رؤى

القصص القرءاني.. فلسفة القرءان في قراءة التاريخ

يحتلّ القصص القرءاني مكانةً مركزية في بنية الخطاب القرءاني، ليس بوصفه سردا تاريخيا أو حكاياتٍ للتسلية؛ بل باعتباره أداةً معرفية وتربوية وتشريعية، تُسهم في بناء الوعي الإيماني والإنساني، وتكشف عن السنن الإلهية الحاكمة لحركة التاريخ والمجتمعات. فالقرءان الكريم لم يورد القصص لمجرد الإخبار عن أحداث ماضية، وإنما جعله وسيلةً للهداية والاعتبار والتثبيت، كما في قوله سبحانه وتعالى: “لَقَدۡ كَانَ فِي قَصَصِهِمۡ عِبۡرَةٞ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِۗ مَا كَانَ حَدِيثٗا يُفۡتَرَىٰ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ” [يوسف: 111]؛ فالغاية الأساسية هي العبرة، لا التفصيل التاريخي ولا التسلسل الزمني الدقيق.

ويمتاز القصص القرءاني بكونه حقّا مُطلَقا صادرا عن علمٍ إلهي محيط، بعيدا عن التحريف أو الانتقاء البشري، وهو ما يؤكده قوله سبحانه: “نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى” [الكهف: 13]. ومن هنا تتجلّى خصوصيته؛ إذ يركّز على جوهر الصراع بين الحق والباطل، والإيمان والكفر، والاستقامة والانحراف، متجاوزا الأشخاص والأزمنة ليقدّم نماذج إنسانية متكررة الحضور في كل عصر. فالقصص في القرءان لا ينتمي إلى الماضي فقط، وإنما يمتد أثره إلى الحاضر والمستقبل، باعتباره تعبيرا عن قوانين ثابتة تحكم مسار الأمم.

السنن الإلهية

وتبرز السنن الإلهية في القصص القرءاني بوصفها الإطار التفسيري الأعمق للأحداث؛ إذ يربط القرءان بين السلوك الإنساني والنتائج المترتبة عليه، سواء على مستوى الأفراد أو الجماعات. فالنصر والهزيمة، والتمكين والزوال، ليست وقائع عشوائية، ولكن نتائج خاضعة لسنن ربانية لا تحابي أحدا؛ وذلك كما تؤكد العبارة القرءانية “فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ “؛ في قوله عزَّ وجل: “وَقَٰرُونَ وَفِرۡعَوۡنَ وَهَٰمَٰنَۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مُّوسَىٰ بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱسۡتَكۡبَرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانُواْ سَٰبِقِينَ ٭ فَكُلًّا أَخَذۡنَا بِذَنۢبِهِۦۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ أَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِ حَاصِبٗا وَمِنۡهُم مَّنۡ أَخَذَتۡهُ ٱلصَّيۡحَةُ وَمِنۡهُم مَّنۡ خَسَفۡنَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ وَمِنۡهُم مَّنۡ أَغۡرَقۡنَاۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيَظۡلِمَهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ” [العنكبوت: 39-40]. وأيضا كما في قوله عزَّ من قائل: “… إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ” [الرعد: 11]؛ وهي آيات تُظهر بوضوح العلاقة السببية بين الفعل الإنساني والمآل التاريخي.

كما يؤدي القصص القرءاني وظيفةً نفسية وتربوية بالغة الأهمية، خاصة في تثبيت القلوب في أوقات الشدة والابتلاء، وهو ما صرّح به القرءان صراحةً في قوله سبحانه: “وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ” [هود: 120]. فقصص الأنبياء ليست مجرد عرض لمعارك الدعوة، ولكن تجسيد عملي لمعاني الصبر، والثبات، والثقة بوعد الله، واليقين بأن العاقبة للمتقين.

وبذلك، يشكّل القصص القرءاني مدخلا أساسيا لفهم فلسفة القرءان في قراءة التاريخ والواقع، حيث تتلاقى الهداية مع السنن، والعقيدة مع الحركة، ليغدو القصص خطابا حيًّا يتجاوز حدود الزمن، ويخاطب الإنسان في كل سياق، داعيًا إياه إلى التفكر والاعتبار، لا إلى الاكتفاء بالسماع والرواية.

القصص القرءاني

في تأمل قوله سبحانه وتعالى: “نَحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَصِ بِمَآ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ…” [يوسف: 3]، نجد أن هذه الآية تؤشِّر إلى جماليات ودلالات رمزية عميقة بخطاب الوحي؛ إذ يحتلّ القصص القرآني مكانة مركزية في البناء المعرفي والبياني البلاغي لهذا الخطاب الإلهي، الذي يجمع بين جمال السرد، عمق الهداية، ويقدّم للإنسان نموذجا استثنائيا من التوجيه الروحي والإيماني.

وحين يصف الذكر الحكيم القصص بأنه “أَحۡسَنَ ٱلۡقَصَص”، لم يكن ذلك لجمال القصة فحسب؛ ولكن لما تنطوي عليه من إعجاز في البيان، وثراء وتنوع في الدلالات التي تتجاوز حدود الزمان والمكان، وفق الطاهر بن عاشور في كتابه “التحرير والتنوير”، وهو منهج قرءاني تلتمس معه سنن الله في النفس والمجتمع وكذا قوانين التاريخ.

ومن ثم، فعناصر الجمال في هذا القصص تتضمن الهداية، بقدر ما تشتمل على العِبر والحِكم؛ فيما يمثل القصص الديني أحد أقدم أشكال التعبير التي صاغ بها الإنسان فهمه للعالم، ووعيه بذاته، فضلا عن إدراكه لعلاقته بالوجود. فالقصة لم تكن مجرد وسيلة للتسلية، وإنما كانت دائما أداة معرفية وأخلاقية، تُقدّم من خلالها الحضارات الكبرى إجاباتها الأولية عن أسئلة الحياة والموت والعدل والقدر. ومع ظهور الأديان التوحيدية، بلغ القصص الديني ذروته في النصوص المقدسة، وفي مقدمتها القرآن الكريم، الذي احتل فيه القصص موقعا مركزيا في تشكيل الخطاب الإلهي للإنسان.

كما يحتلّ مفهوم العِبرة موقعا رئيسا في دراسة القصص القرءاني، وفق المفكر السوري محمد شحرور، نظرا لارتباط هذا القصص بطبيعته الغيبية أولا، وبمحتواه الحقّاني ثانيا. فالنصّ القرءاني يقدّم القصص بوصفه جزءا من أنباء الغيب، التي يختصّ الله تعالى إعلام نبيه بها، كما في قوله سبحانه: “تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ…” [هود: 49]؛ وقوله تعالى: “ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهِ إِلَيۡكَۖ…” [يوسف: 102].

وإلى جانب خاصية الغيب، يصف القرءان هذا القصص بأنه حقٌّ منزّه عن الظنّ والاحتمال، على نحو ما يؤكده قوله عزَّ وجل: “نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ…” [الكهف: 13]؛ وقوله عزَّ من قائل: “إِنِ ٱلۡحُكۡمُ إِلَّا لِلَّهِۖ يَقُصُّ ٱلۡحَقَّۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلۡفَٰصِلِينَ…” [الأنعام: 57].

وبناءً على هذه المحدّدات، تتبدّى العِبرة باعتبارها جملة الدروس، المعاني، والنتائج التي تُستخلص من تأمّل نصوص القصص القرآني ضمن عملية تدرّجية واعية. وكون العبر نتاجا لعملية نظر بشرية، فإنها تظلّ خاضعة لمعيار الخطأ والصواب من جهة الاجتهاد التأويلي، مع ثبات النصّ نفسه بوصفه حقيقة موضوعية لا يدخلها التغيّر، وفق شحرور في كتابه “القصص القرآني”.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن القصص القرءاني يقدم لنا “خارطة طريق إلهية”، تُظهر عواقب الخيارات البشرية في ضوء السنن الثابتة. إنه مرآة نرى فيها أنفسنا ومجتمعاتنا، ونتعرف من خلالها على طريق النجاة، ونحذر من دروب الهلاك.. فهو النور الذي يضيء ظلمات الحيرة، والدليل الذي يهدي إلى صراط الله المستقيم، الذي: “لَّا يَأۡتِيهِ ٱلۡبَٰطِلُ مِنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَلَا مِنۡ خَلۡفِهِۦۖ تَنزِيلٞ مِّنۡ حَكِيمٍ حَمِيدٖ” [فصلت: 42]، كما يؤكد سبحانه وتعالى.

وللحديث بقية.

 

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى