في زحام من وسائل الرفاهية والراحة التي لم يعرفها الإنسان في عصوره السابقة، وعلى خلاف ما يجب أن يكون؛ يسود إحساس عام بالتعب والإرهاق الشديد؛ بسبب أن الحياة العصرية الممتلئة بلهاث المتابعة لكل ما هو جديد، في زمن تتضاعف فيه المعرفة الإنسانية بشكل شبه يومي- لا تترك لنا فرصة للشعور بالراحة الحقيقية التي تفرض توفر عدة عوامل لم تعد موجودة في وقتنا الحالي.
مزيد من الرفاهية.. مزيد من الإرهاق الروحي.. كثير من الاغتراب. هذا المعنى يكاد يجزم بتحققه كثير من الناس. نحن مثقلون بكلل غامض لا سبيل إلى التخلص منه.. إن الكَبَدَ الذي يناور إنسان العصر الحالي للفرار منه- يتطور إلى أشكال أكثر ضراوة؛ كلما تعددت محاولات الإنسان لمواجهته والتغلب عليه.
في الأزمنة السابقة كان التعب نتيجة طبيعية للعمل، وكانت الراحة نقيضه المنطقي. أما اليوم فقد انفصل التعب عن سببه، وصارت الراحة نفسها مرهقة.. إننا نحيا بشعور دائم قوامه خشية الفوات.. حتى أننا وصلنا لمرحلة لا نستطيع معها حصر ما نخشى فواته.
تلك الملازمة مرهقة لدرجة أنها تصيب أجهزة استقبالنا بالعطب، فلا نستطيع معها إدراك لحظات السعادة التي كنا نعاينها فيما سبق. وكأننا معطلون على نحو ما، نعاين أمورا اعتيادية بصدمة المذهول، ونواجه الأمور الخطيرة ببلادة محيرة!
تعاطينا مع المعاني صار مختلفا.. أحدث ذلك التباسا شديدا.. اللهاث الدائم قضى على معنى الإنجاز.. النهم التهم الإحساس بالجدوى.. الدأب صار دوامة لا نهاية لها، تسحبنا في سباق محموم بلا نهاية.
حين يغيب المعنى، يتحول كل فعل إلى عبء، مهما بدا بسيطا. ليست المشكلة في كثرة المهام، بل في فراغها الدلالي. الإنسان يستطيع أن يتحمل أقسى الأعمال إذا شعر أنها جزء من قصة أوسع، لكنه حين يحصر نفسه في مهام متكررة بلا أفق.. لا شك أنه سيكون أسير الضجر.
في هذا الصراع الذي فُرض على إنسان هذا العصر- صار من المتوجب عليه أن يكون ناجحا، منافسا، متوازنا، إيجابيا، صامدا، ممتنا، جاهزا طوال الوقت، مستعدا لمواجهات ربما تفوق قدرته على الاحتمال.. أصبحت السعادة ذات معان ملتبسة.. لا تكاد تمسك بها حتى تتفلت من بين أصابعك.. الأشخاص من حولك ذوو أدوار، لا تعرف الاستدامة.. وأنت بدورك كذلك بالنسبة لهم؛ فلقد صبغ العصر أبناءه بصبغة التقلب والتوق لخوض تجارب جديدة دون ضرورة ملحّة.
في هذا السياق، لم تعد المعاناة تجربة إنسانية طبيعية، بل إخفاقا شخصيا مرعبا. ومن هنا ينشأ تعب مضاعف: تعب من الألم، وتعب من الشعور بالذنب لأننا نشعر بالألم. نُرهق أنفسنا بمحاولة الشعور بما يُفترض أن نشعر به، لا بما نشعر به فعلا.
يظن الإنسان أنه غارق في زمنه، بكل ما يمليه عليه من شروط مجحفة، والحقيقة أن الإنسان لا يعيش ذلك الزمن؛ لأن وجوده فيه محفوف بالخوف على الآتي ومن الآتي، ومحاولات امتلاكه ودرء المخاطر المحيطة به.. هذا الإحساس يمنع الإنسان من امتلاك الراهن وتطويعه لصنع سعادة حقيقية، لأن الوقت يفقد مزية تدفقه النهري الهادئ؛ ليصبح شظايا متناثرة لا ينظمها ناظم بفعل الملاحقة والمعاكسة التي تفرضها متطلبات الصراع من يقظة مستمرة وتحول مباغت.. ما تستحيل معه مشاعر السكينة والأمان.
اشتكت إحدى الطالبات، من أنها كانت تشاهد مناظرات، شاركت فيها قبل عشر سنوات، من أنها أدركت أن معدل ذكائها انخفض بصورة مروِّعة، تأكد ذلك لديها عندما طالعت أبحاثا ومقالات كانت قد كتبتها في تلك الفترة.. ما يؤكد أننا ضحايا لتكنولوجيا الرفاهية والذكاء الاصطناعي، وأننا صرنا بشرا قيد الإلغاء.
استعادة المعنى ليست قرارا تقنيا، بل موقفا وجوديا. القدرة على إبطاء الإيقاع لا هربا من الحياة، بل اقترابا منها. القبول بالنقص والضعف بوصفهما جزءا من الإنسانية، لا عيبا يحسن إصلاحه.
قد لا نستطيع تغيير العالم، لكننا نستطيع تغيير علاقتنا به. أن نمنح أنفسنا حق الصمت، وحق الملل، وحق الفشل.. وحق ألا نكون منتجين وناجحين طوال الوقت. فربما لسنا متعبين من قسوة الحياة؛ بل لأننا لم نعد نمنحها الوقت الكافي لتُفهم.
لا يحتاج القارئ الحصيف إلى مساعدة في إدراك سبيل الخروج من هذا المأزق.. الاسترداد سيحدث عندما نعود من حيث جئنا قبل أن يدهمنا طوفان التحديث الجنوني الذي فقدنا معه القيمة والمعنى.. أما الأجيال الجديدة التي وجدت في تلك البؤرة الصاخبة من اللهاث المتسارع، فلا سبيل إلى إنقاذها إلا أن تدرك أن واقعها ليس قدرا محتوما بالضرورة، وأن حياة أفضل بكثير تستحق أن تعاش، لا وجود لها الآن في عالمهم المرهِق.








