رؤى

هل كان انقلاب الضباط الأحرار حتميًا من أجل تحقيق أهداف ثورة 19؟! (4-4)

لقد فشلت جميع المفاوضات التي جرت بين الساسة المصريين وبريطانيا، بعد صدور تصريح 28 فبراير 1922، لوضع حد للتدخل البريطاني في شئون مصر الداخلية، في شكل معاهدة. كما شغل الصراع على الحكم اهتمام الوفد، بما يفوق اهتمامه السابق بالعلاقات البريطانية المصرية، فبدا أن حرمان الوفد من السلطة، وسيلة فعالة لإجباره على عقد تسوية مع بريطانيا، وتحويل انتباهه إلى المعارضة الداخلية.

من جهة أخرى كانت أوتوقراطية الوفد وتبعية المنشقين للملك والإنجليز، كما وصفها الدكتور رؤوف عباس بسبب أوتوقراطية الزعامة الوفدية – وراء الانشقاقات التي حدثت في الوفد، نتيجة انفراد «الزعيم» باتخاذ القرارات، حتى لو خالف بها أغلبية أعضاء «‏هيئة الوفد». وكانت هذه الانشقاقات وخروج العناصر المشهود لها بسابقة الجهاد الوطني، إضعافًا لقدرة الوفد على الحركة، وتهديد لبنيانه الداخلي.

وزاد من حدة الأزمة الداخلية للوفد أن خروج هذه القيادات، صَاحَبهُ دخول عناصر من كبار الملاك إلى قيادته. فشكلت قوة ضاغطة وراء سياسة مهادنة واحتواء ودعم من التأثير السلبى لهذه العناصر طبيعة تنظيم الوفد، الذى لا يأخذ بمبدأ الانتخابات، ويعتمد على صلاحيات الرئيس، التي تسمح له بتعيين أعضاء «‏هيئة الوفد» أي القيادة العليا للحزب. أضف إلى ذلك ما ترتب على الانشقاقات الأخيرة من تعميم أزمة الثقة بالقيادة الوفدية، لما لاكته الألسن والاقلام، عن التصرفات الماسة بنزاهة الحكم الوفدي عام 1942.

ورغم أن الوفد كان المدافع الأول عن الديمقراطية في مصر خلال تلك الفترة، إلا أنه لم يأخذ بها في تنظيمه. فصلاحيات‏ الزعيم تفوق صلاحيات القيادة كلها، وقراراته لا تقبل الجدل، ولذلك لم تكن تنظيمات الوفد على درجة من القوة والثورية، تمكنها من الدخول في معارك طويلة الأمد مع القصر آو الانجليز. وإنما تمرَّست في تنظيم المظاهرات والاضرابات ذات الطابع الوقتي المحدود. وبذلك يمكن القول أن الوفد المصري، كان يعتمد على اثارة المشاعر التلقائية للجماهير المرتبطة به، اكثر من اعتماده على قوة التنظيم الحزبي.

وقد شاركته في ذلك أحزاب الأقلية، التي خرجت من تحت عباءته، سواء في ذلك (الأحرار الدستوريين) ‏ أو (الهيئة السعدية) أو‏ (الكتلة الوفدية). فغالبا ما كان رئيس الحزب، هو الذى يتولَّى تعيين أعضاء مجلس القيادة، وقد يطلب إلى الجمعية العمومية للحزب، تزكية ذلك التعيين (كما في حالة حزب الأحرار الدستوريين)، وقد لا يحتاج إلى ذلك. ولم تكن لتلك الأحزاب ‏من الناحية الفعلية،‏ مستويات قاعدية تغذى التنظيمات القيادية بالكوادر، فقد كان انضمام الأفراد إلى القيادة دون المرور بالعضوية، أمرا واردا عند جميع الأحزاب، ما أتاح لبعض الشخصيات فرصة الانتقال من قيادة حزب إلى آخر أربع مرات خلال ثلاث سنوات.

ولعل ذلك يفسر السهولة التي استطاعت بها ثورة يوليه التخلص من هذه الأحزاب، بقرار الحل الذى صدر في يناير 1953، فلم تتحرك الجماهير للدفاع عن تلك الاحزاب (بما فيها الوفد)، لغياب القواعد الحزبية التنظيمية في تنظيماتها، ولعدم اهتمامها بتربية الكوادر، ولعجزها عن تقديم برامج تقدم حلول لمشاكل الجماهير.

ولعل أوتوقراطية الوفد والمنشقين عنه – بل وأوتوقراطية النظام السياسي قبل 1952، حيث إن حزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية، لم يتول الحكم سوى نحو سبع سنوات متفرقة خلال ثلاثين عاما، وأن عشر برلمانات لم يكمل مدته سوى اثنان منهما- تبرر أوتوقراطية نظام ثورة يوليه، فقد كان من المستحيل عليها، إجراء تغيرات ثورية لمجتمع توالى عليه الاحتلال الأجنبي لمئات السنين في ظل نظام ديموقراطي. لكن برغم أن نظام ثورة يوليه هو أيضا حكم الفرد، لكنه لم يكن حكما عسكريا، فهناك فرق بينهما. وقد أُخْرِجَ العسكريون المسيَّسون من الجيش عام 1954.

وأما دور عبد الحكيم عامر رغم سلبياته، وما تسبب في هزيمة فادحة عام 1967، فلم يكن دورا سياسيا وإنما دور أمني، للحيلولة دون وقوع انقلابات، كما كان يحدث في سوريا، بل وكما حدث بالفعل في مصر عامي 1953 و1954. ويقر بذلك الفريق أول صادق في مذكراته حيث قال: لقد كنا نضبط انقلابات بمعدل واحد كل ستة أشهر.

ولكن ماذا تَبَقَّى من ثورة يوليه؟ تَبَقَّى عودة قناة السويس لمصر، والسد العالي الذي نعيش اليوم في حِمَاه، ودخلنا حربا من أجلهما. والأهم هو تكوين طبقة متوسطة عريضة لم تكن موجودة قبل الثورة، على الأقل بهذا الحجم. وهي ثمرة إعادة توزيع الأرض الزراعية ونشر التعليم المجاني والعلاج المجاني لأول مرة في التاريخ يدخل إلى أربعة آلاف قرية.

 

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي
زر الذهاب إلى الأعلى