من أن الاقتتال جاء نتيجة الاختلاف، فإن القرءان الكريم يضع له آليات إصلاح اجتماعي: “فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ”.
ولكن، ماذا لو “بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ” هنا يكون الحل القرءاني “فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ”.. فالبغي، في هذه الحال، انحراف في إدارة الاختلاف، يُعالَج عبر آليات العدالة.
ثامنا: الاختلاف باعتباره أساسًا للتنوع الحضاري
لعل من أبرز الآيات الدالّة على التنوع الحضاري نتيجة الاختلاف، يأتي قوله عزَّ من قائل: “… فَٱحۡكُم بَيۡنَهُم بِمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُۖ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَهُمۡ عَمَّا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡحَقِّۚ لِكُلّٖ جَعَلۡنَا مِنكُمۡ شِرۡعَةٗ وَمِنۡهَاجٗاۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَجَعَلَكُمۡ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ وَلَٰكِن لِّيَبۡلُوَكُمۡ فِي مَآ ءَاتَىٰكُمۡۖ فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ فِيهِ تَخۡتَلِفُونَ” [المائدة: 48]. إذ، عبر هذه الآية الكريمة، يثبت القرءان الكريم أنّ التنوّع في الشرائع ـ في العصور والأمم ـ جزء من بنية التاريخ الإنساني.
والغاية منه بالتأكيد ليست التفاضل السلبي، بل توجيه البشرية نحو التنافس في الخيرات، كما يأتي الأمر الإلهي في الآية “فَٱسۡتَبِقُواْ ٱلۡخَيۡرَٰتِۚ”. هذه الرؤية تجعل الاختلاف الحضاري والفقهي انعكاسا للاختلاف الاجتماعي عبر الزمن، وتؤسّس لمبدأ “التعددية” المقامة على قيم مشتركة.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن صور الاختلاف في القرءان الكريم، تلك المتعلقة بالسنن الاجتماعية، واسعة وعميقة. فالاختلاف ليس مشهدا وصفيا؛ بل جزء من قوانين الاجتماع التي تحكم حركة الأمم والأفراد. والقرءان يحدّد لهذا الاختلاف وظائف أساسية: التعارف، التكامل، التدافع، التمييز، الابتلاء، والتنافس في الخيرات. كما يبيّن مخاطره حين يتحوّل إلى تفرّق أو بغي.
ومن خلال الآيات التي عرضناها، يتضح أن القرءان ينظر إلى الاجتماع الإنساني نظرة واقعية، تُدرِك تنوّع البشر، وتعتبره جزءا من الإرادة الإلهية، وفي الوقت نفسه تحثّ على تهذيبه بالقيم، وإدارته بالعدل، وتوجيهه نحو البناء.
وهكذا يصبح الاختلاف من منظور قرءاني، ليس مصدرا للتوتّر فحسب، ولا ميدانا للصراع وحده، ولكن طاقة اجتماعية كبرى، إذا استثمرت في إطار السنن والقيم، كانت سببا في نهضة المجتمعات، وازدهار العقول، وتقدّم الحضارات.
وللحديث بقية.








