ترجمة: أحمد بركات
بعد مرور ما يقرب من شهرين ونصف على إعلان وقف “إطلاق النار” في فلسطين، أثبتت خطة ترمب للسلام أنها اسم على غير مسمى، حيث تتواصل أعمال العنف في غزة ما أسفر عن مقتل أكثر من 360 فلسطيني، بينهم 70 طفلا، فيما لقيَّ ثلاثةُ جنودٍ إسرائيليين مصرعهم منذ 10 أكتوبر الماضي.
ورغم أن معظم الفلسطينيين الذين قُتلوا كانوا “خسائر جانبية” وقعت على هامش الغارات الجوية الإسرائيلية على البنايات السكنية، أو الخيام، أو حتى الأنقاض من أجل تعقُّب عناصر حماس، إلا أن ذلك لم يثنِ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن الإعلان عن استعداد بلاده للانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة السلام التي طرحها الرئيس ترمب.
ومع ذلك، تشير التقارير الواردة من واشنطن إلى أنه ثَمَّ تغييرات طرأت على الخطة المكوَّنة من 20 نقطة، حيث أُسْقِطَ اسم رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، توني بلير- من بين تعديلات أخرى- والذي كان مرشحا للاضطلاع بدور محوري في مجلس السلام، وربما تولي رئاسته، على خلفية معارضة بعض الدول العربية والإسلامية لترشحه بسبب تورطه في الغزو الأمريكي على العراق في عام 2003، وفق ما نشرته صحيقة “فاينانشال تايمز”.
![]()
ورغم أن ذلك يُمثِّل ضربة لرئيس الوزراء الإسرائيلي، إلا أن حكومة نتنياهو لا تزال تواصل وضع أجندتها، ولا يزال رئيس الوزراء يضع ثقة كاملة في استمرار ولاء ترمب بسبب القوة التصويتية التي يُمثِّلها ملايين الصهيونيين المسيحيين في الولايات المتحدة. تتبدى هذه الثقة بجلاء في حالات كثيرة تعمل فيها إسرائيل على أساس أنها تتمتع بحصانة أمريكية دائمة وغير مشروطة. يأتي في هذا لإطار -في المقام الأول- قيام نتنياهو بضم معظم قطاع غزة بأريحية بالغة.
في هذا السياق هُجِّرَ ما يقرب من مليوني فلسطيني قسرا، وحوصروا في شريط ضيق في المناطق الحضرية على طول الساحل، والتي تعاني من الدمار، وتُعرف باسم المنطقة الحمراء، فيما تحتل القوات الإسرائيلية المنطقة الخضراء التي تشكل 58% من إجمالي مساحة قطاع غزة. وتفصل أعمدة خرسانية صفراء بين المنطقتين، ما يعتبره الجيش الإسرائيلي حدود إسرائيل الجديدة مع غزة.
وهناك أيضا عمليات التجسس التي تنفذها إسرائيل ضد قوات الأمن الدولية الموجودة في مركز التنسيق المدني العسكري، وهو المركز المنوط به مراقبة وقف إطلاق النار، والذي أنشأته الولايات المتحدة في مدينة كريات جات جنوب إسرائيل، على مسافة 20 كيلو مترا فقط من غزة، منذ 10 أكتوبر.

وخارج غزة، أطلق الجيش والشرطة الإسرائيليان يد القتل والتنكيل بغير حسيب أو رقيب ضد ثلاثة ملايين فلسطيني يعيشون في الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلَين. فمنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، منذ أكتوبر 2023، قتلت القوات الإسرائيلية أكثر من 1000 فلسطيني في الضفة الغربية، فيما هُجِّرَ نحو 32 ألف فلسطيني قسرا خلال الأشهر الإثنى عشر الماضية ليعيشوا في مخيمات اللاجئين في شمال الضفة الغربية.
وفي الوقت الحالي، يواجه ما لا يقل عن 34 عائلة فلسطينية في حي بطن الهوى بالقدس الشرقية خطر الإخلاء على يد مجموعة من المستوطنين الإسرائيليين.
وذكر تقرير أصدرته الشهر الماضي منظمة “أنقذوا الأطفال”، وهي منظمة بدأت عملها في فلسطين منذ عام 1953، وتتمتع بوجود دائم في المنطقة على مدى الخمسين عاما الماضية، أن “العمليات العسكرية الإسرائيلية أجبرت مجتمعات بأكملها في مناطق في شمال الضفة الغربية على البقاء في منازلهم، ما أدى إلى حرمان الأطفال من الذهاب إلى المدارس، وتعريض دخل الأسر للخطر، وتفاقم تهديدات التعرض للعنف الجسدي واعتقال الأطفال من قبل الجيش الإسرائيلي”.
وخلصت المنظمة إلى أن “مستقبل جيل بالكامل يواجه خطرا بالغا”، مشيرة إلى “الآفاق الكارثية التي تنتظر الأطفال الفلسطينيين جراء القيود المفروضة على المساعدات، وعنف المستوطنين، وهدم المنازل، ومصادرة الأراضي، وتدمير البنية التحتية”.

ومن ثم فإن الصراع في غزة سيمتد أمده وسيطال تأثيره العديد من الأجيال من الفلسطينيين، ولن يمنح اليهود الإسرائيليين -على الجانب الآخر- الأمن الذي ينشدونه، حيث يلتف المزيد من الفلسطينيين المفجوعين والغاضبين حول قضية حماس.
في غضون ذلك يثير توجهٌ – رُصِدَ مؤخرا- دهشة المحللين المستقلين. يتمثل هذا التوجه في التراجع اللافت في التأييد الشعبي الأمريكي لإسرائيل، حيث “يرفض غالبية الأمريكيين الآن، أعمال الجيش الإسرائيلي في غزة” والأكثر من ذلك أنه “لأول مرة تفوق أعداد الأمريكيين الذين يدعمون الفلسطينيين نظرائهم الذين يدعمون إسرائيل”، وفق تقرير نشرته صحيفة “لو موند ديبلوماتيك”.
ومن ثم، فإنه بينما قد يكون نتنياهو على حق في ثقته في دعم ترمب، إلا أن موقف الرئيس الأمريكي قد يتغير فجأة، إذا اعتقد أن صورته قد تهتز في الداخل.








