بعد مرور عام على الولاية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم تعد طريقته في الحكم مجرد أسلوب مثير للجدل؛ بل تحولت إلى نمط يمكن رصده وتحليله. فالرجل الذي بنى صورته السياسية على مزيج من التهديد، والمفاجأة، والضغط الأقصى، بدا كأنه يراهن على سياسة “حافة الهاوية” لتحقيق مكاسب سريعة، داخليا وخارجيا. غير أن تكرار التراجع عن قرارات كبرى، بعد تصعيد لفظي وسياسي حاد، أضعف من قوة هذا الرهان، وفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول دوافع هذه الانعطافات المتكررة، وحول الثمن الاستراتيجي الذي تدفعه الولايات المتحدة، عندما تظهر بوصفها شريكا متقلبا يصعب الوثوق به.
في جوهر هذه السياسة، يتعامل ترامب مع القرار السياسي باعتباره أداة تفاوض لا التزاما نهائيا. التهديد بالنسبة له ليس مقدمة حتمية للفعل، وإنما وسيلة لخلط الأوراق، ورفع سقف التوقعات، ودفع الخصم إلى تقديم تنازلات وقائية. من هنا، يمكن فهم تراجعه عن تهديد الاستيلاء على غرينلاند بالقوة، أو تخفيفه التدريجي لحملته الصدامية ضد الهجرة في ولايات معينة، أو تردده في استخدام الحرس الوطني. هذه القرارات لم تُلغَ لأن ترامب غيّر قناعاته، ولكن لأن كلفة تنفيذها، سياسيا وقانونيا واقتصاديا، بدت أعلى من العائد المتوقع منها.
أحد أهم دوافع تراجع ترامب هو اصطدامه بالمؤسسات الأمريكية. إذ، على رغم خطابه الشعبوي الذي يهاجم فيه “الدولة العميقة”، ما يزال النظام الأمريكي قائما على توازنات معقدة بين الرئاسة، والكونغرس، والمحاكم، وحكومات الولايات. عندما تتحول تهديداته إلى مشاريع تنفيذية، تبدأ هذه المؤسسات في تفعيل آليات المقاومة: دعاوى قضائية، تعطيل تشريعي، أو حتى تمرد إداري صامت. عند هذه النقطة، يفضّل ترامب التراجع التكتيكي على الدخول في معركة استنزاف طويلة، قد تنتهي بهزيمة قانونية صريحة تُقوّض صورة الرئيس “القوي”.
الدافع الثاني، يرتبط بالاقتصاد والأسواق؛ حيث إن ترامب، بوصفه رجل أعمال قبل أن يكون سياسيا، حساس جدا لردود فعل “وول ستريت” وكبار المستثمرين. حين أعلن تعريفات جمركية واسعة على الصين ودول أخرى، بدا وكأنه يخوض حربا تجارية شاملة؛ لكنه ما لبث أن تراجع أو جمّد تلك القرارات عندما ظهرت آثارها على الأسواق، وسلاسل التوريد، وأسعار المستهلك. التراجع هنا لم يكن تنازلا للصين بقدر ما كان استجابة لضغوط داخلية من شركات كبرى، ومزارعين، ونقابات، رأت في تلك السياسات تهديدا مباشرا لمصالحها ومشروعاتها وإمكانياتها الربحية.
هناك أيضا عامل الرأي العام، حتى لو حاول ترامب التقليل من أهميته. فالرئيس الأمريكي الذي يجيد مخاطبة قاعدته الصلبة؛ يدرك -في الوقت نفسه- أن خسارة الوسط الانتخابي قد تكون مكلفة، خصوصا في ولايته الثانية التي يسعى فيها إلى تثبيت إرثه التاريخي. عندما تواجه قراراته معارضة شعبية واسعة، أو تغطية إعلامية سلبية مستمرة، يلجأ إلى التراجع الجزئي أو إعادة الصياغة، مقدما ذلك على أنه “مرونة” أو “إعادة تقييم”، لا هزيمة سياسية.
لكن المشكلة لا تكمن فقط، في أسباب التراجع؛ ولكن إضافة إلى ذلك، في تكراره وتحوله إلى “نمط”، أو بالأحرى “نهج ترامبي” متوقع. هنا، ظهر مصطلح “تاكو” الذي يستخدمه خصومه للسخرية من سلوكه، في إشارة إلى أن تهديداته لا تُؤخذ دائما على محمل الجد. هذا الإدراك، سواء لدى الخصوم أو الحلفاء، يضعف، بالطبع، من فعالية سياسة الضغط الأقصى نفسها. فالتهديد الذي لا يُنفذ، أو يُنفذ جزئيا ثم يُسحب، يفقد مع الوقت قدرته على الردع، ويشجع الأطراف الأخرى على اختبار حدود الصبر الأمريكي.
أما على المستوى الحزبي الأمريكي.. داخليا، يؤدي هذا النمط إلى تآكل الثقة بين الحلفاء السياسيين أنفسهم. فحتى داخل الحزب الجمهوري، بدأ بعض القادة يتعاملون بحذر مع مبادرات ترامب، مدركين أنها قد تتغير فجأة تبعا للظروف. هذا يخلق حالة من الضبابية في صنع القرار، ويجعل التخطيط طويل الأمد أكثر صعوبة، سواء في السياسة الداخلية أو الخارجية.
هذا على المستوى الداخلي.. أما خارجيا، تدفع هذه التقلبات الترامبية ثمنا أعلى. الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، خصوصا في أوروبا وآسيا، يعتمدون على قدر من الاستقرار والتوقع في السياسات الأمريكية. عندما يرون رئيسا يغيّر مواقفه بسرعة، أو يتراجع تحت الضغط، يبدأون في البحث عن بدائل تضمن مصالحهم على المدى الطويل. ولعل هذا ما يفسر جزئيا، اندفاع بعض الدول نحو تعميق علاقاتها مع الصين، ليس بالضرورة حبا في نموذجها السياسي، بل بحثا عن شريك يبدو أكثر ثباتا في التزاماته الاقتصادية والاستراتيجية.
أما الخصوم، فيتعلمون بدورهم كيف يديرون اللعبة. فبدلا من الاستجابة الفورية للتهديدات الأمريكية، قد يراهنون على عامل الوقت، وعلى تصاعد المعارضة الداخلية داخل الولايات المتحدة نفسها. ومع كل تراجع، تتعزز قناعتهم بأن الصمود قد يكون مجزيًا، وأن التصعيد الأمريكي غالبا ما يكون مرحلة تفاوضية لا أكثر. هذا يضعف من قدرة واشنطن على فرض خطوط حمراء واضحة، سواء في ملفات أمنية أو تجارية أو جغراسياسية.
في هذا الإطار.. يمكن القول إن “النهج الترامبي” يُظهر أن التكتيكات القائمة على الصدمة والتراجع، قد تحقق مكاسب إعلامية أو تفاوضية قصيرة الأجل في بعض الأحيان؛ لكن تكرارها يُفقدها تأثيرها ويُكبد الدولة ثمنا استراتيجيا باهظا. القوة العظمى لا تُقاس فقط بالقدرة العسكرية أو الاقتصادية، وإنما أيضا بالقدرة على الالتزام بالعهود، وبناء الثقة، وتقديم سياسات يمكن التنبؤ بها ضمن إطار استراتيجي واضح.
والواقع، إن ما يدفع ترامب إلى التراجع ليس ضعفا شخصيا بقدر ما هو اصطدام بين أسلوب يقوم على الصدمة والضغط، ونظام سياسي واقتصادي دولي معقد لا يستجيب دائما للتهديدات. والواقع أيضا، أن الولايات المتحدة، بشبكة تحالفاتها العالمية ونظامها المؤسسي القوي، لديها مرونة تمكنها من استعادة مصداقيتها “الغاشمة” لو تغير النهج.
لكن السؤال الذي يبقى هو: إلى أي مدى يمكن للدول أن تستمر في التعامل مع شريك تتعارض سياسته الخارجية مع مبدأ الثبات، الذي تُبنى عليه العلاقات الدولية والدبلوماسية منذ قرون؟ وإذا كان هذا هو حال “الحلفاء”، فهل يستفيد “الخصوم” من هذا النهج.. إيران أحد الأمثلة؟!







