رؤى

غاز شرق المتوسط.. التنافس الإقليمي وصراع الطاقة

في حوضٍ طالما شكّل مَعْبَرا للحضارات والتجارة، اختلطت فيه اليوم خرائط الطاقة بحدود السياسة، فتحوّل شرق البحر المتوسط إلى واحدة من أكثر الساحات الجغراسياسية تعقيدا في العالم. فمع تسارع اكتشافات الغاز الطبيعي خلال العقد الأخير، لم يعد الحديث يدور حول ثروة اقتصادية واعدة فحسب؛ بل عن صراع متعدد المستويات، تتقاطع فيه السيادة والحدود والتحالفات الدولية.

وأمام هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: ما المؤشرات الدالة على تصاعد التوتر في شرق المتوسط؟؛ وهل نحن إزاء منطقة صراع جغراسياسي مفتوح؟ ثم ما المسارات المحتملة لمستقبل هذا النزاع؟

بالنسبة للمؤشرات، يمكن الإشارة إلى أربعة منها:

تتجلى أولى مؤشرات التوتر في النزاعات الحادة حول ترسيم الحدود البحرية، والمناطق الاقتصادية الخالصة. فقد أظهرت الاكتشافات الغازية هشاشة الترتيبات القانونية القائمة، وأعادت إحياء خلافات قديمة كانت مجمّدة بفعل غياب الحافز الاقتصادي. اليونان وقبرص ومصر اعتمدت مقاربة قانونية تستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بينما ترفض تركيا هذه الاتفاقية أصلا، وترى أنها تظلمها بحكم طول سواحلها في المتوسط. هذا التباين القانوني تحوّل إلى صدام سياسي، تُرجم عمليا بإرسال سفن تنقيب تركية إلى مناطق متنازع عليها، ترافقها قطع بحرية عسكرية، في مقابل انتشار بحري يوناني وقبرصي، ما جعل شرق البحر المتوسط ساحة استعراض قوة مستمر.

المؤشر الثاني، يتمثل في تدويل الخلافات عبر الشكاوى المتبادلة إلى الأمم المتحدة. فقد لجأت دول عدة، من بينها ليبيا واليونان وقبرص ومصر، إلى تسجيل اعتراضات رسمية على اتفاقيات أو أنشطة تنقيب تعتبرها انتهاكا لسيادتها. هذا السلوك يعكس انسداد قنوات التفاهم الثنائي، وتحويل النزاع إلى ملف “قانوني-سياسي” مفتوح على الساحة الدولية. ورغم أن هذه الشكاوى لا تفضي بالضرورة إلى حلول فورية، فإنها تُراكم سرديات متعارضة حول “الشرعية”، وتزيد من صعوبة التوصل إلى تسويات لاحقة.

أما المؤشر الثالث، فيكمن في تشكّل شبكة تحالفات إقليمية متقابلة، اتخذت من الطاقة مدخلا لإعادة ترتيب الاصطفافات السياسية. فقد أُنشئ “منتدى غاز شرق المتوسط” ليضم مصر واليونان وقبرص والأردن والسلطة الفلسطينية وإيطاليا، إضافة إلى إسرائيل، في إطار تعاون “اقتصادي- تقني” يهدف إلى تنسيق سياسات الإنتاج والتصدير. غير أن هذا المنتدى حمل منذ بداياته بُعدا سياسيا واضحا، تمثل في استبعاد تركيا، الأمر الذي عزز شعور أنقرة بالتطويق الاستراتيجي، ودفعها إلى البحث عن بدائل، أبرزها تعميق شراكتها مع ليبيا عبر اتفاقية ترسيم الحدود البحرية، الموقعة عام 2019.

ويتجسد المؤشر الرابع في تصاعد الخطاب السياسي والدبلوماسية الصدامية. فقد ارتفعت حدة التصريحات المتبادلة، واتخذت طابعا تعبويا يخاطب الرأي العام الداخلي بقدر ما يوجّه رسائل خارجية. فالاتهامات بـ”التنقيب غير الشرعي” و”الاعتداء على السيادة”، تقابلها اتهامات مضادة بـ”الإقصاء” و”تجاهل الحقوق المشروعة”. وإلى جانب الخطاب، تحمل المناورات العسكرية المشتركة، والزيارات الدبلوماسية عالية المستوى، رسائل قوة محسوبة، تؤكد أن النزاع لم يعد حبيس الغرف المغلقة.

في ضوء هذه المؤشرات، يصعب اعتبار ما يجري في شرق المتوسط مجرد خلاف اقتصادي قابل للاحتواء السريع؛ فالمنطقة باتت أقرب إلى ساحة صراع جغراسياسي مفتوح، حيث تحوّل الغاز إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ. فالغاز -هنا- لم يعد مجرد سلعة، بل أداة جغراسياسية بامتياز.

فتركيا، التي ترى نفسها قوة متوسطية كبرى، والتي تشعر بتهميش متزايد في المتوسط بعد اكتشافات الغاز التي استبعدت منها، تسعى إلى كسر عزلتها عبر تعزيز علاقاتها مع ليبيا، والتدخل المباشر في عمليات التنقيب. وهذا الموقف يعكس رؤية أنقرة لمكانتها كقوة إقليمية لا يمكن تجاهلها، خاصة في ظل امتلاكها أطول السواحل في المنطقة.

ويزداد المشهد تعقيدا مع دخول القوى الكبرى على خط الأزمة. فالولايات المتحدة تدعم مشاريع التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، لا سيما تلك التي تقلل اعتماد أوروبا على الغاز الروسي؛ لكنها، في الوقت نفسه، تحرص على عدم خسارة تركيا بوصفها حليفا في حلف شمال الأطلسي. أما روسيا، فترى في أي بدائل غازية محتملة تهديدا لمكانتها في السوق الأوروبية، وتتعامل بحذر مع تطورات شرق المتوسط، خصوصا في ظل ارتباطها – إلى الآن – بالملف السوري. وهكذا، يتجاوز الصراع حدود الإقليم، ليصبح جزءا من تنافس أوسع على الطاقة والنفوذ.

أما عن الاحتمالات المستقبلية، فيمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسة:

المسار الأول، وهو الأكثر ترجيحا على المدى القريب، يتمثل في استمرار التصعيد المحدود دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة. في هذا السيناريو، تستمر عمليات التنقيب المتنازع عليها، وترافقها احتجاجات دبلوماسية ومناورات عسكرية، مع تدخلات دولية دورية لاحتواء التوتر. هذا النمط يحقق للأطراف مكاسب سياسية داخلية، لكنه يُبقي المنطقة في حالة عدم استقرار مزمن، ويؤثر سلبًا في الاستثمارات طويلة الأمد.

المسار الثاني، يقوم على التفاوض والتسوية الجزئية. فقد تدفع الضغوط الاقتصادية، وتراجع الجدوى التجارية لبعض المشاريع في ظل تقلبات أسعار الطاقة، الأطراف إلى إعادة حساباتها. في هذه الحالة، قد نشهد مفاوضات غير مباشرة، أو صيغا لتقاسم العوائد في المناطق المتنازع عليها، دون حسم نهائي لمسألة السيادة. هذا السيناريو يتطلب إرادة سياسية عالية، وضمانات دولية، لكنه يظل ممكنًا إذا تلاقت المصالح عند نقطة الاستقرار.

أما المسار الثالث، الأقل احتمالا لكنه الأخطر، فيتمثل في التصعيد الواسع نتيجة حادث غير محسوب. فالكثافة العسكرية في منطقة ضيقة، وغياب آليات واضحة لإدارة الأزمات، يرفعان من مخاطر سوء التقدير. أي اشتباك محدود قد يتحول سريعا إلى أزمة إقليمية، تستدعي تدخل قوى دولية، وتُلقي بظلالها على أمن المتوسط بأسره.

وفي المحصلة.. يكشف صراع شرق المتوسط عن الوجه الآخر لثروات الطاقة في مناطق النزاع. فبدل أن تكون مُحفِّزا للتعاون، تحوّلت إلى عامل تعميق للخلافات، في ظل غياب إطار إقليمي جامع لإدارتها. وبين ثروة الغاز ولعنة الجغرافيا السياسية، تقف المنطقة عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تحويل التنافس إلى شراكة، أو تستمر ساحة مفتوحة لتوترات لا يبدو أنها ستُحسم قريبا.

 

 

 

 

 

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى