فن

فيلم “الملحد”.. ضجيج بلا فن

عاصفة من الهجوم والريبة بدأت ولم تهدأ؛ منذ الإعلان عن البدء في تصوير فيلم “الملحد”. عاصفة تثبت لنا وللمرة الألف أننا متحضرون من الخارج، متخلفون من الداخل، نمتلك عقولا متجمدة أصابها العطب من قلة الاستعمال، مرضى بالخوف من الحديث في أي شيء ومواجهة أي شيء، خوف جعل البعض يهاجم فيلما من قبل أن يُعرض، باتهامات بتشويه الإسلام والترويج للإلحاد! وكأن الدينً هشٌ لدرجة أن يوثر فيه عمل فني.. والجمهور مرتعش لدرجة أنه قد يتأثر بفيلم؛ ويترك دينه فور مشاهدته! لم نعدْ نقوى على التفكير ومواجهة الرأي بالرأي والفكر بالفكر، وأمام طوفان الجهل والإرهاب الفكري تراجع المسئولون عن موافقتهم على عرض الفيلم، وقرروا منعه، ليثبتوا لنا ألا فرق بينهم وبين من هاجم الفيلم، الكل مريض بالخوف وعدم المواجهة، الكل يخشي التفكير واستعمال عقله الذي منحه الله إياه، ليعود الفيلم بعد ذلك بحكم المحكمة، السبب الآخر لمهاجمة الفيلم هو أن كاتبه هو إبراهيم عيسى، والذي اعتاد من وقت لآخر إثارة الجدل بآراء قد تبدو صادمة للبعض، ولو كان العمل من تأليف شخص آخر غير  الأستاذ إبراهيم، لما أثار كل تلك العاصفة.

نعود للفيلم الذي تدور أحداثه حول يحيى الطبيب الشاب – الشخصية أداء أحمد حاتم- والذي قرر أن يكون ملحدا، باعتبار ذلك رد فعل لتصرفات أبيه السلفي المتشدد – الأداء لمحمود حميدة- حيث تبدأ الأحداث بيحيى وهو يجري في الشارع؛ حتى يصل إلى البيت، قبل تزويج أخته الصغيرة ذات الـ 14 عاما، معلنا رفضه لهذه الزيجة. يطرد يحيى العريس وأهله، كما يهدد أباه والجميع بإبلاغ الشرطة عن هذه الزيجة المخالفة للقانون، ينفعل الأب على الابن ويصفه بأن الشيطان سيطر عليه وملك تفكيره “جملة خارج سياق الحوار كأن الأب يعرف أن الابن سوف يلحد” ثم يحبس الابن في غرفته حتى يتم الزواج، وفي الصباح يجلس يحيى أمام الأب والأم، ويعاتبه الأب على تصرفه أمس، ليفاجئه الابن بجملة “أنا كفرت” بكل مباشرة وفجاجة.. كلمة صادمة للأب، لكنها أثارت الضحك في صالة العرض، لأنها مباشرة وسطحية بشكل مثير للسخرية، فعندما يُعلن طبيبٌ عن إلحاده؛ فإن ذلك يكون بحوار ومفردات غير هذه الجملة الساذجة المباشرة، تُحدث الجملة صدمة للأب والأم، وينسحب يحيى من أمامهما، ويذهب الأب لأخيه عالم الآثار- الأداء لحسين فهمي- الأقرب عقليا ونفسيا للابن؛ كي ينصحه بالعدول عن ما قال، وفي مشهد آخر أكثر سذاجة وسطحية بين الأب وأخيه؛ حتى يكون هناك مبررا للحديث عن تحريم التماثيل أو الأصنام، كما يطلقون عليها.. ثم تأتي زوجة الأخ -الدور لنجلاء بدر- لتصافح الشيخ حافظ، رغم علمها بموقفه من مصافحة النساء؛ ليبدأ حوار آخر ساذج ومباشر بين الأخوين عن تحريم مصافحة النساء، بعدها تبدأ جلسات الاستتابة التي عقدها الأب ومعه أصدقاؤه من الشيوخ السلفيين للابن. حوار مباشر أو “مكلمة” اعتدنا عليها في أعمال إبراهيم عيسى، مرة حول أصل الكون ومرة حول حقيقة الأديان، أسئلة طرحت منذ آلاف السنين، ورُدَّ عليها.. وبالتأكيد أن الطبيب الشاب قرأ وبحث قبل أن يعلن إلحاده، كما أن الفيلم قدّم فكرة الإلحاد بوصفها رد فعل لسلوك الأب، ولا علاقة لهذا السلوك بالشك في وجود إله.

ظهر الأب وجماعته بصورة نمطية غير واقعية، اعتاد ابراهيم عيسى تقديمها في كل أعماله، جلاليب بيضاء قصيرة، وشال أبيض فوق الرءوس ولحى طويلة وصوت أجش حاد، نموذج اختفى من الواقع، منذ تسعينيات القرن الماضي، ولم يبق منه إلا ظل في خيال إبراهيم عيسى.

تستمر مشاهد الاستتابة بشكل مبالغ فيه؛ حتى يقرر الأب قتل الابن تنفيذا لحكم الردة، وعند محاولة تنفيذ الحكم الشرعي يسقط الأب على الأرض مريضا، وفي المستشفى يعرف أنه مريض بالكبد، ويحتاج إلى عملية زرع. وبالطبع يرفض المتشدد السلفي فكرة نقل الأعضاء؛ لأنها حرام من وجهة نظره، ثم ندخل في جدل مناقشة هذا الرأي، يبدأ الابن في قراءة بعض الكتب والآراء ومنها مذكرات شقيق طبيبة زميلة له في المستشفى -الدور لشيرين رضا- والذي انتحر بعد أن ألحد، يهرب الأب حافظ من المستشفى، ويعود لجماعته من أجل تنفيذ حكم قتل المرتد في ابنه، مرة أخرى تدور نفس المناقشة، وتنتهي بأن الابن لا يعود عن إلحاده، يمسك الأب بالسلاح لقتل الابن ولكنه يسقط ميتا، وفي منزله وقبل تكفينه يحاول العم مع الابن للمرة الأخيرة، ثم ينزل الجثمان إلى المسجد للصلاة عليه، ويقف الجميع بعد طلب العم في انتظار الابن لعله يتراجع.. وبالفعل يدخل الابن المسجد، وقد توضأ ليصلي على أبيه صلاة الجنازة، وينتهي الفيلم مع كلمة الله أكبر.

رغم جرأة الفكرة إلا أن ما قدمه عيسى لا علاقة له بالدراما، مجموعة من المشاهد والاسكتشات بلا رابط أو وحدة للموضوع، مشاهد حوارية طويلة ومباشرة وساذجة لحد الفجاجة.

إذا كان قدرنا أن يكون إبراهيم عيسى، بيننا كاتبا للسيناريو؛ فليس أقل من أن يدرس حرفية السيناريو، فهو علم وله أصول والكتابة للدراما لا تكون بالنية أو الإلحاح، والفكرة الجيدة لا تصنع بالضرورة فيلما جيدا، والكتابة لبرنامج حواري للتليفزيون أو الإذاعة تختلف بكل تأكيد عن الكتابة للدراما بكل أنواعها، ما يكتبه عيسى للدراما يشبه إلى حد كبير ما يكتبه لبرامجه التي تعتمد على حوار من طرف واحد، وهو مقدم البرنامج في مواجهة الجمهور، وهو ما تسبب في أن كل الشخصيات تتحدث بطريقة واحدة وبمفردات متشابهة. وهي طريقة كلام إبراهيم عيسى نفسه.

وفي أحد أكثر التصريحات المثيرة للجدل لإبراهيم عيسى قوله أنه اتجه للكتابة للدراما ليملأ الفراغ الذي تركه الكاتب الكبير وحيد حامد! وليعلم الكاتب الصحفي الكبير إبراهيم عيسى، أن الفراغ الذي تركه وحيد حامد، ما زال شاغرا ولم يملأه أحد، وإذا كنت تحاول ملء هذا الفراغ وهو حقك -بكل تأكيد- عليك أولا أن تتقن حرفية السيناريو، وكيف تكون الكتابة للسينما، ثم نبحث بعد ذلك مسألة  الفراغ الذي خلفه وحيد حامد.

في التمثيل أجاد بشكل كبير محمود حميدة، والقديرة صابرين،وأضاف وجود كل من حسين فهمي ونجلاء بدر في الفيلم بهجةً واتزانا،

وتبقى القيمة الوحيدة لهذا العمل أنه ألقى حجرا في الماء العكر، وأعلن أنه بالإمكان مناقشة أي فكرة وأي قضية مهما كانت شائكة، دون خوف من الإرهاب الفكري، ومرضى الخوف من مواجهة الرأي بالرأي والفكر بالفكر.

زر الذهاب إلى الأعلى