ترجمة: أحمد بركات
بعد عام واحد من عودته إلى البيت الأبيض، كشف استطلاع رأي عالمي أجراه أحد مراكز الأبحاث أن معظم سكان العالم يعتقدون أن شعار “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” الذي يرفعه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ومؤيدوه، يساعد ـ في واقع الأمرـ في جعل الصين – وليس أمريكا – عظيمة مرة أخرى.
كما كشف الاستطلاع الذي أجراه “المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية”، وشمل 21 دولة، أيضا أن الخصوم التقليديين للولايات المتحدة أصبحوا “أقل خوفا” منها الآن تحت قيادة ترمب، بينما بات حلفاؤها-خاصة الأوربيين- أكثر بعدا عنها من ذي قبل.
ووفق الدراسة، لم يعد معظم الأوروبيين يرون الولايات المتحدة “حليفا موثوقا”، ومن ثم يعتقدون بدرجة متزايدة ضرورة إعادة تسليح أنفسهم. على الجانب الآخر، ينظر الروسيون الآن إلى أوروبا باعتبارها “أكثر عداء” لبلادهم من الولايات المتحدة، فيما يتطلع الأوكرانيون بدرجة أكبر إلى بروكسل – مقارنة بواشنطن- للحصول على الدعم.
ووجد الاستطلاع الذي شمل نحو 26 ألف مشارك من 13 دولة أوروبية والولايات المتحدة والصين والهند وروسيا وتركيا والبرازيل وجنوب أفريقيا وكوريا الجنوبية أن الغالبية في جميع هذه الدول تقريبا؛ تتوقع تزايد النفوذ العالمي للصين خلال العقد القادم.
وترواحت نسب المشاركين الذين تبنوا هذا الرأي بين 83% في جنوب أفريقيا، و72% في البرازيل، و63% في تركيا، و54% في الولايات المتحدة، و53% في 10 دول أعضاء في الاتحاد الأوروبي، و51% في الهند، وصولا إلى50% في المملكة المتحدة.
وتوقع أغلب مواطني دول الاتحاد الأوروبي أن تقود الصين العالم في وقت قريب في مجالي المركبات الكهربائية والطاقة المتجددة.
وفي السياق، أبدت نسبة ضئيلة من مؤيدي فكرة القيادة الصينية القادمة للعالم- قلقها حيال ذلك. كما أظهر الاستطلاع أن الغالبية في دولتين فقط، هما أوكرانيا وكوريا الجنوبية، تنظر إلى الصين باعتبارها “منافس” أو “خصم”، فيما اعتبرت نسبة أكبر في كل من جنوب أفريقيا والهند والبرازيل الصين “حليفا” مقارنة باستطلاع أُجري منذ عامين.
واعتبرت الغالبية، (85%) في جنوب أفريقيا و(86%) في روسيا، و(73%) في البرازيل أن الصين “شريك مهم” أو “حليف”. ولم تختلف وجهة النظر هذه كثيرا في دول الاتحاد الأوروبي، حيث اعتبر 45% من المشاركين في الاستطلاع من الأوروبيين الصين “شريكا مهما”. كما توقَّع عدد كبير، أن تسعى بلادهم إلى زيادة توثيق علاقاتها مع الصين.
في الوقت نفسه، بينما أكد عدد كبير من المشاركين في الاستطلاع في البرازيل والهند وجنوب أفريقيا وتركيا على أن الولايات المتحدة ستظل “مؤثرة”، إلا أن هذا الرأي لم يحظ بأغلبية خارج هذه البلاد، بما في ذلك في الولايات المتحدة ذاتها، التي ارتأت الأغلبية فيها أن النفوذ الأمريكي لن يزداد “على الأرجح”.
وفي ظل تفضيل الصين، تراجعت وضعية الولايات المتحدة بوصفها حليفا في جميع الدول التي شملها الاستطلاع؛ باستثناء الهند التي لا تزال الأغلبية فيها تشعر بأن الولايات المتحدة “حليف” يشارك بلدهم قيمها ومصالحها.
وكما أظهرت استطلاعات رأي أخرى أيضا، فإن التغيير الذي طرأ على صورة الولايات المتحدة لدى مواطني دول لاتحاد الأوروبي كان لافتا بشكل خاص، حيث يعتبر 16% فقط الولايات المتحدة “حليفا”، فيما يعتبرها 20% “منافسا” أو “عدوا”. وتعاني النظرة إلى الولايات المتحدة تراجعا حادا أيضا في الدول الأخرى المشمولة بالاستطلاع.
كما أظهر الاستطلاع في معظم الدول توقعات بتراجع أسهم ترمب نفسه على نحو دراماتيكي، حيث تراجعت نسب المشاركين في الاستطلاع ممن أكدوا أن إعادة انتخاب الرئيس الأمريكي تصب في صالح الشعب الأمريكي، أو في صالح بلدانهم، أو في صالح السلام العالمي، مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اثنى عشر شهرا.
وأجرى مجلس العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروربي هذا الاستطلاع، وهو الرابع ضمن سلسلة استطلاعات، بالتعاون مع مشروع “أوروبا في عالم متغير” التابع لجامعة أكسفورد. ويشير إلى أنه مع تغير ميزان القوة في العالم، فإن نظرة الشعوب إلى أوروبا تتغير أيضا، لا سيما في روسيا.
فمع حلول العام الخامس من عمر الحرب الروسية على أوكرانيا -في فبراير- ترجح نسبة أكبر من المشاركين الروسيين في الاستطلاع (51%) اعتبار أوروبا خصما لبلدهم، مقارنة بـ 41% في العام الماضي، فيما تذهب نسبة أقل (37%) إلى اعتبار الولايات المتحدة خصما لموسكو، وذلك مقارنة بما كان عليه الوضع قبل اثنى عشر شهرا (48%).
على الناحية الأخرى، يرجح الأوكرانيون، بنسبة 39%، اعتبار أوروبا حليفا أقرب إلى بلدهم من الولايات المتحدة، التي حصلت على نسبة 18%، مقابل 27% في العام الماضي. كما تتغير نظرة الصينيين إلى أوروبا، حيث يعتبر 61% من المشاركين في الاستطلاع أن الولايات المتحدة تشكل “تهديدا” لبلدهم مقابل 19% فقط تجاه أوروبا. ولا يرجع ذلك إلى أن المواطنين الصينيين لا يحملون الاتحاد الأوروبي على محمل الجد.
وكشف استطلاع الرأي أيضا أن الغالبية (59%) في الصين، على عكس العديد من الدول، تعتبر الاتحاد الأوروبي “قوة عظمى”، كما يرى 46% الكتلة باعتبارها “شريكا في الغالب”، وهو الرأي الذي أبداه أيضا40% من الأمريكين المشاركين في الاستطلاع، برغم خطاب ترمب المعادي للاتحاد الأوروبي.
رغم ذلك، لا يشعر الكثير من الأوربيين بهذه الدرجة من التفاؤل، حيث لا يعتقد 46% منهم أن الاتحاد الأوروبي يشكل قوة قادرة على التعامل مع الولايات المتحدة أو الصين، على قدم المساواة، وقد تزايد هذا الشعور على مدى العام الماضي، حيث كانت هذه النسبة 42% في عام 2024.
كما يتشكك الكثير من الأوروبيين (49% و51% على التوالي) في إمكانية أن يحمل المستقبل أي خير لبلدانهم أو للعالم، حيث يشعرون بالقلق بشأن اندلاع عدوان روسي على بلدانهم (40%)، واندلاع حرب كبرى في أوروبا (55%). ومن ثم يؤيد أكثر من نصف الأوروبيين (52%) زيادة الإنفاق الدفاعي.
ويكشف الاستطلاع عن عالم تعزز فيه السياسات الأمريكية قوة الصين، ويشير تدخل ترمب في فنزويلا ومطامعه في جرينلاند إلى أن الرئيس الأمريكي قد قرر أنه من الأفضل أن يسود الشعور بالخوف، وليس الشعور بالحب تجاه القوة العظمى.
وقد ينتهي المطاف بتضييق الخناق على أوروبا إلى أقصى درجة أو بتجاهلها تماما. ولا يجب أن يسأل القادة السياسيون في أوروبا أنفسهم، ما إذا كان مواطنوهم يدركون الطبيعة الأصيلة للتغيرات الجيوسياسية الراهنة، لأنهم بالفعل يدركونها.
ويرى الأوروبيون أن النظام العالمي القديم قد انتهى، ومن ثم فإن قادتهم يجب أن يتحلوا في الوقت الراهن بالواقعية والجرأة في آن، وأن يجدوا طرقا جديدة ليس فقط للتعايش في عالم متعدد الأقطاب، وإنما لتصبح بلدانهم أحد الأقطاب في ذلك العالم، وإلا فسيؤول مصيرها إلى الاختفاء بين دول أخرى.
https://www.theguardian.com/us-news/2026/jan/14/global-survey-suggests-trump-is-making-china-not-america-great-again?CMP=fb_gu&utm_medium=Social&utm_source=Facebook#Echobox=1768461372








