رؤى

إسقاط نظام فنزويلا: نهاية أوروبا والتقسيم الثلاثي للعالم

ترجمة: أحمد بركات

عقب إعلانه إلقاء القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته، ونقلهما خارج وطنهما، انهالت التهاني الحارة وقصائد المديح على الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، وبخاصة من قبل كبار رجال إدارته من شاكلة بيتر هيجسيث، وزير الدفاع / الحرب الذي يولي اهتماما أكبر بالظهور الإعلامي منه بالأمن العملياتي، فضلا عن التفكير الاستراتيجي.

ما لم يخطر ببال أحد في البيت الأبيض هو أن هذا الغزو، والاستئصال السياسي، والانتهاك الصارخ للقانون الدولي يمثل جنونا استراتيجيا، وأن صيحات التشجيع والتهليل خارج البيت الأبيض والقاعدة الانتخابية للرئيس الأمريكي لن تصدر خارجه سوى عن الكرملين وبكين.

أما عن الناتو فسيسلم نفسه إلى حالة من الهلع، إلا أن شيئا لن يتغير حيال الخضوع المذل الذي يصبغ سلوك قادة الحلف العسكري تجاه ترمب ووزيره هيجسيث، إذ أن إبداء أي موقف آخر سيعني أن أمريكا ترمب لم تعد ضمن قائمة الأصدقاء، فضلا عن أن تكون على رأس هذه القائمة، وأنها باتت حليفا غير موثوق، وأنها الآن، مع بزوغ فجر عام 2026، استحالت تهديدا وجوديا سافرا لبلدانهم.

فمزاعم الرئيس الأمريكي بأن عمليته تهدف إلى إسقاط دولة تمارس إرهاب تصدير المواد الأفيونية بكميات كبيرة إلى الولايات المتحدة، وقتل مئات الآلاف من الأمريكيين- ليست سوى محض هراء، إذ أن هذه المواد تدخل الولايات المتحدة قادمة من المكسيك وليس فنزويلا.

كما أن إطلاق هذا الادعاء، ذريعة لتسويغ انتهاك سيادة فنزويلا والإطاحة بنظام كاراكاس ليس سوى ترديد لمزاعم الأسلحة النووية التي يمتلكها نظام صدام حسين في مطلع هذه الألفية، والتي أطلقت عقودا من القتل والدمار والفوضى والإرهاب، وتمخضت عن ظهور “داعش” وغيرها من التنظيمات المسلحة، ومزقت الديمقراطيات الغربية التي تجرد بعضها من الأخلاق عندما ضرب بقوانينه عرض الحائط لملاحقة إرهابيين من صنع أكاذيب قادتها.

والآن هاجم ترمب إحدى دول الجوار دون أي تأييد دولي ليسير بصورة هزلية على خطى بطله وصديقه المغوار فلاديمير بوتين. وعلى غرار بوتين أيضا قام الرئيس الأمريكي بتسييس قواته العسكرية وأجهزته الاستخباراتية، وضرب استقلال القضاء في مقتل، وعزز النخبة الأوليغاركية.

على الناحية الأخرى أيضا، جدد الرئيس الصيني شي جين بينغ، في خطابه في بداية هذا العام، تهديداته فيما يتعلق بتايوان، مؤكدا أن “إعادة توحيد وطننا، والذي يمثل توجهنا في هذا العصر”، حتمية لا مفر منها”. وإزاء ذلك واصلت الصين إجراء العديد من المناورات الحربية الضخمة قبالة سواحل تايوان.

من جانبه لم يتوان الرئيس الأمريكي أيضا في التأكيد على أن التوجه السائد في عصر ترمب هو أن “الحق مع القوة”. لقد أطلق ترمب تهديدات صارخة تتعلق بالاستيلاء على دول الناتو، حيث شدد مرارا على أنه يجب ضم كندا، ولم يستبعد استخدام القوة لبسط سيطرته على جرينلاند طمعا في ثرواتها المعدنية، مؤكدا أنه “عاجلا أم آجلا، ستكون جرينلاند جزءا من الولايات المتحدة”.

كان من الممكن اعتبار تهديدات ترمب ضد جيرانه وحلفائه محض هذيان من رجل مختل، أو ثرثرة غير جادة من مخرب دبلوماسي. ولكنها لم تكن كذلك هذه المرة. فعلى خلاف جميع أكاذيبه وجعجعاته، نفذ ترمب هذه التهديدات وأوفى بذلك الوعيد، كما قد يحقق أحلامه في تحويل قطاع غزة إلى منتجع “غزة آ لاجو” (على غرار منتجع “مار آ لاجو” الذي يمتلكه في ولاية فلوريدا).

إن استراتيجية ترمب للأمن القومي تؤكد على أن أربع دول أعضاء في حلف الناتو ستجتاح قريبا من قبل دول غير أوربية. وبغض النظر عن أن هذه الفكرة العنصرية قد استمدها ترمب من منظري مؤامرة “الإحلال العظيم” (الذين يُطلق عليهم ’النازيون المعاصرون‘)، إلا أنها تبقى خطأ سافر.

ولكن ترمب الآن ينظر إلى العالم باعتباره يتألف من ثلاث مناطق، الأولى النصف الغربي الذي يجب أن يخضع للسيطرة الأمريكية، فيما تسيطر روسيا على أوروبا، والصين على بقية العالم.

هذه هي اللحظة التي وصفها الشاعر ويليام بتلر ييتس في قصيدته “المجيء الثاني” (The Second Coming): “لا يستطيع المركز أن يصمد. لقد أُطلقت الفوضى العارمة على العالم”.

إزاء ذلك، يتعين على قادة الغرب أن يعوا ما يجري عندما “يطلق العنان للمد الدموي”، وهو ما يحدث عندما “يفتقر الأفضل إلى الإيمان”. تلك هي اللحظة التي تحتاج أوروبا إلى النهوض من أجلها، ولكنها ستبقى رهينة القعود بينما المد الدموي يغطي كاحليها.

https://www.independent.co.uk/news/world/americas/venezuela-trump-maduro-captured-caracas-invasion-b2894105.html#n0shpnm31d4yl6lzi5n7utw500bpbtkn

 

 

 

 

 

 

 

 

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى