رؤى

رهان الطاقة الاستراتيجي.. في العلاقات التركية الليبية

في السنوات الأخيرة، عادت العلاقات “التركية- الليبية” لتتصدر المشهد الإقليمي، لكن هذه المرة من بوابة الطاقة، بعد أن كانت لسنوات طويلة محكومة باعتبارات أمنية وعسكرية وسياسية. إعلان وزير الطاقة والموارد الطبيعية التركي، ألب أرسلان بيرقدار، أن عام 2026، سيكون “عام الطاقة” في مسار التعاون بين أنقرة وطرابلس، لا يمكن قراءته بوصفه تصريحا تقنيا أو اقتصاديا فحسب، وإنما باعتباره تتويجا لمسار طويل من التداخل بين المصالح الاستراتيجية للطرفين، ومحاولة لإعادة صياغة العلاقة على أسس أكثر استدامة وأقل ارتباطا بالظرف الأمني الطارئ.

من منظور تركي، تمثل ليبيا فرصة مركبة يصعب تعويضها في شرق المتوسط وشمال أفريقيا؛ فهي دولة تمتلك أحد أكبر احتياطيات النفط والغاز في أفريقيا، وبنية تحتية طاقوية تحتاج إلى إعادة تأهيل واسعة، وسوقا واعدة للشركات التركية التي اكتسبت خبرة كبيرة في مجالات البناء والطاقة والخدمات اللوجستية.

إضافة إلى ذلك، تشكل ليبيا عمقا جغراسياسيا مُهمًّا لتركيا في معادلة شرق المتوسط، خصوصا في ظل الصراع المحتدم حول ترسيم الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز. الاتفاقية البحرية الموقعة بين أنقرة وحكومة الوفاق السابقة عام 2019، لم تكن حدثا معزولا، ولكن كانت جزءا من رؤية أشمل تسعى من خلالها تركيا إلى كسر محاولات عزلها عن ثروات المتوسط، وتعزيز حضورها بوصفها فاعلا رئيسا في معادلات الطاقة الإقليمية.

في المقابل، تنظر ليبيا، وتحديدا السلطات التي تدير غرب البلاد، أي حكومة الوحدة التي يترأسها عبد الحميد الدبيبة، إلى تركيا باعتبارها شريكا استراتيجيا لا غنى عنه في هذه المرحلة الانتقالية المعقدة. فالدعم العسكري والسياسي الذي قدمته أنقرة كان حاسما في منع سقوط طرابلس، وما يزال يشكل عنصر توازن في مواجهة الخصوم الداخليين والخارجيين.

لكن الأهم من ذلك، أن ليبيا تحتاج إلى شركاء قادرين على الاستثمار بسرعة وفعالية في قطاعات حيوية، وعلى رأسها الطاقة، دون فرض شروط سياسية قاسية أو الدخول في حسابات معقدة مرتبطة بالاستقطابات الدولية. بناءً على ذلك، تقدم تركيا نفسها بوصفها شريكا “براغماتيا” يربط بين الأمن والاقتصاد، ويعرض نموذج تعاون يقوم على تبادل المصالح لا على الوصاية.

الطاقة هنا ليست مجرد قطاع اقتصادي؛ بل أداة لإعادة هندسة العلاقة بين البلدين. فالتوسع في التعاون النفطي والغازي يمنح ليبيا فرصة لزيادة الإنتاج، وتحسين العائدات، وإعادة تأهيل المنشآت المتضررة، في وقت تعاني فيه البلاد من أزمات مالية وخدمية خانقة. كما أن دخول الشركات التركية بقوة، في هذا المجال، قد يساهم في تنويع الشركاء وتقليل الاعتماد على أطراف تقليدية، ما يمنح طرابلس هامش مناورة أوسع في علاقاتها الخارجية. في المقابل، تستفيد تركيا من تأمين مصادر طاقة قريبة نسبيا، ومن فرص استثمارية كبيرة، ومن تعزيز نفوذها في سوق إقليمي شديد التنافسية.

أما على مستوى الاحتمالات المستقبلية للعلاقات بين أنقرة وطرابلس، فيمكن القول إن المسار مرهون بثلاثة عوامل رئيسة:

– العامل الأول، هو الاستقرار السياسي والأمني داخل ليبيا. فكلما تقدمت جهود التسوية، وجرى توحيد المؤسسات، زادت فرص تحويل التعاون الطاقوي إلى شراكة طويلة الأمد. أما استمرار الانقسام والصراع، فقد يجعل هذا التعاون عرضة للتعطيل أو التسييس.

– العامل الثاني، يتمثل في قدرة الطرفين على الانتقال من منطق “التحالف الظرفي” إلى منطق “الشراكة المؤسسية”، عبر أطر قانونية واضحة، واستثمارات مستدامة، وآليات شفافة لتقاسم المنافع.

– العامل الثالث، يرتبط بالبيئة الإقليمية والدولية، وما تفرضه من فرص وضغوط في آن.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل دور الدول الإقليمية، وعلى رأسها مصر والجزائر، في التأثير على مستقبل العلاقات “التركية- الليبية”.

فمصر تنظر تقليديا إلى ليبيا باعتبارها امتدادا مباشرا لأمنها القومي، وكانت على خلاف واضح مع السياسات التركية خلال السنوات الماضية، خصوصا بسبب دعم أنقرة لقوى سياسية وعسكرية في غرب ليبيا. ورغم التحسن النسبي في العلاقات “التركية- المصرية”، خلال الفترة الأخيرة، فإن القاهرة ما تزال تراقب بحذر أي توسع تركي في ليبيا، خاصةً في مجالات حساسة مثل الطاقة والبنية التحتية. غير أن هذا الحذر قد يتحول إلى قبول مشروط إذا ما رأت مصر أن الوجود التركي لا يهدد مصالحها المباشرة، أو إذا جرى إدماجه في ترتيبات إقليمية أوسع تقلل من منسوب “التنافس الصفري”.

أما الجزائر، فموقفها أكثر تعقيدا وتوازنا. فهي تدعم استقرار ليبيا ووحدتها، وتعارض أي تدخلات أجنبية تُفضي إلى تفكيك الدولة؛ لكنها، في الوقت نفسه، تحافظ على علاقات جيدة مع تركيا، وتدرك أهمية التعاون الإقليمي في مجال الطاقة. الجزائر قد تلعب دور “الوسيط الصامت” الذي يخفف من حدة التنافس، ويدفع نحو مقاربات تعاونية بدل الصدامية، خصوصا إذا ما تلاقت المصالح في ملفات مثل أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، وتنظيم أسواق الطاقة في المتوسط وأفريقيا.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن العلاقات “التركية- الليبية” تدخل فعلا مرحلة جديدة، عنوانها الاقتصاد والطاقة، لكن جذورها تظل سياسية واستراتيجية بامتياز. نجاح هذا التحول مرهون بقدرة الطرفين على إدارة تعقيدات الداخل الليبي، وبتكيفهما مع توازنات الإقليم المتغيرة، وبمدى استعداد الدول المجاورة للتعامل مع هذا التقارب بوصفه فرصة للاستقرار لا تهديدا للمصالح.

بعبارة أخرى، التحول التركي نحو “عام الطاقة” مع ليبيا هو محاولة لتحقيق استدامة النفوذ؛ فهو يجعل الوجود التركي مربحا اقتصاديا وليس عبئا ماليا فقط، ويخلق شبكة من المصالح التجارية التي تصعب إزالتها حتى مع تغير الحكومات. لكن هذا الطموح التركي ليس على طريق معبّد؛ فهو يواجه تحديات داخلية ليبية تتمثل في هشاشة الدولة والانقسام، وتحديات إقليمية من دول ترى في هذا التحالف تهديدا لمصالحها، وتحديات دولية من قوى مثل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي الذي يفضل شركاته في قطاع الطاقة الليبي.

وبالتالي، فإن مستقبل العلاقات “التركية-الليبية” سيكون نتاج تفاعل معقد بين عدة عوامل: قدرة تركيا على تحويل قوتها العسكرية إلى عقود اقتصادية حقيقية، ومدى استقرار النظام السياسي في طرابلس وتماسكه، ونجاح الدول الإقليمية المعارضة (خاصة مصر)، في عرقلة هذا المسار أو إجبار الجميع على طاولة تفاوض جديدة توزع فيها الحصص.

في جميع الأحوال، يبدو أن ليبيا، مرة أخرى، تتحول إلى ساحة اختبار رئيسة للنفوذ الإقليمي، حيث تختلط خطوط الغاز والنفط بخطوط الصراع السياسي والتحالفات المتغيرة.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى