رؤى

أصول الحُكم الإسلامي.. وإشكالية منصب الخلافة

رغم مرور عقود على صدور كتاب: “الإسلام وأصول الحكم”، بما أثاره من التباسات وضجة، جعلته وثيقة ومحطة لافتة في التاريخ الثقافي العربي والإسلامي حول الحوادث الجدلية؛ إلا أن الكتاب، ومؤلفه الشيخ الأزهري والقاضي الشرعي علي عبد الرازق، يحمل راهنية في سياقنا المعاصر؛ وذلك لوطأة الأزمات النكوصية والارتدادية، والإلحاح من قوى عديدة على ابتعاث “الخلافة” و”الأممية الدينية/الإسلامية”، بوصفها مشروعا سياسيا، وإطارا للحكم، له شرعية مقدسة، ولا يمكن القبول بالاعتراض عليه أو حتى مناقشته.

والواقع، أن كتاب “الإسلام وأصول الحكم”، الصادر عام 1925، يُعد الزلزال الفكري الأعنف الذي ضرب العقل السياسي الإسلامي في القرن العشرين. ففي لحظة تاريخية فارقة أعقبت إلغاء الخلافة العثمانية على يد مصطفى كمال أتاتورك، لم يكتفِ عبد الرازق بتقديم قراءة فقهية جديدة، بل فجّر قنبلة معرفية أعادت تساؤل المسلمين عن جوهر العلاقة بين “الدين” و”الدولة”.

لم تكن قيمة الكتاب تكمن فقط في محتواه، بل في توقيته؛ حيث كان العالم الإسلامي يعيش “يُتْمًا سياسيا” ويبحث عن شرعية جديدة لمنصب الخليفة. في هذا المناخ، جاء عبد الرازق – وهو القاضي الشرعي وسليل المؤسسة الأزهرية – ليعلن أن الخلافة ليست أصلا من أصول الدين؛ بل هي ظاهرة سياسية دنيوية لا تستند إلى نص قطعي في القرءان أو السنة. لقد كان هذا الطرح بمثابة قطع إبستمولوجي (معرفي) مع قرون من التراث الذي دمج بين الإمامة والعقيدة.

الرسالة والحكم

يرتكز التحليل الفلسفي لعبد الرازق على التفريق الجوهري بين “الرسالة” بوصفها بلاغا روحيا يتصل بالوحي والمطلق، وبين “الحُكم” بوصفه تدبيرا بشريا يتصل بالنسبي والمصلحة. يرى المؤلف أن النبي عليه الصلاة والسلام كان رسولا مُبلّغا ولم يكن ملكا، أو “حاكما” مؤسسا لدولة بالمعنى السياسي الصرف، وأن كل ما نفّذه من تدابير إدارية كان “لوازم ضرورية” لإبلاغ الدعوة، لا لبناء هيكل سياسي تعبدي عابر للأزمان.

بهذا المعنى، حرّر عبد الرازق العقل المسلم من عبء “النموذج السياسي المقدس”، فاتحا الباب أمام مدنية الدولة. فإذا كان الإسلام لم يحدد نظاما مُعيّنا للحكم، فإن المسلمين أحرار في بناء دولهم وفق ما تقتضيه علوم السياسة الحديثة وتجارب الأمم الناجحة، ما دام ذلك لا يصادم جوهر الأخلاق والدين.

وقد أثارت هذه الأطروحة عاصفة لم تهدأ حتى اليوم؛ فقد اتُهم عبد الرازق بتبني الفكر “العلماني” (دون تحديد معنى العلمانية)، وتفكيك وحدة الأمة. لكن القراءة العميقة توضح أنه لم يسعَ لفصل الدين عن الحياة، بل سعى لتنزيه الدين عن صراعات السلطة وتقلبات السياسة. لقد أراد حماية “المقدس” من أن يصبح أداة في يد “الحاكم”، محولا شرعية الحكم من “الحق الإلهي” أو الوراثي، إلى “الإرادة الشعبية” والعقد الاجتماعي.

حجج مشروعة

استند عبد الرازق إلى مجموعة من الآيات التي تحدد وظيفة النبي عليه الصلاة والسلام في “البلاغ” فقط، وتنفى عنه صفة “المسيطر” أو “الوكيل” بمفهوم السلطة الزمنية، ومنها:

– آيات الحصر في البلاغ.. مثل قوله سبحانه: “… فَإِنَّمَا عَلَيۡكَ ٱلۡبَلَٰغُ وَعَلَيۡنَا ٱلۡحِسَابُ” [الرعد: 40]؛ وقوله تعالى: “… وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ” [النور: 54 & العنكبوت: 18]. وقد جادل الشيخ بأن هذه الآيات صريحة في قصر مهمة الرسول على الجانب الروحي والهداية، وليست مهمة ملك أو سلطان يمارس القهر والإكراه.

– نفي الحفيظ والوكيل.. مثل قوله عزَّ وجل: “… فَمَنۡ أَبۡصَرَ فَلِنَفۡسِهِۦۖ وَمَنۡ عَمِيَ فَعَلَيۡهَاۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ” [الأنعام: 104]؛ وقوله عزَّ من قائل: “نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَقُولُونَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡهِم بِجَبَّارٖۖ…” [ق: 45]. وقد رأى عبد الرازق أن السياسة بطبعها تقوم على الإلزام المادي والقوة، بينما ينص القرءان الكريم على أن علاقة الرسول بأمته علاقة هداية اختيارية لا سلطة إكراهية.

من جانب آخر، فقد ركّز الشيخ على الأحاديث التي تفرق بين شئون الدين وشئون الدنيا، واعتبر أن تصرفات النبي في الإدارة والحروب كانت بوصفه بشرا يعيش في بيئة لها متطلباتها، وليس بوصفه مُشرِّعا لدولة أبدية:

– حديث “تأبير النخل”.. وهو الحجة الأشهر التي استغلها عبد الرازق، حيث قال النبي عليه الصلاة والسلام: “أنتم أعلم بشئون دنياكم”. ومن ثم، اعتبر الشيخ هذا الحديث نصا صريحا في فصل الشئون الدنيوية (ومنها نظام الحكم والإدارة)، عن الوحي الإلهي.

– غياب الوصية بالخلافة.. واستدل بـ”السكوت النبوي”؛ فلو كانت الخلافة ركنا من أركان الدين أو أصلا من أصوله، لما تركها النبي دون تحديد واضح لطريقة اختيار الحاكم، أو وضع دستور لنظام الحكم بعده. هذا الفراغ – في نظره – دليل على أنها تُركت لعقول البشر ومصالحهم.

خليفة المسلمين

وفي حين لم يتردد الشيخ عبد الرازق في القول بأن حكم النبي كان له طبيعة خاصة، حيث لم يتعاطَ مع مصالح الناس إلا بمنطق كونه “نبيا” وليس حاكما؛ وبالتالي، كان خضوع الناس له خضوعا إيمانيا وليس إذعانا سياسيا، بما أدى إلى ميل الناس له طواعية وليس قسرا.. فإنه يؤكد على أن حكم الصديق ليس له أي صفة دينية بالضرورة، بل “حكومة مدنية”، حيث إن “الوحي كان قد انقطع” بوفاة النبي محمد عليه الصلاة والسلام.

ويؤكد “عبد الرازق” بأن الإسلام لم يعين نمطا محددا وشموليا في الحكم، والخلافة لم تكن في أية لحظة ضرورة دينية أو شرعية؛ مُقررا أن هذه القضية محكومة بتطور الأوضاع التاريخية، وتتحدد بناءً على طبيعة العمران البشري والاجتماعي والسياسي، وبما يخدم مصلحة الجماعة والأمة؛ ومُشيرا بوضوح، في كتابه، إلى أن: “الخلافة التي خرجت من مكة إلى دمشق، وبغداد، والقاهرة، وإسطنبول، على ضفاف البوسفور، كانت مجرد عباءة، تتخفى فيها شتى أنواع القمع والظلم والفتن، التي نالت من الدين، وانتهكت قدسيته، بسبب التطلع للحكم، ومطامع السلطة”.

ويقول الشيخ: “لا شيء في الدين يمنع أن نسابق الأمم الأخرى في علوم الاجتماع والسياسة، وكيف بنوا قواعد ملكهم ونظام حكومتهم على أحدث ما أنجبت العقول البشرية، وأمتن ما دلت تجارب الأمم على أنّه خير أصول الحكم”؛ مؤكدا أن المسائل السياسية، وأجهزة الحكم ووسائله، هي “خطط سياسية صرفة لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها، ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا لنرجع فيها إلى إحكام العقل، وتجارب الأمم”.

ويرفض صاحب: “الإسلام وأصول الحكم”، الإقرار بمبدأ الخلافة بدعوى “الإجماع” حول الخليفة، كما في فترات اختيار الخلفاء بعد وفاة الرسول، وعدّها صورة غير واقعية؛ إذ، “لم يحدث في أي عصر أن الأمة بجملتها وتفصيلها اشتركت بالفعل في بيعة الإمام واعترفت بها”.

وفي مقابل رفض الشيخ “عبد الرازق” الإقرار بالحالة الوجوبية التامة والنهائية لمسألة الخلافة، فإنه يقبل بها – على سبيل الجدل – إذا كانت اختيارية، وبمنطق هو أقرب للتعددية السياسية القائمة على تداول السلطة، والاختيار بالوسائل الديمقراطية الحديثة، وبعيدا عن الضغوط الدينية والشرعية. ولهذا، ومع افتراضه الجدلي، يقول “إن الخلافة في الإسلام لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأن تلك القوة كانت، إلا في النادر، قوة مادية مسلحة”.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن كتاب “الإسلام وأصول الحكم” ليس مجرد بحث في التاريخ أو الفقه، بل هو بيان سياسي ينتمي لروح النهضة، حاول فيه مؤلفه كسر طوق التقليد وتأسيس مرجعية سياسية عقلانية. ورغم سحب شهادة العالمية من الشيخ علي عبد الرازق وفصله من منصبه آنذاك، إلا أن كتابه ظل النص المؤسس لكل الحوارات اللاحقة حول العلمانية والإسلام، والديمقراطية والخلافة، مؤكدا أن قضية “نظام الحكم” ستظل المساحة الأكثر احتياجًا للمراجعة النقدية في الفكر العربي والإسلامي المعاصر.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى